المفاوضات “الأمريكية الإيرانية” بين وقائع الميدان وتغريدات “ترامب” التسويقية

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

فيما يحاول الرئيس الأمريكي، “دونالد ترامب”، تسويق نصر وهمي و”حسم الصراع” مع “إيران” كإنجاز تاريخي. يسود لغط دبلوماسي واسع وشكوك عميقة في الأوساط الدولية حول حقيقة هذا الإنجاز. فأي أفق تحمله الأوضاع في الشرق الأوسط؟ وما الخبايا التي ستفجرها أسرار المعلن والمسكوت عنه في هذا الصراع؟

وهكذا، وفيما يتحدث “ترامب” عن استسلام إيراني وشيك وتسليم الأخيرة مخزونها من “اليورانيوم المخصب”. تكشف الوقائع الميدانية والتقارير الصحفية الأجنبية عن مشهد مغاير تماما، يطغى عليه التوتر القائم في “مضيق هرمز”، مع تضارب الأجندات بين “واشنطن” و”طهران”.

ترامب يغرد فيما طهران تترقب 

أثار إعلان “ترامب” عبر منصة “تروث سوشيال” بأن “إيران” “وافقت على كل شيء تقريبا”، سيلا من التشكيك. اتصالا بالتقارير التي تتحدث عن تحكم “إيران” في “مضيق هرمز”.

وتزداد هاته الشكوك اتساعا مع تسويق “ترامب” بقبول “إيران” تسليم مخزونها كاملا من “اليورانيوم المخصب”. الأمر الذي تنفيه “طهران”. حيث أكدت مصادر إيرانية أن طهران “ليست مستعدة” لهاته الخطوة.

ويبقى “مضيق هرمز” من الملفات الشائكة المحاصرة بين تصريحات “ترامب” والواقع الميداني القائم الذي يشهد فرض قيود إيرانية على المضيق وتحكمها في خط العبور.

وعلى الرغم من جهود الوساطة الباكستانية، إلا أن مجموعة من النقط الخلافية الاستراتيجية تبقى قائمة. على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت المعلن عنه. والذي يواجه خطر الانهيار بسبب الخروقات المسجلة، رغم رضوخ أمريكا و”إسرائيل” لشروط “إيران” في جهة الملف اللبناني.

فـ”إيران” ما فتئت تعلن في مجموعة من الخرجات الإعلامية تمسكها بقانونية مشروعها النووي، فيما تطالب “واشنطن” بـ”تفكيك كامل” يتجاوز مقتضيات معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية. كما أن “طهران” تعتبر أن السيادة على “مضيق هرمز” غير قابلة للتفاوض، وعتبرة الأمر “حقا سياديا”. فيما تعتبره “واشنطن” “تهديدا لحرية الملاحة الدولية”.

وهكذا، فالواقع الميداني يكشف أن “ترامب يغرد كثيرا ويتحدث كثيرا، لكن الحقيقة على الأرض تخضع لموازين القوى لا لمنصات التواصل الاجتماعي”. وفق ما صرح به مسؤول إيراني رفيع.

في الشأن ذاته، تشير استطلاعات الرأي، التي أجرتها صحف أجنبية، ضمنها “الغارديان” و”لوموند”. أن 70% من المحللين يرون أن “الحل العسكري” الذي تبناه “ترامب” أدى لنتائج عكسية. حيث زاد من تصلب الموقف الإيراني بدلا من إضعافه. فيما تجمع كبريات الصحف العالمية على أن “دبلوماسية التغريد” التي ينهجها الرئيس الأمريكي قد تؤدي إلى سوء فهم استراتيجي قاتل. وهو ما يجعل المنطقة تعيش في “هدنة هشة” تسبق عاصفة أكبر، ما لم يتم الانتقال من منطق “الاستسلام المشروط” إلى منطق “التفاوض المتكافئ”.

في هذا الباب يرى مراقبون أن تصريحات “ترامب” الأخيرة لا تحمل استراتيجية واضحة، بقدر ما تعكس رغبة في تحقيق “صورة انتصار” لتسويقها داخليا قبيل الانتخابات المقبلة.

كما أن العدوان الذي باشرته الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” أحدث نتائج عكسية من جهة فرض واقع العزلة الدولية على “واشنطن” و”تل أبيب”، حتى من أقرب الحلفاء. لخرقه قواعد “اتفاقيات جنيف” لعام 1949 و”البروتوكول الإضافي الأول” لعام 1977. الذي يعتبر تنفيذ عمليات عسكرية عبر أراضي دول ثالثة دون تفويض من مجلس الأمن خرقا لمبدأ السيادة وعدم التدخل. كما أن المادة 2 والفقرة 4 من “ميثاق الأمم المتحدة” تحظر استخدام القوة أو التهديد بها إلا في حال الدفاع عن النفس أو بناء على قرار أممي.

داخليا، تعتبر التفويضات بـ”استخدام القوة العسكرية”، الصادرة بعد عام 2001 مرجعا محدودا. حيث حذر خبراء قانونيون من أنها “لا تمنح شيكا على بياض لأي رئيس لشن حرب شاملة خارج حدود التفويض الزمني والموضوعي”.

في الشأن ذاته يرى الكاتب “ديفيس أغناتيوس”، في مقالة نشرها في مجلة “Foreign Policy”. أن ما يجري بين “طهران” و”واشنطن” هو “لعبة دجاج حقيقية”. حيث يقترب الطرفان من حافة الاصطدام دون امتلاك خطة للعودة الآمنة. ويرى أن قرار “ترامب” تأجيل ضرب المنشآت الإيرانية خمس أيام “مجرد إعادة ضبط لنغمة التهديد، وليس تحولا في جوهر السياسة”. 

توازنات القوة ومعادلة الرهانات

في الجانب الآخر، يرى دبلوماسيون أن “طهران” تلوح بشروطها الخاصة. بينها ضمان السيطرة على الملاحة في “مضيق هرمز” الذي يعتبر ورقة ضغط رئيسية بيد الإيرانيين. فضلا عن انسحاب القوات الأميركية من قواعدها الإقليمية. وهو طرح رفضه “ترامب” علنا. 

ويحذر مراقبون من أن استمرار التوظيف العسكري لـ”مضيق هرمز” يهدد الأمن الدولي ويمس حرية الملاحة البحرية. 

ووفقا لهاته المعادلة، فنحن أمام موقفين متقابلين، فـ”واشنطن” تقول “نعم للسلام بشروطي”، فيما ترد “طهران” بـ”لا إلا بشروطي”، بينما تترقب العواصم الإقليمية ألا تتحول المفاوضات إلى مجرد استراحة محارب.

ما يمكن قوله في ظل هاته التعارضات القائمة، أن الخط الفاصل بين الردع والتهور هو القدرة على الرجوع خطوة واحدة قبل الهاوية. وهو ما لم تتمكن “واشنطن” و”طهران” من العثور عليه لحدود الساعة، فأي أفق سيحمله مستقبل الصراع؟. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.