على فوهة التصعيد.. إيران ترفع التأهب وواشنطن تفتح خزائن الاستخبارات

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

في مؤشر على استمرار التوتر رغم المساعي الدبلوماسية لاحتواء المواجهة. أعلن “الجيش الإيراني”، اليوم السبت، أنه أصبح “أقوى” مما كان عليه عند اندلاع الحرب مع “الولايات المتحدة” و”إسرائيل”. مؤكدا رفع مستوى التأهب والاستعداد للرد على أي هجوم. فيما صعّدت “واشنطن” ضغوطها الاستخباراتية بعرض مكافأة تصل إلى 20 مليون دولار مقابل معلومات عن البرنامج النووي الإيراني.

تصعيد يعكس استمرار المواجهة الأمريكية الإيرانية رغم المساعي الدبلوماسية لاحتواء الأزمة. فإعلان التأهب للقتال يعكس حالة التوجس من حصول ضربة في أية لحظة. خصوصا وأن “الولايات المتحدة” لم تتوقف عن تهديداتها لـ”إيران” بالفعل العسكري.

يأتي هذا الموقف الإيراني في سياق توتر عسكري متواصل، منذ العدوان “الأمريكي الإسرائيلي” على “إيران”، في 28 فبراير الماضي. وما أعقبه من تطورات ميدانية وهدنات ومحاولات لاستئناف العمليات القتالية. وسط مخاوف من عودة المواجهة الواسعة، خصوصا في محيط “مضيق هرمز”، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية.

في هذا السياق، قال المتحدث باسم “الجيش الإيراني”، “محمد أكرمي نيا”: إن القوات المسلحة اكتسبت خبرة عسكرية إضافية من المواجهة المباشرة. مبرزا أنها أصبحت أكثر جاهزية وثقة بالنفس.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية “إرنا” عن “أكرمي” تأكيده، أن الرد الإيراني سيكون “فوريا وفعالا ودون قيود جغرافية”، وفق توجيهات القيادة العليا.

وأضاف ذات المتحدث قائلا: إن القوات المسلحة باتت “في حالة تأهب قصوى، وهي أقوى مما كانت عليه في بداية الحرب”. معتبرا أن المواجهة المباشرة مع “الولايات المتحدة” و”إسرائيل” منحت القوات الإيرانية خبرة عسكرية إضافية، وعززت مستوى الجاهزية والثقة بالنفس. 

وشدد المسؤول العسكري على أن “مضيق هرمز” سيظل تحت السيطرة الإيرانية. معتبرا أن إعادة فتحه مرتبطة بقبول “واشنطن” الشروط التي تطرحها “طهران”.

تهديد يكتسي أهمية استراتيجية، بالنظر لمرور نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط عبر هذا الممر البحري. ما يجعل أي تعطيل للملاحة فيه عاملا ضاغطا على أسواق الطاقة والتجارة الدولية.

"إيران" تؤكد أن جيشها أقوى مما كان عليه و"واشنطن" تعرض مكافأة مقابل معلومات
ايران والولايات المتحدة

تحمل هاته التصريحات رسالة ردع موجهة إلى “واشنطن” و”تل أبيب”، مفادها أن الضربات العسكرية لم تنجح، وفق الرواية الإيرانية. في إنهاء قدرة “طهران” على المواجهة أو تقليص استعدادها للرد. إلا أن إعلان الجيش الإيراني عن تعزيز قدراته يظل تقييما صادرا عن المؤسسة العسكرية الإيرانية، ولا يشكل دليلا مستقلا على حجم التحسن الفعلي في قدرات “إيران” الصاروخية والجوية والدفاعية.

تجدر الإشارة، أن حرية الملاحة في المضائق الدولية تظل محكومة بقواعد القانون الدولي. لاسيما أحكام “اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار”، المتعلقة بحق المرور العابر. ما لا يجيز تحويل الممرات البحرية الدولية إلى أداة لتعطيل حركة التجارة العالمية.

في هذا الشأن، تقر “المواد 37 و38 و44” من “اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار”، مبدأ عدم عرقلة المرور عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية. مع مراعاة الوضع القانوني الخاص بالاتفاقية وموقف الدول المعنية منها.

تبعا لذلك، تبقى حرية الملاحة مصلحة دولية تتجاوز الحسابات الثنائية بين “طهران” و”واشنطن”، لارتباطها بأمن التجارة والطاقة العالميين.

