هل بدأت حرب الانتخابات قبل الانتخابات؟ “الأحرار” يتهم و”البام” في قلب العاصفة
محمد حميمداني
محمد حميمداني
دخل التنافس الحزبي في “المغرب” مرحلة من التصعيد والحدة تنذر بسخونة الصيف الانتخابي. بعدما وجه المكتب السياسي لحزب “التجمع الوطني للأحرار” اتهامات خطيرة لحزب “الأصالة والمعاصرة”. متهما إياه بما وصفه “محاولات لاستمالة عدد من منتخبيه وبرلمانييه ومسؤوليه”. محذرا من أن استمرار هاته الممارسات قد تدفعه إلى سلوك المساطر التي يتيحها القانون.
جاء هذا التصعيد اتصالا بالمخرجات الصادرة عن اجتماع المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار، المنعقد اليوم الثلاثاء، برئاسة رئيس الحزب، “محمد شوكي”. المخصص لمناقشة الوضعية السياسية العامة والاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وفي مقدمتها، ما وصفه الحزب، باستهداف عدد من منتخبيه ومحاولات استمالتهم.
ووفق البلاغ الصادر عقب الاجتماع، فقد اعتبر الحزب أن تعدد الحالات المسجلة، وتقارب الأساليب المعتمدة. لم يعد مقبولا ولا يمكن التعامل معها باعتبارها وقائع منفصلة. خصوصا مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في “المغرب”.
من التنافس الانتخابي إلى محاولات “استمالة المنتخبين”
وضع حزب “الحمامة” ما وصفه بـ”استهداف عدد من منتخبيه ومحاولات استمالتهم” في صلب تداوله السياسي. معتبرا أن الأمر تجاوز، من وجهة نظره، كل حدود التنافس الحزبي السياسي الطبيعي.
في هذا السياق، قال المكتب السياسي للحزب: إن هاته التطورات تثير “قلقا بالغا”. خاصة وأنها تتزامن مع النقاش العمومي المطروح حول تخليق الحياة السياسية وضمان النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين.
وأكد الحزب وجود، ما أسماه، “مفارقة صارخة” بين التوافقات المعلنة بين الأحزاب، في شأن تخليق الممارسة السياسية واحترام قواعد المنافسة. وبين، ما اعتبره، ممارسات تجري على أرض الواقع تناقض هاته الالتزامات. مشيرا بشكل خاص إلى العلاقة بين “التجمع الوطني للأحرار” و”الأصالة والمعاصرة”.
اتهامات تبقى، وفق المعطيات التاحة، بعهدة الرواية الصادرة عن حزب “التجمع الوطني للأحرار”. ولا تعني ثبوت المخالفات المنسوبة إلى أي جهة أو شخص قبل تقديم الأدلة وسلوك المساطر القانونية المختصة.
أسماء وازنة في قلب العاصفة
توقف البلاغ الصادر عن المكتب السياسي لحزب “الحمامة”، عند عدد من الأسماء التي قال: إنها ارتبطت بمحاولات الاستقطاب. مبرزا أن بعضا من هاته الأسماء سبق للحزب أن أعلن ترشيحهم للانتخابات المقبلة. فيما لا يزال آخرون يمارسون مهاما انتدابية باسم الحزب.
في هذا الشأن، ذكر البلاغ مجموعة من الأسماء، ضمنها “عبد الحي حرطون”، “محمد الجماني”، “زينب السيمو”، “عثمان بادل”، “منال بادل”، “بشرى الوردي”، “عبد الحفيظ المكوتي” و”عبد القادر الحضوري”.
هكذا، يكتسي إدراج أسماء منتخَبين ومرشحين في بلاغ حزبي رسمي، حساسية سياسية وقانونية خطيرة. خاصة وأن الخلاف لا يتعلق فقط بالانتماء الحزبي، وإنما باتهامات مرتبطة بكيفية استقطاب المنتخبين قبيل الاستحقاق الانتخابي.
تبعا لذلك، فإن أي مسؤولية محتملة تظل مرتبطة بما يمكن إثباته من وقائع ووسائل وملابسات. وليس بإيراد اسم في بلاغ سياسي.
“انتقالات هجينة” في “الداخلة”
لم يقف المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار، عند حدود ما اعتبره ظاهرة استقطاب ضمن حالات فردية. بل ربطها أيضا بما وصفه بـ”الانتقالات الهجينة”، التي شهدتها “جهة الداخلة” بين مكونات الأغلبية.
في هذا الصدد، يرى الحزب أن انتقال منتخبين بين التنظيمات السياسية، إذا تم وفق منطق استقطاب الأشخاص عوض التنافس حول البرامج والمشاريع. قد يؤدي لإفراغ المنافسة السياسية من مضمونها البرنامجي.
من هنا، وضع “التجمع الوطني للأحرار” القضية في إطار أوسع من كونها تعبير عن خلاف بين حزبين. معتبرا أن طبيعة الممارسة الحزبية نفسها أصبحت موضع اختبار قبيل الانتخابات المقبلة.
