مراكش: منح وصول الجمعيات والنقابات بين سلطتي “التدقيق” و”التضييق”

محمد مشاوري

محمد مشاوري

تعيش الأوساط الجمعوية والنقابية بمدينة “مراكش” على وقع نار هادئة، وسط حالة من الترقب والغليان. إثر اتساع دائرة الشكايات ضد ما أسمته هاته الفعاليات بـ”البلوكاج الإداري” الذي تمارسه بعض الملحقات الإدارية.

الأمر يتعلق ها هنا بامتناع بعض القياد عن تسليم “وصولات الإيداع”، المؤقتة والنهائية. لملفات تأسيس وتجديد الجمعيات والمكاتب النقابية. ما يضع حرية التنظيم التي كفلها الدستور محط مساءلة.

الفعاليات الرافضة، وصفت ممارسة بعض من هاته السلطات بـ”التعامل غير المفهوم”. خاصة فيما يتعلق بتسليم وصولات الإيداع داخل الآجال القانونية.

بين “التضييق” و”التدقيق الإداري” أي قرار لأي مسؤولية

تتمحور فصول هذا الملف “الساخن” حول نقطتين متصادمتين. حيث تؤكد رواية الفاعلين الجمعويين والنقابيين أن مساطر الإيداع تحولت إلى رحلة انتظار طويلة ومبهمة. معتبرين أن ما وصفوه بـ”الصمت الإداري”، وعدم تسليم الوصل داخل الآجال القانونية. تعطيل “متعمد” للدينامية المدنية وضرب لمكتسبات الديمقراطية التشاركية.

في الجهة المقابلة، تبرر بعض الجهات الإدارية هذا التأخير بما تسميه وجود “اختلالات أو نقائص قانونية” في الملفات المودعة. مؤكدة أن “واجب التحقق من مطابقة القوانين الأساسية لمقتضيات النظام العام” يفرض التريث قبل منح الوصولات النهائية.

في سياق متصل، أكد عدد من المعنيين أن مساطر الإيداع، التي يفترض أن تمر بشكل إداري عادي، وفق ما ينص عليه القانون. تتحول في بعض الأحيان، إلى رحلة طويلة موسومة بالانتظار والتأجيل، وسط غياب توضيحات رسمية. ما يثير الكثير من التساؤلات حول مدى احترام حرية التنظيم المكفولة دستوريا.

ويرى متتبعون، أن استمرار مثل هذه الممارسات ينعكس سلبا على صورة الإدارة المواطنة، في ظل ما راكمه “المغرب” من مكتسبات في مجال الحريات العامة والديمقراطية التشاركية. معتبرين أن أي تعثر في تدبير الملفات الجمعوية والنقابية يظل محط انتقاد ومتابعة من طرف الرأي العام. فيما تعتبر جهات إدارية أن الأمر لا يتعلق بالتضييق على العمل الجمعوي والنقابي بل بتطبيق القانون.

هكذا، فبين مطالب الفاعلين المدنيين بضرورة احترام المساطر القانونية وتسليم الوصولات في وقتها، وتمسك بعض الإدارات بمنطق “التدقيق الإداري”. يبقى السؤال مطروحا: هل تتحول بعض الملحقات الإدارية إلى عائق أمام الدينامية الجمعوية والنقابية، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون سوء فهم للمساطر القانونية؟.

تجدر الإشارة، أن عملية تأسيس الجمعيات والنقابات مؤطرة بمقتضيات قانونية واضحة تمنع ممارسة “التعسف” في استعمال السلطة.

في هذا الباب، ينص “الفصل الخامس من ظهير الحريات العامة رقم 1.58.376″، على أن كل جمعية يتم تأسيسها يجب أن تسلم عنها السلطة الإدارية المحلية (الملحقة) وصلا مؤقتا مختوما ومؤرخا في الحال. على أن يتم تسليم الوصل النهائي وجوبا داخل أجل أقصاه 60 يوما.

كما أن الفصلين 8 و12 من الدستور المغربي، يضمنان حق تأسيس الجمعيات والمنظمات النقابية والانخراط فيها بكل حرية. ويجعلان من القضاء الجهة الوحيدة المخولة بحل الجمعيات أو توقيف نشاطها.

تجدر الإشارة أيضا، أن الفصل 8 من الدستور، ينص على مساهمة المنظمات النقابية للأُجراء، والغرف المهنية، والمنظمات المهنية للمشغلين، في الدفاع عن الحقوق والمصالح الاجتماعية والاقتصادية للفئات التي تمثلها، وفي النهوض بها. ويتم تأسيسها وممارسة أنشطتها بحرية، في نطاق احترام الدستور والقانون. فيما ينص الفصل 12 منه، على تأسيس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية. مؤكدا على وجوب ممارسة أنشطتها بحرية، في نطاق احترام الدستور والقانون. مشددا على أنه لا يمكن حل هذه الجمعيات والمنظمات أو توقيفها من لدن السلطات العمومية، إلا بمقتضى مقرر قضائي. مبرزا مساهمة الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام، والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها. وعلى هذه المؤسسات والسلطات تنظيم هذه المشاركة، طبق شروط وكيفيات يحددها القانون. على أن يكون تنظيم الجمعيات والمنظمات غير الحكومية وتسييرها مطابقا للمبادئ الديمقراطية.

جدير بالذكر، أن مجموعة من محاكم المملكة، ضمنها “محكمة النقض”، استقر رأيها على أن امتناع الإدارة عن تسليم الوصل يعد “شططا في استعمال السلطة” وقرارا إداريا قابلا للإلغاء. لأن دور الإدارة هو “التلقي” وليس “الترخيص”.

هكذا يظهر أن تحول الإدارة من دور “المتلقي” للملفات إلى دور “المراقب القبلي” الذي يمنع الوصولات، يعتبر عائقا أمام التنمية المحلية. لأن القانون واضح لا يقبل التأويل، كما أن أي خلل في الملف مكانه القضاء وليس رفوف الملحقات الإدارية.

يبقى السؤال المطروح حول مدى قدرة “ولاية جهة مراكش-آسفي” على التدخل لرفع هذا اللبس الإداري. لأن تسليم الوصولات يعتبر التزاما بدولة الحق والقانون. فبين “التدقيق” و”التضييق” خيط رفيع يسمى “الشرعية”، وهو ما يستوجب تفعيل قنوات الحوار بين الإدارة والفاعلين المدنيين لضمان عدم تحول الملحقات الإدارية إلى عائق أمام الطموح الديمقراطي للمملكة تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك “محمد السادس”، نصره الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.