الديمقراطيات غير المكتملة ومبادرات الإصلاح

بقلم الكاتب الصحافي عبد الله العبادي/المختص في الشؤون العربية والإفريقية

بقلم الكاتب الصحافي عبد الله العبادي/المختص في الشؤون العربية والإفريقية

 

نعيد هنا مجددا، طرح إشكالية العمل السياسي العربي والتنظيمات السياسية الراديكالية، وأثرها على المسار الديمقراطي العربي. وهي إشكالية نظرية قديمة، كما انها تحمل أيضا إجابة لفكرة: إعطاء السلطة لأعداء الحرية والتعددية. التاريخ يذكرنا، كيف أن تسليم السلطة لأحزاب استبدادية راديكالية، كم كان الأامر مكلفا ومذمرا؟.

هنا لا بد من الوقوف، على العديد من الدول العربية، عانت من هاته الإشكالية. ولو أنها اتخذت داخلها أشكالا مختلفة. سلمية أحيانا وفظيعة ودموية في أحيان أخرى. فالكثير من الحركات الراديكالية، دينية كانت أو لا دينية، عرفت بخطاب مزدوج. حيث تطلق، أحيانا، نبرة حقوقية وتحمل مطالب عادلة صادقة. لكنها في حالات أخرى تعلن إيمانها بالديمقراطية إلا أنها تتهكم على مسارها السياسي برمته.

في هذا السيياق، فقد قبل الديمقراطيون، باسم الديمقراطية، إجهاض تجارب ديمقراطية عديدة في عالمنا العربي. مفضلين الاحتماء بأنظمة استبدادية. ما جر على العديد من الشعوب ويلات الضياع والفوضى.

ما يقع في العديد من بقاع الوطن العربي، وما يمكن أن يقع في المستقبل. من استعمال الاستبداديين للديمقراطيين من أجل الوصول للسلطة، ثم الانقلاب على مبادئ التعايش الديمقراطي واحترام التعددية الفكرية والسياسية.

كل ذلك يطرح سؤالين اثنين: الأول متعلق بالخيار الديمقراطي نفسه، والثاني بطبيعة الآليات الموصلة لممارسة السلطة والحكم.

لتحقيق انتقال ديمقراطة حقيقي، لا بد من وجود سجال قوي حقيقي بين كافة الأطراف، بعيدا عن الانتماءات السياسية أو الإيديولوجية. بحيث لا يظل أي طرف كان خارج اللعبة، وإلا أصبح يشكل خطرا على المجتمع. لأن الإقصاء غير المبرر لا يخدم العملية السياسية ولا يعمل على تطويرها بل يخلق نوعا من الفوضى والاضطرابات. علما أن الكثير من الأنظمة تتقن فن اختيار التابعين لها، وإقصاء المخالفين من اللعبة السياسية. ما يسيء للديمقراطية كهدف وجوهر في حد ذاته.

في عالمنا العربي، عرفت اللعبة السياسية بكونها تشبه مسابقات رياضية تكون نتيجتها معروفة سلفا. فالانتخابات، في هاته الحالة، عبارة عن معركة نتيجها معروفة مسبقا. كما أن المسلسل الديمقراطي بدوره بحاجة لأناس يتملكون خيارات وقناعات عميقة. تفصلهم جزئيات نظرية وتوجهات سياسية.

إذن، فالعملية السياسية بحاجة لتفسير التناقض الموجود بين: ضرورة الدفاع عن النفس والوفاء للعملية الديمقراطية.

تبعا لذلك، فعلى جميع الفرقاء القبول بقواعد اللعبة لنجاح مسلسل البناء الديمقراطي. أي قبولها الحق في الرأي المخالف، وفي التنظيم الحزبي، والتجدد السلمي للسلطة، واستقلال القضاء.

لكن هناك من يعترض على هذا التصور، بمبرر وجود حركات إيديولوجية راديكالية، لت تتقبل التغيير الحاصل. أو لعدم ثقتها بفعالية هذا الانتقال. فهي تفضل دوما المعارضة من أجل المعارضة ليس إلا.

