رحيل “أحمد قعبور”: القيثارة التي لم تهادن ولم تساوم

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

فقدت الساحة الفنية العربية وأحرار العالم، أمس الخميس. أحد أعمدة الأغنية الملتزمة ورموز النضال الثقافي. الفنان والملحن اللبناني الكبير، “أحمد قعبور”، الذي وافته المنية، في العاصمة اللبنانية، “بيروت”. عن عمر يناهز 71 عاما. بعد صراع طويل ومرير مع مرض السرطان.

رحل “قعبور” تاركا خلفه إرثا موسيقيا خالدا ارتبط وجدانيا بالقضية الفلسطينية وبقيم الحرية والكرامة الإنسانية. بعد مسار فني إنساني حافل ، ونضال لم يتوقف، حاملا مشعل فقراء العالم ومدافعا عن قيم الحرية والكرامة والسلام. 

“أناديكم” الصرخة التي لم تصمت

عرف “قعبور”، بكونه أحد أبرز وجوه الأغنية الملتزمة، المناصرة للقضية الفلسطينية، على الخصوص. حيث تميز الراحل “قعبور” صاحب اللحن الخالد لقصيدة “أناديكم” لعام 1975، للشاعر “توفيق زياد”. وهو العمل الذي تحول إلى “مانيفستو” غنائي عابر للأجيال والحدود. التي تحولت لسلاح فني وأضحت نشيدا أساسيا للمظاهرات والفعاليات التضامنية. وسلاحا فنيا في مواجهة الاجتياح “الإسرائيلي” لـ”لبنان” عام 1982.

كما أثرى الراحل بأيقونة أعماله الخالدة التي رافقت “أناديكم”، بأعمال فنية مأثورة أضافت عطاء نوعيا متقدا ملأ المكتبة الموسيقية. من خلال أعمال، ضمنها “يا نبض الضفة”، و”سموني لاجئ”. معززا بذلك مكانته إلى جانب قامات مثل “مارسيل خليفة” في تشكيل الوعي الجمعي العربي.

وقد شكلت “أناديكم”، الانطلاقة الفعلية لـ”قعبور” عربيا. حيث تحولت لنشيد رافق التظاهرات والفعاليات التضامنية مع الفلسطينيين. والتي بقيت حاضرة في الذاكرة الجماعية مع كل حدث سياسي. لتتحول لسلاح فني في مواجهة الاجتياح “الإسرائيلي” للبنان عام 1982. والتي لا تزال  حاضرة حتى اليوم في مختلف الاحتجاجات والمسيرات. إلى جانب أعمال أخرى.

تجدر الإشارة، أن “قعبور” من مواليد عام 1955، بـ”بيروت”. وهو خريج “معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية”. داع صيته خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي. في مرحلة هامة من تاريخ لبنان والمنطقة العربية. اتسمت بتداخل الفن بالسياسة والالتزام الثقافي. وقد شكلت فرقة “الكورس الشعبي” البداية الاولى لهذا المسار المتقد، التي جالت على معسكرات القتال وبين الجرحى واللاجئين. ما أسهم في انتشار اسم “قعبور” وتعزيز حضوره كصوت فني قريب من الناس ومن قضايا الإنسانية.

يعتبر “قعبور” من أبرز رموز الأغنية الملتزمة في العالم العربي، كرس مسيرته الفنية لمعانقة هموم الناس، والتعبير عن قضاياهم. حيث حمل رسائل وجع الناس الغلابة والمظلومين معبرا عن معاناتهم وراسما آمالهم وأحلامهم، في الوقت عينه. مبتعدا عن الطابع التجاري الذي يلف الأغنية العربية ومتمسكا بخط فني يجمع بين البعد الجمالي والرسالة الإنسانية السامية.

إلى جانب مسيرته الغنائية، خاض “أحمد قعبور” تجربة فنية في ميادين السينما والتلفزيون. حيث شارك في فيلم “ناجي العلي”، الذي يتناول سيرة رسام الكاريكاتير الفلسطيني. كما ظهر في أعمال درامية حديثة، من بينها مسلسل “النار بالنار”، مجسدا شخصيات قريبة من الواقع الاجتماعي والسياسي. إضافة لتجسيده شخصيات سياسية بارزة مثل “وديع حداد”. الامر الذي عزز حضوره كفنان متعدد المواهب.

تميز أداء “قعبور” بأسلوب سهل ممتنع، يجمع بين البساطة والعمق في ذات الوقت. معتمدا على ألحان مباشرة وقريبة من الأذن. مع قدرة قوية على المزج بين الغناء الفردي والكورال، ما أضفى على أعماله طابعاً جماعيا.

تعزز هذا الطابع الفني المتميز بصوت يتسم بالدفئ وشيء من الخشونة الخفيفة في الوقت نفسه، ما منحه صدقية عالية لدى الجمهور. وقد رفض الراحل خلال مسيرته الحافلة الانخراط في المسار التجاري، متمسكا بفكرة أن الفن وسيلة تعبير ورسالة، لا سلعة استهلاكية.

وقد شكل صوته، كما حال “مارسيل خليفة”، جزءا من الوعي الجمعي المرتبط بالقضية الفلسطينية وقضايا الحرية. حيث كان لأعماله تأثير واضح على الحركات الطلابية والسياسية، التي اعتمدت أغانيه في التظاهرات والفعاليات النضالية والكفاحية.

“قعبور” صوت الفقراء والمظلوبين على طول خريطة الظلم

تميز مشروع “أحمد قعبور” بخصائص تقنية وفنية فريدة جعلته قريبا من الجماهير. اعتمادا على ألحان مباشرة وعميقة في آن واحد. معزز ببصمة صوتية قوية ودافئة في نفس الوقت. ما منح أعماله مصداقية عالية ووقارا نضاليا. متمسكا برسالة الفن السامية المتصلة بالمظلومين والفقراء والمحرومين، معتبرا إياه وسيلة للتعبير عن هاته الآلام والآمال في رسالة إنسانية سامية. رافضة تحويل فنه، رغم الإغراءات، لسلعة استهلاكية.

وقد ظل صوته، خلال مساره المتقد عطاء، صوتا لـ”بيروت” و”القدس” ولكل قضايا التحرر العالمي. محولا الوجع الإنساني إلى آمال وأحلام موسيقية.

وداعا “قعبور” لقد عشت عطاء إنسانيا لم يتوقف، وفارقتنا وصدى أغنياتك لا تزال مشتعلة وستبقى. لم تكن مجرد ملحن، بل كنت جنديا في جبهة الثقافة، حاملا لمشعل الحرية بآلتك الموسيقية وصوتك الذي سيبقى يتردد في كل زقاق ينادي بالعدالة، لتبيقى “أناديكم” روحا مشتعلة فينا تذكرنا بالغياب القسري الحضور الذي لا يخفث.

برحيل “أحمد قعبور”، تنطوي صفحة مضيئة من تاريخ الفن الملتزم، لكن صدى ألحانه سيظل حيا في الذاكرة الجماعية. مذكرا بأن الفن الحقيقي هو الذي يولد من رحم المعاناة ليبقى منارة للأجيال القادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.