محمد حميمداني
قبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات التشريعية، المقررة يوم 23 شتنبر 2026. تتحول دائرة “فاس الشمالية” إلى واحدة من أكثر الدوائر الانتخابية سخونة، بعدما بدأت ملامح المنافسة تتضح تدريجيا. مع بروز أسماء حزبية وسياسية ونقابية ذات حضور محلي، في معركة انتخابية لا تبدو محسومة لأي طرف.
وتضم الدائرة الشمالية أربع مقاعد بمجلس النواب، ما يجعل الصراع على كل مقعد شديد الحساسية. في ظل تعدد الأحزاب والمرشحين، وعودة أسماء سياسية معروفة، وانتقال أخرى بين التنظيمات الحزبية. إلى جانب بروز رهانات مرتبطة بقوة التنظيم المحلي والامتداد النقابي والعائلي والشخصي.
تسعة أسماء في واجهة المنافسة
بحسب المعطيات المتصلة، تتجه المنافسة في “دائرة فاس الشمالية”، إلى مواجهة بين مجموعة من الأسماء التي تمثل أحزابا واتجاهات سياسية مختلفة. ضمنها “ريم شباط” عن “حزب الحركة الشعبية”، “ريم بوكيلي” عن “حزب التقدم والاشتراكية” و”عثمان زويرش” عن “تحالف اليسار الديمقراطي”. فضلا عن “محسن الأزمي الحسني” عن “حزب الأصالة والمعاصرة”، “إدريس أبلهاض” عن “حزب الاتحاد الدستوري” و”ياسر جوهر” عن “حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”. إضافة “للتهامي الوزاني” عن “حزب التجمع الوطني للأحرار”، “عبد المجيد بنشوف” عن “حزب العدالة والتنمية” و”حسن سليغوة” عن “حزب الاستقلال”.
تجدر الإشارة، أن بعض الأسماء الواردة في اللائحة تحتاج لتثبيت نهائي، من خلال اللوائح الرسمية المودعة وفق المساطر القانونية. خصوصا وأن الحسم الحزبي في الترشيحات لا يعني بالضرورة اكتمال الوضع القانوني للترشح.
“ريم شباط” الاسم الأكثر إثارة للانتباه
تأتي “ريم شباط” في مقدمة الأسماء التي تستقطب الاهتمام في الدائرة، بعدما انتقلت إلى “حزب الحركة الشعبية”، إثر استقالتها من مجلس النواب. حيث كانت قد دخلت المؤسسة التشريعية من بوابة “جبهة القوى الديمقراطية”، خلال الولاية المنتهية.
وتؤكد المعطيات البرلمانية الرسمية، أن “ريم شباط” كانت نائبة عن “جبهة القوى الديمقراطية” خلال الولاية التشريعية 2021-2026. وأنها واصلت ممارسة مهامها البرلمانية إلى غاية شهر يوليوز من عام 2026.
وفي 28 يوليوز من عام 2026 قدمت استقالتها من عضوية مجلس النواب. قبل أن تعاين المحكمة الدستورية شغور المقعد طبقا للمادة 90 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب.
لكن أهمية ترشيحها الحالي لا ترتبط بتجربتها البرلمانية فقط، وإنما أيضا بالاسم العائلي الذي تحمله.
فهي ابنة “حميد شباط”، الأمين العام السابق لـ”حزب الاستقلال” والعمدة الأسبق لمدينة “فاس”، وهو ما يجعل دخولها المنافسة بألوان “الحركة الشعبية” محكوما أيضا بمدى قدرة هذا الرصيد العائلي والسياسي على التحول إلى قوة انتخابية فعلية.
وقد سبق أن حسمت “الحركة الشعبية” في اختيار “ريم شباط” لقيادة لائحتها بدائرة “فاس الشمالية”، في إطار سعي الحزب لتعزيز حضوره داخل المدينة.
“حميد شباط” الحضور من خلف الستار
يصعب قراءة ترشيح “ريم شباط” بمعزل عن الحضور السياسي لوالدها “حميد شباط”، الذي ظل اسمه لسنوات مرتبطا بمدينة “فاس” وبـ”حزب الاستقلال” وبالعمل النقابي.
غير أن المعادلة الحالية مختلفة عن المراحل التي كان فيها “شباط” في ذروة نفوذه السياسي.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس هل ما زال اسم “شباط” يحتفظ بجاذبيته الانتخابية فقط، بل أيضا: هل يستطيع هذا الرصيد الانتقال من مرحلة الزعامة الشخصية إلى مرحلة التأثير على اختيار الناخبين لمرشحة تخوض المنافسة بلون حزبي مختلف؟.
معادلة لن تحسمها الهتافات أو الحضور الجماهيري وحدهما، وإنما ستحددها نتائج الاقتراع ومدى استجابة الناخبين والناخبات للون السياسي والاسم الممثل له.