من هنا، يجب الاعتراف داخل العملية السياسية، بحق الآخر في التعبير عن رأيه. بعيدا عن الخيارات الإيديولوجية أو المرجعية الفكرية لهذا الحزب أو ذاك. ولا أن تأخد العملية بعين الاعتبار منطق القرب أو البعد عن السلطة. بل على العكس من ذلك، يجب ان تقوم على مبدأ قبول اللعبة الديمقراطية وتقبل العمل ضمن هذا الفضاء الديمقراطي واحترام آلياته من أجل مصلحة الوطن والشعب.

تدافع الديمقراطية عن نفسها من خلال اجتماعيين وسياسيين، يهدفون لتحقيق الأمان الجماعي. إلا أنها تبقى مضطربة في حالة مواجهة كل حرب عنيفة تنشب. مع توفرها على إمكانية تهميش هذا الفعل العنيف، من خلال تصديها لكل اشكال ردة الفعل، في احترام لمبادئ الحرية، وضمن مراقبة فعلية لتعامل الجهاز الأمني مع كافة الأخطار المهددة. وأيضا من خلال بذل أكبر جهد ممكن للقضاء على كل أسباب العنف الاجتماعي. وذلك عبر القضاء على كل اشكال الظلم الطبقي، التقليل من حالات اليأس والبؤس العميقين، اللذين يفسران الانتفاضات الشعبية.

إن أولى الضمانات التي يجب أن تكون واضحة صريحة في العمل السياسي العربي، تكمن في اعتراف كل تنظيم سياسي بأركان بناء المسلسل السياسي الديمقراطي. أي أن يكون بندا من بنود وثيقتها التأسيسية. 

في الجهة المقابلة، يجب الدفع في اتجاه تكريس الديمقراطية الدخلية، داخل الأحزاب السياسية.  لأن كل حزب يمارس الاستبداد داخليا، سيقتل الديمقراطية لا محالة، إذا ما وصل للسلطة.

هنا، تحضر مسؤولية الدولة في استصدار قرار قضائي، يحظر كل تنظيم سياسي منحرف عن التوجه الديمقراطي، مكرس لعبادة الفرد أو الحزب وقاتل للديمقراطية داخله من خلال اضطهاد أو طرد معارضيه في الحزب. أو في حالة تمجيده للعنف والدعوة له. 

هنا لا بد من التوضيح، أن الديمقراطية، لايمكن تحقيقها بممارسة مختلف الأشكال الاستبدادية. لأنه حينها سيعبر عن جوهر وجوده في حالة وصوله للسلطة.

الديمقراطية في مفهومها الشامل، هي فعل مجتمعي ومؤسساتي. ينظم العلاقات القائمة ضمن إطار قانوني ينمي الثقافة الديمقراطية، ويجعلها في النهاية وسيلة لخدمة الإنسان والمجتمع وتحطيم كل أشكال التعطيل المكبلة لتحقيق حضور ديمقراطي فعلي. 

في سياق متصل، فإن عملية التأسيس والبناء تحتاج لعقلية تمارس التقييم والنقد بشكل دائم.

هنا، لا بد من القول: إن الجدال العنيف الذي يحصل خلالات العمليات الانتخابية، بين مختلف الفرقاء السياسيين. الذي يصل، في بعض الأحيان،  حد ممارسة العنف. يعكس نمطا فكريا يقوم على التقييم العنيف.

هنا يحضر دور المنظمات المدنية، باعتبارها أداة من أدوات الدولة الديمقراطية. من خلال قيامها بعملية التقييم العقلاني المتواصل. لأنها أدرى من السياسيين بالنتائج الملموسة للسياسات المتبعة. هذا التصور لا يقصي دور الدولة في ممارسة التقييم والرقابة، بل هي شكل مكمل لكل هاته العمليات، في عملية البناء والمحافظة على أسس وأركان وجودها.

هنا، تحضر عملية التقييم المتواصل، باعتبارها إجراء لا بد منه، تستعمل نتائجه للقيام بإصلاحات دائمة وتعديل مسار المؤسسة. سواء أكانت اجتماعية أم سياسية أم اقتصادية… في إطار مؤسس يقوم على النزاهة والشفافية والوضوح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.