من فهم المجتمع إلى خدمة الحرب: هل تحول عالم الاجتماع إلى سلاح ناعم بيد السلطة؟

العدالة اليوم

العدالة اليوم

 

لا يمكن قراءة العنف كظاهرة هامشية في حياة المجتمعات. ولا الحرب من مجرد وجهة نظر ضيقة، أي كمواجهة عسكرية تنتهي بانتهاء المعارك. بل إن كليهما يرتبطان ببنية اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية معقدة.

من هنا تنبع أهمية السؤال الذي يطرحه عالم الاجتماع، “سينيشا مالشيفيتش”، (Siniša Malešević)، في كتابه “سوسيولوجيا الحرب والعنف” مشرعا سؤالا عريضا على مصراعية مفاده: كيف يمكن للعلوم الاجتماعية أن تفهم العنف المنظم، وأن تفسر جذوره وتحولاته، من دون أن تتحول في الوقت نفسه إلى جزء من الآليات التي تنتجه أو تديره؟.

فالكتاب، الصادر عن “جامعة كامبريدج الإعلامية”/Cambridge University Press”، يضع الحرب والعنف في قلب التحليل السوسيولوجي. رابطا بين العنف المنظم وتحولات المجتمع. متوقفا عند الحرب والقومية والدعاية والتضامن الاجتماعي والتفاوتات الطبقية وأشكال العنف في العصر الحديث. 

هنا تتجاوز المسألة حدود البحث الأكاديمي، لتتحول إلى سؤال سياسي وأخلاقي: هل يستطيع عالم الاجتماع أن يحتفظ بمسافة نقدية عن السلطة، عندما تصبح معرفته بالمجتمع مطلوبة من قبل الدولة والمؤسسة العسكرية وصانع القرار؟. أم أن المعرفة الاجتماعية قد تتحول، في بعض الظروف، إلى أداة لخدمة أهداف سياسية وأمنية؟.

مفارقة بين رفض العنف واستهلاكه في الوقت نفسه

يضع “مالشيفيتش” هاته المفارقة، في مقدمة التفكير من خلال تفكيكه لخطاب الحرب والعنف. واقفا حول حضور الإسان ضمن هاته المعادلة. فالإنسان والمجتمع يعلنان، من الناحية الأخلاقية والقانونية، رفض الاعتداء والعنف. لكن، وفي المقابل، ظلت الثقافة الشعبية والإعلام والأدب والتاريخ والسينما وغيرها من أشكال التعبير. مشبعة بصور الحرب والصراع والعنف.

هنا، يقف المؤلف، لوصف العلاقة الإنسانية، المتصلة بالعنف. مبرزا أنها علاقة معقدة ومتناقضة. حيث تلتقي الإدانة الأخلاقية للعنف مع استمرار الانجذاب الثقافي لتمثلاته. 

من قلب هاته المفارقة، ينفتح النقاش على واحدة من أقدم القضايا في الفكر السياسي والاجتماعي: هل العنف متجذر في الطبيعة البشرية، أم أن المجتمع والظروف السياسية والاقتصادية قادرة على إنتاجه وتغذيته؟.

ففي الوقت الذي نجد فيه بعض التصورات الكلاسيكية، ضمنها تلك الحاضرة عند “توماس هوبز” و”نيكولو ميكيافيلي”. تصف الإنسان بكونه كائنا تحكمه المصالح والصراعات. تقدم أخرى تصورات مغايرة، كما هو الحال عند “جان جاك روسو” و”إيمانويل كانط”. حيث تحضر إمكانات مختلفة لفهم الإنسان والسلام والعلاقات بين الأفراد والمجتمعات.

بين هذا وذاك، لا يكتفي علم الاجتماع بالسؤال عما إذا كان الإنسان “خيرا” أم “شرا”. بل يحاول تفكيك الشروط الاجتماعية التي تجعل العنف ممكنا. باحثا عن المؤسسات التي تنظمه، والخطابات التي تبرره، والسلطات التي تمنحه الشرعية أو توظفه لتحقيق أهدافها.

