صعد السيناتور اليميني، “فلافيو بولسونارو”، مواجهته السياسية مع الرئيس البرازيلي، “لويس إيناسيو لولا دا سيلفا”، بعد إعلانه، اليوم الخميس، من مدينة “ميامي” الأمريكية، أحقيته بقيادة البرازيل. موجها اتهامات لخصمه ومؤسسات الدولة بالتلاعب الانتخابي.
جاء ذلك عقب خسارته في الانتخابات الرئاسية، التي جرت جولتها الثانية في 25 أكتوبر الجاري. وأيضا عقب مغادرته الأراضي البرازيلية في اتجاه “الولايات المتحدة الأمريكية”. في مخالفة للأمر القضائي الموجه إليه من طرف السلطات القضائية البرازيلية، الذي أمره بتسليم جوازي سفره ومنعه من مغادرة البلادز على خلفية تحقيق بشأن شبهات مالية ينفي ارتكابها.
عقب وصوله إلى “الولايات المتحدة” رفقة أسرته، نقل “فلافيو بولسونارو” خلافه مع “لولا” من الداخل البرازيلي إلى الخارج. معلنا رفضه التسليم بالنتيجة الانتخابية، مطالبا بإبطالها، من دون تقديم أدلة تثبت مزاعمه في شأن وقوع تزوير.
يأتي ذلك بعدما أقرت المحكمة الانتخابية العليا فوز “لولا”، كما اعترف حزب “بولسونارو” نفسه بالنتيجة، وفق ما أوردته تقارير صحفية دولية.
تجدر الإشارة، أن إعلان “فلافيو” نفسه “الزعيم الشرعي” للبرازيل لا يترتب عنه أي تغيير في الوضع الدستوري القائم. إذ تظل الرئاسة مرتبطة بالنتيجة الرسمية والإجراءات الدستورية لتولي المنصب، وليس بالتصريحات السياسية أو الطعن الإعلامي في شرعية المنافس. إلا أنه يفتح بهاته التصريحات فصلا جديدا من التجاذب السياسي في أكبر دول أمريكا اللاتينية، من دون أن يمنحه صفة رئاسية رسمية.
“لولا” يحسم السباق بأكثر من 64 مليون صوت
وكانت المحكمة الانتخابية العليا قد أعلنت فوز “لولا دا سيلفا” بولاية رئاسية جديدة، عقب حصوله على 64,256,232 صوتا، أي ما يعادل 51.79 في المائة من الأصوات الصحيحة. فيما حصل منافسه “فلافيو بولسونارو” على 59,826,041 صوتا، بنسبة 48.21 في المائة. أي أن الفارق بين المرشحين بلغ أكثر من 4.4 ملايين صوت، في اقتراع شارك فيه أكثر من 128 مليون ناخب.
تكتسي هاته النتيجة أهمية سياسية بالنظر لمسار المنافسة. إذ كان “فلافيو” قد تقدم في الجولة الأولى من هاته الانتخابات، قبل أن ينجح “لولا” في قلب المعادلة خلال الجولة الثانية.
تحول يعكس حجم الاستقطاب الذي طبع الحملة الانتخابية بين التيار اليساري الذي يقوده “لولا”، واليمين المحافظ الذي استند إلى القاعدة السياسية للرئيس السابق، “جايير بولسونارو”، والد “فلافيو”.
خسارة انتخابية لم تدفع السيناتور لقبول النتيجة بصورة نهائية. بل انتقل للتشكيك في نزاهة الاقتراع. مستندا إلى اعتراضات بشأن تمديد التصويت في بعض المراكز. غير أن المعطيات التي نقلتها وسائل إعلام دولية تشير إلى أنه لم يقدم أدلة تثبت أن هاته الإجراءات أثرت في النتيجة النهائية. فيما أقرت المحكمة الدستورية فوز “لولا”، ولم تسجل بعثات مراقبة دولية، وفق التقارير المنشورة، مخالفات من شأنها إبطال النتيجة.
مغادرة رغم قرار قضائي بمنع “فلافيو” من السفر
تتجاوز دلالات وصول “فلافيو” إلى “ميامي” حدود الخلاف الانتخابي، بالنظر للملابسات القضائية التي أحاطت بمغادرته.
في هذا السياق، ووفق ما أوردته “وكالة الأنباء البرازيلية الرسمية” فإن قاضي المحكمة الاتحادية العليا، “ألكسندر دي مورايس”، كان قد أمر “فلافيو”، في 26 أكتوبر الجاري. بتسليم جوازي سفره، العادي والدبلوماسي. مع إصدار قرار بمنعه من مغادرة البلاد. اتصالا بتحقيق قضائي يتعلق بشبهات غسل الأموال وتهريب العملة. وهي التهم التي ينفيها السناتور ومحاموه.