“محسن الأزمي الحسني” رهان “البام”
في الجهة المقابلة، يخوض “حزب الأصالة والمعاصرة” المنافسة من خلال “محسن الأزمي الحسني”، الذي جرى تقديمه مرشحا للحزب بـ”دائرة فاس الشمالية”.
واللافت أن “البام” لم يكتف بالحسم التنظيمي في ترشيحه، بل كثف خلال الأشهر الأخيرة أنشطته الميدانية بالدائرة.
ففي 29 يونيو، عقد الحزب اجتماعا تنظيميا لفروعه المحلية بـ”فاس الشمالية”. وفي 12 غشت نظم لقاء تواصليا بحضور “محسن الأزمي الحسني”، في إطار تعزيز التواصل المباشر مع المواطنين والاستماع إلى انتظاراتهم.
معطى مهم انتخابيا، لأن المنافسة في الدائرة لا تقوم على الأسماء فقط، وإنما على قدرة كل حزب على تحويل حضوره التنظيمي والميداني إلى أصوات يوم الاقتراع.
“إدريس أبلهاض” مفاجأة تقلب حسابات “الاستقلال”
ربما يكون التطور الأكثر إثارة في الأيام الأخيرة هو انتقال “إدريس أبلهاض” إلى “حزب الاتحاد الدستوري” وخوضه المنافسة في “دائرة فاس الشمالية”.
فـ”أبلهاض” يشغل موقع الكاتب الإقليمي “للاتحاد العام للشغالين بالمغرب” بـ”فاس”، وهي نقابة ارتبطت تاريخيا بـ”حزب الاستقلال”.
وكان اسمه قد برز خلال الأسابيع الماضية باعتباره أحد الأسماء التي كان يتوقع أن تنافس باسم “الميزان”. بعد استقالة “عبد المجيد الفاسي” من مجلس النواب. إلا أن “حزب الاستقلال” اختار في النهاية “حسن سليغوة” لخوض المنافسة بـ”دائرة فاس الشمالية”، وهو القرار الذي سبق أن أثار نقاشا داخل الأوساط الاستقلالية، ولم يرق بالطبع لـ”ادريس أبلهاض” الذي قرر العصيان دفاعا عن حضوره وتاريخه. ليعلن “الاتحاد الدستوري”، في 20 غشت، ترشيح “أبلهاض”. لتأخذ تبعا لذلك المنافسة منحى جديدا.
وفي تصريح صحافي، وصف “أبلهاض” انتقاله إلى “الاتحاد الدستوري” بأنه “قطيعة سياسية”، في موقف يعكس حجم التحول الذي عرفه مساره الحزبي والسياسي.
وهنا تبرز إحدى أهم معادلات “دائرة فاس الشمالية”. فهل يستطيع “أبلهاض” تحويل رصيده النقابي السابق إلى أصوات انتخابية مستقلة عن الإطار الحزبي الذي كان يتحرك داخله؟.
“حسن سليغوة” وتمسك “الميزان” بخبرة برلمانية سابقة
بعد استقالة “عبد المجيد الفاسي” من مجلس النواب، كان على “حزب الاستقلال” إعادة ترتيب أوراقه في “دائرة فاس الشمالية”. فاختار الحزب في النهاية البرلماني السابق “حسن سليغوة”، مستفيدا من تجربته السابقة ومعرفته بخريطة الدائرة.
غير أن دخول “إدريس أبلهاض” باسم “الاتحاد الدستوري” يضيف عنصرا جديدا إلى الحسابات الاستقلالية. بالنظر إلى موقع “أبلهاض” السابق داخل الذراع النقابي للحزب.
وهنا لا يتعلق السؤال فقط بعدد الأصوات التي يمكن أن يحصل عليها كل مرشح. بل أيضا بمدى قدرة “حزب الاستقلال” على الحفاظ على تماسك قواعده الانتخابية.
“عثمان زويرش” اليسار يدخل المنافسة بورقة موحدة
من جهته، اختار “تحالف اليسار الديمقراطي”، “عثمان زويرش” وكيلا للائحته الانتخابية في “دائرة فاس الشمالية”.
وقد صادق مجلس فرع “الحزب الاشتراكي الموحد” بـ”فاس” على اختيار “زويرش” بالإجماع. في إطار ترتيب داخلي بين مكونات التحالف لتوزيع المنافسة بين “دائرتي فاس الشمالية والجنوبية”.
يقدم هذا الترشيح نموذجا مختلفا عن رهانات باقي الأسماء ذات الامتداد العائلي أو النقابي. إذ يراهن “تحالف اليسار” على توحيد جزء من العرض الانتخابي اليساري داخل دائرة تعرف تعددا كبيرا في عدد المرشحين.
“التهامي الوزاني” اختبار “للأحرار”
يحضر “حزب التجمع الوطني للأحرار” في هذه المعركة من خلال “التهامي الوزاني”، وهو برلماني عن “دائرة فاس الشمالية”، خلال الولاية التشريعية 2021-2026.