من تفسير المجتمع إلى صناعة القرار

ضمن هذا السياق، يحضر الدور المفترض لعالم الاجتماع. اعتبارا لكون وظيفته، لا ينبغي أن تقتصر على وصف الظواهر الاجتماعية. بل تتجاوزها لتشمل تحليل أسبابها، وكشف الاختلالات التي تقف وراءها، وتقديم معرفة تساعد المجتمع وصانع القرار على فهم التحولات الاجتماعية قبل أن تتحول إلى أزمات.

دور عالم الاجتماع يضعه أمام معضلة حقيقية

حينما تستعين المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية بالمعرفة السوسيولوجية لفهم مجتمع معين. يمكن أن تصبح المعرفة خادمة للمجتمع، مزيلة سوء الفهم الثقافي والاجتماعي، وحامية المدنيين من الحروب والعنف ومقللة من التوثرات الجيوسياسية والعرقية. لكنها، في الوقت نفسه، قد تتحول، في سياقات أخرى، إلى وسيلة أكثر فعالية لإدارة السكان أو التأثير فيهم أو تصميم سياسات أمنية وعسكرية أكثر دقة.

هنا يتجاوز السؤال مجرد قدرة عالم الاجتماع على إنتاج المعرفة. ليصل إلى كيفية استخدام تلك المعرفة، ومن يتملكها، ولأي غرض، وتحت أي رقابة أخلاقية وقانونية؟.

دخول العلوم الاجتماعية للمؤسسة العسكرية في غزو “أفغانستان” و”العراق”

تشكل حالة “أفغانستان” و”العراق”، أمثلة حية على هاته الإشكالية. حيث ظهر في “الولايات المتحدة” ما اصطلح عليه بـ”نظام التضاريس البشرية”، (Human Terrain System). الذي بدأ اعتماده في سياق الحروب التي تم إشعالها في كل من “العراق” و”أفغانستان”.

الفكرة قامت على إدماج فرق، تضم علماء اجتماع وأنثروبولوجيين وغيرهم من المتخصصين في العلوم الاجتماعية، ضمن تشكيلات عسكرية. وذلك بهدف توفير معرفة أفضل بالبنية الاجتماعية والثقافية للسكان المحليين ومساعدة القادة العسكريين على فهم البيئة التي يعملون داخلها.

في هذا السياق، تشير مصادر أكاديمية، إلى أن النظام تم العمل به في “العراق” و”أفغانستان”، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2007 و2014. فيما استمر البرنامج في صيغته المؤسسية حتى منتصف العقد التالي. 

لم يكن الهدف،مجرد إجراء أبحاث أكاديمية تقليدية، وفق ما تم الإعلان عنه. بل تحويل المعرفة المتصلة بالمجتمع والثقافة والعلاقات المحلية، إلى معرفة تسهل عملية اتخاذ القرار العسكري.

ووفق “الجمعية الأمريكية للأنثروبولوجيا”، فقد أثار البرنامج منذ إطلاقه عام 2007، جدلا واسعا. مبرزة أن قيمة البرنامج بلغت حوالي 41 مليون دولار في إحدى مراحله. مع اعتماد خطط لتوسيع عدد الفرق العاملة في “العراق” و”أفغانستان”. 

هنا تحديدا، يبرز سؤال مركزي يتجاوز حدود المؤسسة العسكرية، مفاده: هل يمكن للباحث الاجتماعي أن يحتفظ باستقلاليته العلمية عندما يصبح جزءا من مؤسسة تقوم بوظيفة عسكرية؟.

الخطوط الحمراء في علاقة المعرفة بالحرب

الجدل، ها هنا، ليس نظريا. حيث انتقدت أوساط أنثروبولوجية وأكاديمية برنامج “التضاريس البشرية”، بسبب وجود مخاوف من استخدام المعرفة الإثنوغرافية والاجتماعية في عمليات مكافحة التمرد. واحتمال الخلط بين الباحث الأكاديمي والعامل الاستخباراتي أو العسكري.