في المقابل، أعلنت “القيادة المركزية الأمريكية” أن برنامج “مكافآت من أجل العدالة” التابع لوزارة الخارجية. يعرض مكافأة تصل إلى 20 مليون دولار، مع إمكانية إعادة التوطين. مقابل معلومات في شأن المنشآت النووية الإيرانية ومعداتها والأفراد المرتبطين بها، بمن فيهم العاملون في المجال العلمي. دون أن تحدد “واشنطن”، وفق الإعلان، طبيعة المعلومات المطلوبة أو المعايير التفصيلية التي ستحدد استحقاق المكافأة.

خطوة بررتها “واشنطن” بما اعتبرته “إخلالا إيرانيا بالتزاماتها بموجب اتفاق الضمانات” مع “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”. مشيرة إلى صعوبة التحقق من معلومات تتعلق بإنتاج “إيران” ومخزونها من المكونات الأساسية، من بينها أجهزة الطرد المركزي.

تجدر الإشارة، أن برنامج “مكافآت من أجل العدالة” يعود إلى عام 1984. حيث يتيح للسلطات الأمريكية تقديم مكافآت مالية مقابل معلومات تعتبرها مفيدة لحماية الأمن والمصالح الأمريكية. غير أن توظيفه في الملف النووي الإيراني يضيف بعدا استخباراتيا إلى المواجهة. إذ لم تعد الضغوط مقتصرة على العقوبات والتهديد العسكري، بل امتدت إلى محاولة الحصول على معلومات من داخل الشبكات العلمية والتقنية المرتبطة بالبرنامج النووي.

يعكس هذا الإعلان انتقال الضغط الأمريكي إلى المستوى الاستخباراتي، بالتوازي مع التهديد باستخدام القوة. 

يأتي ذلك، في سياق خلاف دولي متواصل في شأن البرنامج النووي الإيراني، بعدما أثار تخصيب طهران اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60 في المائة مخاوف متزايدة بشأن طبيعة أنشطتها النووية. فيما تؤكد القواعد الدولية، في المقابل، حق الاستخدام السلمي للطاقة النووية، مقابل التزام الدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بـ”اتفاقات الضمانات والتعاون” مع “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”. كما أن بلوغ نسبة تخصيب مرتفعة لا يعني، في حد ذاته، امتلاك سلاح نووي.

جدير بالذكر، أنه سبق “للوكالة الدولية للطاقة الذرية” أن حذرت من فقدانها استمرارية المعرفة في شأن أجزاء أساسية من البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك مخزونات اليورانيوم المخصب ومكونات أجهزة الطرد المركزي.

وكانت تقديرات “الوكالة”، قبل الضربات العسكرية التي استهدفت منشآت إيرانية. قد أشارت إلى امتلاك “طهران” 440.9 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة. وهي نسبة مرتفعة تقنيا، لكنها لا تعني في حد ذاتها امتلاك سلاح نووي.

تكمن الإشكالية الأساسية في أن غياب عمليات التفتيش والتحقق المنتظمة يصعب على “الوكالة” تقديم ضمانات في شأن حجم المخزون النووي ومكان وجوده وطبيعة الأنشطة الجارية. كما أن التزامات “إيران” بموجب “معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية” و”اتفاق الضمانات” المبرمة مع “الوكالة” تفرض على “طهران” التعاون في مجال التحقق من الطابع السلمي لأنشطتها النووية. في حين يظل حق الدول في الاستخدام السلمي للطاقة النووية قائما ضمن الضوابط الدولية المعمول بها.

على المستوى السياسي، واصل الرئيس الأمريكي، “دونالد ترامب”، الجمع بين التهديد والتلويح بالتفاوض. معتبرا أن الضربات الأمريكية حالت دون امتلاك إيران سلاحا نوويا. مؤكدا في الوقت نفسه، أن “طهران” ترغب في “إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق”.

تجدر الإشارة أيضا، أن الرئيس الأمريكي كان قد اجرى اتصالا هاتفيا بأمير قطر “الشيخ تميم بن حمد آل ثاني”، لبحث جهود الوساطة الرامية لاحتواء التصعيد، في مؤشر على استمرار الدور القطري في الوساطة بين الطرفين.