وهنا لا بد من الإشارة، أن صفحته الرسمية بموقع مجلس النواب تظهر أنه كان يمثل “دائرة فاس الشمالية”. وقد طرح خلال شهر يوليوز من عام 2026 عدة أسئلة برلمانية مرتبطة بقضايا محلية. من بينها مطلبه بإحداث مركز صحي بـ”حي المستقبل” بـ”مقاطعة زواغة”.
يمنح هذا المعطى المرشح تجربة برلمانية قائمة. إلا أنه في المقابل يضعه أمام اختبار أصعب. أي تحويل حصيلة العمل البرلماني والتواصل المحلي إلى ثقة انتخابية جديدة.
“ياسر جوهر” وبقية المرشحين تعدد الخيارات يرفع منسوب المنافسة
كما تضم الخريطة الانتخابية المتصلة بـ”دائرة فاس الشمالية” أسماء أخرى. ضمنها “ياسر جوهر” عن “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، إلى جانب مرشحين عن “التقدم والاشتراكية” و”العدالة والتنمية”. ما يعني أن المعركة لن تكون بالضرورة مواجهة ثنائية أو ثلاثية. وإنما سباقا مفتوحا بين عدد كبير من اللوائح.
منافسة يمكن أن تجعل الفوارق بين المرشحين أكثر حساسية. لأن توزيع الأصوات بين عدد كبير من اللوائح قد يؤثر بشكل مباشر على ترتيب النتائج النهائية.
تجدر الإشارة، أن انتخاب أعضاء مجلس النواب يتم عبر الاقتراع العام المباشر. كما أن الانتخابات المحلية تنظم وفق نظام الاقتراع باللائحة والتمثيل النسبي حسب قاعدة أكبر بقية. دون استعمال طريقة مزج الأصوات أو التصويت التفاضلي. وذلك وفقا “القانون التنظيمي رقم 27.11″، المتعلق بمجلس النواب وتعديلاته. ما يعني أن السباق في “دائرة فاس الشمالية” لا يتعلق فقط بفوز مرشح واحد. بل بترتيب اللوائح والنتائج التي تحصل عليها كل لائحة وفق القواعد الانتخابية المعمول بها.
كما تجدر الإشارة أيضا، أن “دائرة فاس الشمالية” تضم أربعة مقاعد. ما يجعل المعركة مفتوحة على أكثر من سيناريو، الامر الذي يضع كل لائحة أمام إلحاحية مطلب تأمين أكبر رصيد ممكن من الأصوات لضمان موقع متقدم.
بين الرصيد الشخصي والآلة الحزبية
تكشف تركيبة المرشحين عن ثلاثة أنواع من الرهانات. يتعلق الأول بحضور الاسم الشخصي. كما هو الحال بالنسبة لـ”ريم شباط” وعدد من الأسماء التي راكمت حضورا سابقا داخل المؤسسات أو التنظيمات.
أما الثاني فهو رهان نقابي، وهو حاضر بقوة في حالة “إدريس أبلهاض”، الذي يدخل المنافسة من موقع نقابي سابق داخل محيط “حزب الاستقلال”. وتاريخ “حميد شباط” سند ابنته “ريم” الانتخابي.
كما أن الرهان التنظيمي الحزبي، يدخل كعنصر ثالث. حيث تحاول أحزاب مثل “الأصالة والمعاصرة” و”الحركة الشعبية” و”التجمع الوطني للأحرار” وغيرها تعزيز وجودها الميداني قبل موعد الاقتراع.
رهانات تصطدم بسؤال واحد محوري. من يستطيع الوصول إلى الناخب وإقناعه يوم الاقتراع؟.
هل يستطيع اسم “شباط” اختراق الدائرة؟
بالنسبة إلى “الحركة الشعبية”، فإن ترشيح “ريم شباط” يحمل فرصة، ومخاطرة في الوقت نفسه.
تتمثل هاته الفرصة في الاستفادة من شهرة اسم “شباط” ومن تجربة برلمانية سابقة ومن الحضور الذي يمكن أن يوفره “حميد شباط”.
أما المخاطرة فتتمثل في أن المنافسة بألوان حزبية جديدة تفرض اختبارا حقيقيا لمدى انتقال الناخب من الولاء لشخصية سياسية أو عائلية إلى التصويت لحزب ومرشحة في سياق انتخابي جديد.
في المقابل، يواجه “حزب الاستقلال” تحديا، من نوع آخر، يتمثل في الحفاظ على قواعده في ظل انتقال شخصية نقابية بارزة إلى “الاتحاد الدستوري”.
أما “الأصالة والمعاصرة” و”التجمع الوطني للأحرار” و”تحالف اليسار” وبقية القوى السياسية، فتخوض بدورها معركة إثبات قدرتها على اختراق دائرة تعرف منافسة شديدة وتعددية انتخابية واسعة.
أربعة مقاعد قد تعيد رسم خريطة فاس