محاولة استقطاب عضو في المكتب السياسي “للحمامة”
حساسية الوارد في البلاغ، كونه تضمن تأكيد “التجمع الوطني للأحرار” وجود محاولات استمالة استهدفت عضوا بالمكتب السياسي للحزب، وفق إفادته.
تبعا لذلك، ينتقل الخلاف بين الحزبين، من مستوى المنتخبين المحليين أو المرشحين المحتملين إلى مستوى القيادة الحزبية. ما يجعل القضية تأخذ بعدا سياسيا في اتصال باستقلالية التنظيمات وهياكلها الحزبية.
وقد وصف الحزب الوضع القائم بكونه يتجاوز “منطق الانتقال السياسي العادي”. معتبرا أن الأمر يمس بالأعراف التي تؤطر العلاقات بين الأحزاب وباستقلالية هياكلها وقياداتها.
وأكد الحزب أن خطورة هذه الممارسات، في حال استمرارها، لا تقتصر على استهداف تنظيم سياسي بعينه. وإنما تمتد لتمس صورة العمل السياسي ومصداقية المؤسسات الحزبية لدى المواطنين. معتبرا أن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة ينبغي أن تكون مناسبة للتنافس حول الحصيلة والبرامج والأفكار والمشاريع السياسية. وليس حول استقطاب المرشحين من الأحزاب المنافسة. مؤكدا أن صناديق الاقتراع وإرادة الناخبين يجب أن تكون الفيصل النهائي.
ودعا الحزب إلى التتبع اليقظ لمختلف مراحل العملية الانتخابية. بما يضمن احترام القواعد المؤطرة لها وتحقيق النزاهة وتكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين. مؤكدا تمسكه بقواعد التنافس السياسي النزيه.
وقال الحزب: إنه سيواصل الاستعداد للاستحقاقات المقبلة بالاعتماد على حصيلته وبرنامجه وتنظيمه. معتبرا أن رهانه الأساسي يظل على قدرة الناخبين على تقييم الأحزاب بناء على ما قدمته وما تحمله من مشاريع للمستقبل.
هل تتجه بوصلة الاتهام إلى القضاء؟
لم يوقف التصعيد عند حدود البيانات السياسية. حيث أعلن “التجمع الوطني للأحرار” احتفاظه بكامل حقوقه في اتخاذ ما يراه مناسبا. وسلوك مختلف المساطر التي يكفلها القانون.
صياغة تفتح الباب أمام احتمال انتقال الخلاف من المنابر السياسية إلى المؤسسات القضائية المختصة. إذا قرر الحزب تقديم شكايات أو طعون أو اتخاذ إجراءات قانونية، بناء على وقائع محددة وأدلة قابلة للإثبات.
تجدر الإشارة، أن التهديد باللجوء إلى القضاء لا يعني أن مسطرة قضائية قد تم فتحها فعليا. ما لم يتم الإعلان رسميا عن البدئ في الإجراء والجهة التي تمت إحالة الملف عليها.
مواجهة من قلب الدستور
اتصالا بلهيب الاتهامات الموجهة وحمى الانتخابات المشتعلة، التي تعد بصيف انتخابي حارق. استحضر المكتب السياسي لحزب “الحمامة” مبدأ “الاختيار الديمقراطي”. معتبرا إياه أحد الثوابت الجامعة للأمة. مبرزا أن المنافسة الانتخابية ينبغي أن تحترم استقلالية الأحزاب وإرادة المواطنين.
جدير بالذكر، أن هذا النقاش يأخذ أهمية اتصالا بـ”الفصل السابع من الدستور المغربي”، الذي ينص على أن الأحزاب السياسية تعمل على تأطير المواطنات والمواطنين والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين. وأن تنظيمها وتسييرها يجب أن يكونا مطابقين للمبادئ الديمقراطية.
حيث يؤكد هذا الفصل، على دور الأحزاب السياسية وقواعد تأسيسها ونشاطها. محددا مهامها في تأطير المواطنين، والمشاركة في السلطة. واضعا، في الوقت نفسه، ضوابط صارمة لعمل هاته الأحزاب. محددا أدوارها في العمل على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم سياسيا. فضلا عن تعزيز انخراط الأفراد في الحياة الوطنية وتدبير الشأن العام. إضافة لمساهمتها في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب عبر الوسائل الديمقراطية.
في سياق متصل، ينص “الفصل 11 من الدستور”، على أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي. وهو ما يجعل النزاهة وتكافؤ الفرص من المبادئ الأساسية المؤطرة للعملية الانتخابية.
تبعا لذلك، يضع هذا الفصل، القواعد الأساسية للانتخابات. مؤكدا على ضرورة ضمان نزاهة العملية الانتخابية. فضلا عن وجوب تحقق المشروعية والحياد. معتبرا أن الانتخابات الحرة والنزيهة أساس التمثيل الديمقراطي. ملزما السلطات العمومية بممارسة الحياد التام وعدم التمييز بين المرشحين. إضافة لتأكيده على وجوب ضمان النزاهة. مشددا على ضرورة الاستفادة من الإعلام العمومي، وتأمين الحريات وحقوق المترشحين والناخبين بموجب القانون. إلى جانب إقراره باعتماد المراقبة وفرض العقوبات في الحالات الماسة بهاته القواعد. وذلك من خلال إقرار المراقبة المستقلة والمحايدة للانتخابات. ومعاقبة المخالفين للقواعد الانتخابية.