في هذا الشأن، تشير دراسة منشورة في ” الأنتروبولوجيا الامريكية/American Anthropologist” أن الجدل حول البرنامج تمحور حول أخلاقيات البحث، وعسكرة المعرفة الأنثروبولوجية، وبالتالي تأثير كل ذلك في سمعة التخصص. فضلا عن إبراز مخاوف من تعرض الباحثين الميدانيين للخطر، اتصالا بإمكانية النظر إليهم بوصفهم مرتبطين بالأجهزة العسكرية أو الاستخباراتية.

ووصل الأمر أبعد من ذلك، مع إعلان “الجمعية الأمريكية للأنثروبولوجيا”، موقفا معارضا للبرنامج. مبرزة أن توظيف المعرفة الأنثروبولوجية في هذا السياق، يطرح إشكالات أخلاقية ومهنية جوهرية.

في الجهة المقابلة، دافع مؤيدو البرنامج، عن إمكانية استخدام المعرفة الاجتماعية والثقافية لفهم المجتمعات المحلية بصورة أفضل. معتبرين أن ذلك سيساعد القادة على اتخاذ قرارات أكثر اطلاعا. وبالتالي تقليل الأخطاء الناجمة عن سوء فهم البيئة الاجتماعية.

هكذا يصبح يتحول الخلاف ليلامس سؤالا أكثر تعقيدا مفاده: هل المشكلة في المعرفة نفسها، أم في الجهة التي تستخدمها والغاية التي توظفها من أجلها؟.

العلاقة بين “الاستقلالية العلمية” وإنتاج المعرفة

من الناحية المبدئية، لا يوجد تعارض جوهري بين أن يقدم عالم الاجتماع خبرته لصانع القرار، وبين احتفاظه باستقلاليته العلمية. فالمجتمعات الحديثة تحتاج إلى الخبرة الأكاديمية عند صياغة السياسات العامة. إلا أن الخط الفاصل يصبح أكثر حساسية، عندما تنتقل المعرفة من المجال المدني إلى المجال الأمني أو العسكري.

هنا، نقف عند فاصل هام، فحالما يقدم الباحث تحليلا حول الفقر أو البطالة أو التهميش أو التوترات الاجتماعية بهدف الوقاية من الأزمات. فإن استخدام المعرفة، في هاته الحالة، يمكن أن يدخل في إطار السياسات العامة. لكن عندما تصبح المعرفة الاجتماعية أداة لتحديد الفئات المستهدفة أو مراقبة السكان أو تحسين عمليات السيطرة عليهم. فإن السؤال الأخلاقي يصبح أكثر إلحاحا.

من هنا، تحضر أهمية “أخلاقيات البحث العلمي” لتحتل موقعا مركزيا. بغاية حماية المشاركين في الأبحاث، احترام الخصوصية، الحصول على الموافقة المستنيرة، عدم تعريض الأشخاص للخطر والحفاظ على استقلالية الباحث. كمبادئ وقواعد لا بد منها بغاية جعل المعرفة الاجتماعية مختلفة عن مجرد جمع المعلومات لخدمة أي مؤسسة كانت.

علاقة عالم الاجتماع بالسياسي، هل هي شراكة أم تبعية؟

في الديمقراطيات الحديثة، لا يمكن فصل الجامعة عن المجتمع. كما لا يمكن عزل العلوم الاجتماعية عن القضايا الكبرى التي تواجه الدولة والمؤسسات. إلا أن الاستقلال الأكاديمي يقتضي أن يظل الباحث قادرا على قول ما تظهره المعطيات، حتى عندما لا تتوافق نتائجها مع رغبات السلطة أو توقعات صانع القرار.

هنا، يصبح عالم الاجتماع، في أحسن حالاته، وسيطا معرفيا بين المجتمع والسلطة. إذ ينقل مشكلات الناس إلى دوائر القرار، ويفسر التحولات الاجتماعية، ويحذر من السياسات التي يمكن أن تنتج مزيدا من التهميش أو التوتر. أما في حالة تحول المعرفة لمجرد أداة لتبرير قرارات تم اتخاذها سلفا. فإن وظيفة الباحث في هاته اللحظة تتغير جذريا، حيث تنتقل من إنتاج المعرفة ونقد الواقع إلى منح الشرعية العلمية لخيارات سياسية جاهزة.