في اليوم التالي لصدور القرار، أعلنت الشرطة الاتحادية إلغاء جوازي سفره، ارتصالا بعدم تنفيذه الأمر القضائي الصادر. مبرزة أنها لم تكن تتوفر حينها على تسجيل رسمي لخروجه من البلاد. إلا أن تقارير لاحقة أفادت بوصوله إلى “الولايات المتحدة”، بعد عبوره إلى “الأرجنتين” والتوجه عبر “الإكوادور”. قبل أن تعلن الشرطة الاتحادية فتح تحقيق في ظروف مغادرته، بما في ذلك غياب تسجيل لعبوره عبر نقاط الهجرة الرسمية.
تبقى هاته الوقائع خاضعة للتحقيق، ولا تعني ثبوت الجرائم المالية موضوع الملف. فيما تثير مغادرة البلاد رغم وجود أمر قضائي مدى احترام القرار القضائي، وهي مسألة يتعين حسمها وفق الإجراءات القانونية، مع التمييز بين الوقائع التي أعلنتها السلطات والاتهامات التي لم يصدر بشأنها حكم نهائي.
من الطعن السياسي إلى المواجهة مع المؤسسات
يضع الموقف الجديد “فلافيو بولسونارو” في مواجهة مباشرة مع المؤسسات الانتخابية والقضائية البرازيلية. فالنظام الدستوري، القائم على دستور 1988، ينظم انتخاب رئيس الجمهورية وتولي المنصب. مانحا الجهات الانتخابية والقضائية صلاحية النظر في الطعون المرتبطة بالاقتراع. إذ لا يكفي إعلان أحد المرشحين فوزه أو التشكيك في خصمه لإلغاء نتيجة رسمية، ما لم يستند الطعن إلى أدلة وإجراءات قانونية تقبلها الجهات المختصة.
في هذا السياق، فإن مطالبة “بولسونارو” بإبطال الانتخابات تظل موقفا سياسيا، ما لم تتحول إلى طعن قانوني مستوف للشروط، تدعمه أدلة قابلة للفحص. كما أن وصف نفسه بأنه “الزعيم” أو “الرئيس الشرعي” لا يعادل انتخابه أو تنصيبه، ولا يغير من حقيقة أن المحكمة الانتخابية أعلنت فوز “لولا”.
تتصل هاته الأزمة أيضا بالتوتر الذي يطبع علاقة عائلة “بولسونارو” بالمؤسسات البرازيلية منذ خسارة “جايير بولسونارو” انتخابات 2022. حيث تمت إدانة الرئيس السابق في قضية تتعلق بالتخطيط لانقلاب. والتي صدر على غثرها حكم في حقه بالسجن لمدة 27 عاما. غير أن هذا الملف يظل منفصلا قانونيا عن التحقيقات المتعلقة بـ”فلافيو”، ولا يجوز اعتبار إدانة الأب دليلا على مسؤولية الإبن في القضايا المنسوبة إليه.
“واشنطن” والاختبار الدبلوماسي الجديد
تضيف مغادرة “فلافيو” البلاد إلى “الولايات المتحدة” بعدا دوليا للأزمة، في ظل المواقف التي صدرت عن الرئيس الأمريكي، “دونالد ترامب”، الذي قال: إنه سمح بدخول السيناتور وأفراد أسرته إلى الأراضي الأمريكية، فيما وجه “فلافيو” الشكر لـ”ترامب” والرئيس الأرجنتيني، “خافيير ميلي”.
في المقابل، أثارت الخطوة تساؤلات في شأن انعكاساتها على العلاقات بين “واشنطن” و”برازيليا”، في ظل رفض الحكومة البرازيلية لأي تدخل خارجي في شؤونها الداخلية.
جدير بالذكر، أن السماح بدخول “فلافيو” إلى الولايات المتحدة لا تعني الاعتراف بمزاعمه في شأن الانتخابات أو إقرار أحقيته في الرئاسة. لأن هاته المسائل تظل مرتبطة بالوضع الدستوري البرازيلي وبالقرارات الصادرة عن مؤسساته المختصة. كما أن أي موقف أمريكي من الأزمة لا يغير النتيجة الانتخابية المعلنة.
في المحصلة، لا تتمثل المسألة الأساسية في إعلان “فلافيو بولسونارو” نفسه قائدا للبرازيل من “ميامي” الأمريكية. بقدر ما تتعلق بمدى قدرته على تحويل رفضه للنتيجة إلى مسار قانوني يستند إلى أدلة. فضلا عما ستسفر عنه التحقيقات في شأن مغادرته البلاد رغم وجود قرار قضائي يمنعه من ذلك. وإلى حين صدور أي قرار رسمي يغير الوضع القائم، يبقى “لولا دا سيلفا”، الرئيس الفعلي المنتخب وفق النتائج المعلنة، فيما يظل إعلان “بولسونارو” تحديا سياسيا لا يمنحه شرعية دستورية مستقلة.