جدير بالذكر، أن تنزيل هاته المبادئ يتم من خلال القوانين التنظيمية والنصوص الانتخابية والمساطر المختصة. وليس من خلال المواقف السياسية وحدها.
“الحمامة”: “لن نرد بالمثل”
في محاولة لتحديد طبيعة رده، أكد “التجمع الوطني للأحرار” أنه لن يلجأ إلى ذات الممارسات. معلنا تمسكه، بما وصفه، بـ”قواعد التنافس السياسي النزيه”.
وأكد الحزب أن معركته الانتخابية المقبلة ستقوم على الحصيلة والبرنامج والتنظيم وعلى ما وصفه بـ”قوة نسائه ورجاله”. معتبرا أن الحكم النهائي يبقى للناخبين. في محاولة لتحويل المواجهة من معركة حول انتقال الأفراد بين التنظيمات، إلى معركة حول من يملك الحصيلة والبرنامج والقدرة على إقناع الناخبين.
وأوضح حزب “الحمامة”، في بلاغه المطول. أنه يعتبر الدفاع عن مصداقية العمل السياسي وقواعد المنافسة الديمقراطية هدفا أساسيا. محذرا، مما أسماه، أي محاولة لمنح طرف سياسي “موقعا استثنائيا” أو استباق نتائج الانتخابات قبل أن تقول صناديق الاقتراع كلمتها.
اتهامات خطيرة تمس هيبة “الأصالة والمعاصرة”
الاتهامات التي وجهتها “الحمامة” لحزب “التراكتور”، تضع الأخير أمام مسؤولية سياسية كبيرة تقتضي توضيح موقفه من الوقائع التي عرضها “التجمع الوطني للأحرار”. خصوصا وأن البلاغ، لم يقدم، في النص المعروض. تفاصيل توثيقية أو أدلة تفصيلية في شأن كل حالة.
من هذا المنطلق، يصبح الرد السياسي من قبل حزب “الاصالة والمعاصرة” مهما، ليس فقط من باب نفي هاته الاتهامات أو تأكيدها. بل من خلال توضيح فيما إذا كانت التحركات التي يتحدث عنها “التجمع” تدخل ضمن حقه الطبيعي في استقطاب المرشحين والمناضلين، أم أنها تضمنت ممارسات يمكن أن تثير إشكالات قانونية أو تنظيمية.
تجدر الإشارة أيضا، أن الانتقال الحزبي، في حد ذاته، لا يعد بالضرورة مخالفة. فيما تختلف الوضعية القانونية والسياسية بحسب توقيت الانتقال وطبيعته والصفة الانتدابية للمعني بالانتقال وشروط الترشح والالتزامات التي تحكم الحالة المعينة.
معركة التزكيات ولوي الذراع تشتعل قبل صناديق الاقتراع
يأتي هذا التصعيد، في مرحلة تشهد فيها الأحزاب المغربية تحركات مكثفة لإعداد لوائح المرشحين وترتيب التحالفات واستقطاب الأسماء المؤثرة محليا.
من هذا المنطلق، فإن التزكية الانتخابية أصبحت واحدة من أكثر نقاط الاحتكاك داخل التنظيمات السياسية، وفيما بينها. خصوصا عندما يكون المرشح صاحب حضور انتخابي، أو يشغل مهمة انتدابية قائمة. بل أن المنافسة تتحول خلال هاته المرحلة تدريجيا من مواجهة بين الأحزاب أمام الناخبين إلى منافسة على الأسماء والرموز والشبكات الانتخابية المحلية. وهو ما يفسر ارتفاع حدة الخطاب السياسي كلما اقترب موعد الاقتراع.
تجاذبات تطرح تساؤلات حول علاقة الحزب بالصندوق
تدفع هاته الواقعة بسؤالا محوري أعمق إلى الواجهة مفاده: هل يمكن أن تتحول المنافسة السياسية إلى سباق لاستقطاب المنتخبين قبل أن تبدأ المنافسة أمام الناخبين؟. اتصالا بكون الأحزاب ترى أن منتخبيها ومرشحيها يمثلون جزءا من قوتها التنظيمية والانتخابية. فيما يبقى المنتخب، في النهاية، مرتبطا بإرادة الناخبين وبالقواعد القانونية التي تؤطر الترشح والتمثيل الانتخابي.
من هنا، فإن انتقال شخص من حزب إلى آخر، قد يكون قرارا سياسيا مشروعا في بعض الحالات. إلا أنه لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتجاوز قواعد التنافس، أو التأثير غير المشروع في العملية الانتخابية.
الانتخابات هي الحد الفيصل