هكذا، يواصل الرئيس الأمريكي، توجيه رسائل متباينة. موزعة بين التهديد العسكري والإشارة إلى إمكانية التوصل لاتفاق. حيث قال، خلال تصريحات أدلى بها في “ويست بالم بيتش” بـ”ولاية فلوريدا”: “لو لم نوجه ضربة لإيران، لما كانت إسرائيل موجودة اليوم”. كما ذهب إلى حد التأكيد على أن “إيران” كانت ستستخدم السلاح النووي لو امتلكته.

تصريحات تعكس استمرار اعتماد الإدارة الأمريكية على مبرر منع “طهران” من الوصول إلى القدرة النووية العسكرية لتسويغ سياستها العدائية اتجاهها.

في الوقت نفسه، قال “ترامب”: إن “إيران” باتت راغبة بشدة في إبرام اتفاق، مضيفا: “نحن نتعامل معهم الآن. إنهم يرغبون بشدة في إبرام اتفاق”. 

من جهته، شدد الرئيس الإيراني “مسعود بيزشكيان” على أن “أحدا لن يستفيد من هاته الحرب”. مؤكدا أن بلاده تعمل على تسوية الأزمة عبر الحوار.

موقفان يعكسان استمرار التناقض بين التصعيد العسكري والانفتاح الدبلوماسي. في وقت تتزايد فيه كلفة المواجهة على الاقتصاد الإيراني والعالمي واستقرار المنطقة.

ميدانيا، أفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع دوي انفجارين في جزيرة “قشم”. ونقلت وكالة “تسنيم” الرسمية أن صاروخين أصابا الجزيرة، دون توفر معلومات رسمية دقيقة في شأن حجم الأضرار. كما أعلن الجيش الإيراني أن دفاعاته الجوية أسقطت طائرة أمريكية مسيرة من طراز “إم كيو-9” كانت تحلق فوق الجزيرة، وهي رواية لم يصدر في شأنها، حتى الآن، تأكيد أمريكي مماثل.

في المقابل، أقر “ترامب” بأن القوات الأمريكية نفذت ضربات محدودة استهدفت منظومة دفاع جوي إيرانية قرب “قشم”، مقللا، في الوقت نفسه، من حجم العملية. واصفا إياها بالضربات “الصغيرة”.

تطور يكشف أن الحديث عن المفاوضات لم يضع حدا للاحتكاك العسكري، بل يتزامن مع استمرار عمليات محدودة ورسائل متبادلة تحمل مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

تضع هاته التطورات الجهود الدبلوماسية أمام اختبار صعب. إذ تتزامن الاتصالات الرامية إلى إنهاء الحرب مع استمرار العمليات العسكرية والتهديدات المتبادلة. فبينما تتمسك “طهران” بإظهار قدرتها على الرد وبورقة “مضيق هرمز”. تسعى “واشنطن” إلى توظيف الضغط العسكري والاستخباراتي لدفعها نحو اتفاق بشروط أمريكية، في مواجهة لا تزال تداعياتها تتجاوز حدود البلدين وتهدد أمن الطاقة والملاحة الدوليين.

على المستوى القانوني، تظل أي عمليات عسكرية عبر الحدود خاضعة لمبادئ “ميثاق الأمم المتحدة”، وفي مقدمتها “حظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي”.

في هذا الصدد لا بد من الإشارة، إلى أن “الفقرة الرابعة من المادة الثانية من الميثاق”. لا تجيز استخدام القوة إلا في حالات محددة، أبرزها الدفاع عن النفس عند وقوع هجوم مسلح، أو بناء على تفويض من مجلس الأمن، وفق “المادة 51”. كما أن الخلاف في شأن البرنامج النووي لا يلغي ضرورة احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والمنشآت المدنية أثناء النزاعات المسلحة.

هكذا، وبينما تحاول “واشنطن” الجمع بين الضغط العسكري والاستخباراتي وفتح نافذة للتفاوض. تتمسك “طهران” بخطاب إظهار القوة وربط التهدئة برفع الضغوط والاستجابة لمطالبها. ويظل “مضيق هرمز” والملف النووي أبرز ورقتين في هذا الاشتباك، ما يجعل مستقبل المواجهة رهينا بقدرة الوساطات الإقليمية على تحويل الاتصالات السياسية إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، قبل أن تتسع دائرة التصعيد وتتحول تداعياتها إلى أزمة دولية تتجاوز حدود البلدين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.