هل يستطيع عالم الاجتماع ترتيب أولويات السياسي؟

السؤال الذي يفرض نفسه، اليوم، ليس متصلا بقدرة عالم الاجتماع على التأثير في السياسة. لأنه يؤثر بالفعل في النقاش العمومي وصناعة السياسات عندما تكون مؤسساته العلمية مستقلة وفعالة. لكن السؤال الأهم مفاده: ما حدود هذا التأثير؟.

من هنا، فهل يملك الباحث الجرأة للكشف عن مكامن الخلل الاجتماعي، حتى عندما تكون نتائجه غير مريحة لصانع القرار؟. وهل يستطيع تقديم البدائل بدلا من الاكتفاء بوصف الأزمة؟. وهل تملك الجامعات ومراكز البحث استقلالا كافيا يسمح لها بمساءلة السياسات العامة؟. هنا تكمن المشكلة.

في المقابل، هل ينبغي للسياسي أن يستفيد من المعرفة التي تنتجها العلوم الاجتماعية، أم أن رفض هذا التعاون بدوره قد يحرم المجتمع من أدوات مهمة لفهم ظواهره المعقدة؟.

الإجابة لا يمكن النظر إليها من زاوية الفصل الكامل بين عالم الاجتماع والسياسي. وإنما في تنظيم هاته العلاقة على أساس الاستقلالية والشفافية والمساءلة الأخلاقية.

من “مراقبة المجتمع” إلى فهم المجتمع أي دور لعالم الاجتماع

يكشف تاريخ العلوم الاجتماعية، أن المعرفة يمكن أن تكون أداة للتحرر. كما يمكن، في سياقات معينة، أن تتحول لأداة للسيطرة.

من هنا، فإن قيمة علم الاجتماع لا تقاس بمدى قدرته على تفسير سلوك الأفراد والجماعات فقط. بل بقدرته على طرح الأسئلة التي قد لا يرغب أصحاب السلطة في سماعها أيضا. لأن المجتمع ليس “تضاريس بشرية” يتم جمع البيانات عنها من أجل إدارة الصراع فقط. بل فضاء مشكلا من المواطنين والمصالح والحقوق والاختلافات والتطلعات.

من ثم، فإن عالم الاجتماع المنخرط في صناعة القرار لا يفقد بالضرورة دوره النقدي، سريطة ألا يفقد استقلاله العلمي. وألا تتحول معرفته إلى غطاء لتبرير العنف أو التمييز أو انتهاك الحقوق.

هكذا، تكشف تجربة “نظام التضاريس البشرية” في “العراق” و”أفغانستان” عن وجه العلاقة القائمة بين العلوم الاجتماعية والسلطة العسكرية. وإمكانية إنتاجها معرفة مفيدة، إلا أنها، في الوقت نفسه، تفتح بابا واسعا أمام أسئلة أخلاقية حارقة حول استقلال الباحث وحدود استخدام المعرفة. وقد وثقت الدراسات الأكاديمية حجم هذا الجدل، بما في ذلك الانتقادات الموجهة إلى عسكرة الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية. 

وهنا يتم توجيه سؤال مركزي لعالم الاجتماع نفسه، مفاده: هل مهمته أن يكون خبيرا لدى السلطة فقط. أم أن وظيفته تكمن في أن يظل عين المجتمع على السلطة، وصوتا علميا قادرا على تفسير العنف، قبل أن يتحول إلى واقع. وكشف أسباب الصراع قبل أن يصبح حربا؟.

هنا لا بد من التوضيح، أن العلوم الاجتماعية لا تفقد قيمتها عندما تدخل مجال صناعة القرار. بل تفقد هاته القيمة، عندما تتخلى عن استقلالها، وتصبح بالتالي معرفة خادمة للسلطة، بدلا من أن تكون أداة لفهم المجتمع والدفاع عن الإنسان وحقوقه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.