هل بدأت معركة استمالة الناخبين من بوابة المقاهي بمدينة “سلا”؟

حميمداني محمد

حميمداني محمد

 

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026. بدأت أجواء المنافسة الانتخابية تلقي بظلالها على عدد من الفضاءات بمدينة “سلا”. من بينها المقاهي التي تتحول، وفق معطيات متداولة محليا. إلى أماكن للقاءات والنقاشات والتحركات المرتبطة بـ”استمالة الناخبين”. 

تأتي هاته التحركات وفق ما هو متداول، في وقت لم تنطلق فيه الحملة الانتخابية الرسمية بعد. حيث حددت السلطات فترة الحملة الانتخابية من 10 شتنبر الحالي وإلى غاية منتصف ليلة 22 من نفس الشهر. فيما يستمر إيداع الترشيحات إلى غاية 9 شتنبر الجاري.

من هنا، فإن أي حديث عن تحركات انتخابية سابقة على هذه الفترة، يحتاج للتمييز بين التواصل السياسي العادي وبين النشاط الذي قد يشكل، بحسب طبيعته وتوقيته ومضمونه. دعاية انتخابية مخالفة للقواعد المنظمة للعملية الانتخابية. 

عندما يتحول المقهى لـ”غرفة عمليات”

تتحدث أوساط محلية، عن حصول لقاءات واتصالات، يقوم بها أشخاص قريبون من مرشحين. وعن محاولات للتواصل مع الناخبين و”استمالتهم عبر الوعود أو العلاقات الشخصية”. 

غير أن هاته المعطيات المتداولة تبقى تنبيهية، ما يتطلب قيام السلطات المختصة بالإجراءات اللازمة للتحقق من صحتها. لأنه في حال ثبوتها تكون مخالفة صريحة للمقتضيات الدستورية والقانونية. لكونها تضرب في العمق أسس دولة الحق والقانون. وتهدم بالتالي قواعد النزاهة والشفافية والمساواة بين جميع اطراف اللعبة السياسية.

ما يجب التأكيد عليه، أن المقهى، في حد ذاته، ليس فضاء محظورا للتواصل السياسي. لأن الإشكال القانوني يرتبط بما يتم داخل هاته اللقاءات. وبما إذا كانت تتضمن أفعالا تدخل ضمن الدعاية الانتخابية غير المشروعة أو التأثير على إرادة الناخبين أو تقديم وعود ومنافع مقابل التصويت. 

خمس سنوات من الغياب تعقبها أسابيع من الحماس الانتخابي!

بعيدا عن الشق القانوني، تطرح هاته الدينامية سؤالا سياسيا وأخلاقيا أوسع مفاده: لماذا يتضاعف حضور بعض المنتخبين والمرشحين في حياة المواطنين عندما يقترب موعد الاقتراع؟. فالمواطن الذي كان يبحث طوال الولاية عن من يسمع صوته، ويتابع مشاكله، وينقل مطالبه. قد يجد نفسه، اليوم، أمام موجة مفاجئة من الاتصالات واللقاءات والوعود بمجرد اقتراب الاستحقاق الانتخابي. 

هنا يصبح السؤال مشروعا، والذي مفاده: أين كان هذا الحضور، عندما لم تكن هناك أصوات انتخابية مطلوبة؟. فالتواصل السياسي، لا ينبغي أن يكون موسما قصيرا، يبدأ قبل الاقتراع بأسابيع وينتهي بمجرد إعلان النتائج. وإنما يفترض فيه أن يكون علاقة مستمرة بين المنتخب والمواطن، قائمة على الإنصات والمساءلة وتتبع القضايا المحلية.

الناخب ليس رقما

لا يجب اختزال الانتخابات في عدد الأشخاص الذين يمكن الوصول إليهم داخل مقهى. ولا في عدد أرقام الهواتف التي يمكن جمعها. ولا في حجم الوعود التي يمكن توزيعها. فالناخب يمتلك حقا أصيلا في اختيار من يمثله بحرية، بعيدا عن الضغط أو الإغراء أو تقديم المنافع مقابل التصويت.

هنا لا بد من التنبيه، أن “القانون التنظيمي رقم 27.11″، المتعلق بـ”مجلس النواب”. يتضمن مقتضيات صريحة تجرم الحصول أو محاولة الحصول على أصوات الناخبين بواسطة الهدايا أو التبرعات أو الوعود بها. أو بواسطة وعود بوظائف أو منافع أخرى بقصد التأثير في التصويت. كما تشمل العقوبات الحالات التي تتم فيها هاته الأفعال بواسطة الغير أو من خلال الوساطة.

هذا يعني أن الخط الفاصل بين التواصل السياسي المشروع واستمالة الناخب بوسائل غير مشروعة تحدده طبيعة المكان، وإنما مضمون الفعل والغاية منه.

من الكلام إلى “شراء الأصوات”

في هذا السياق، فإن استعمال عبارة “شراء الأصوات” ينبغي أن يتم بحذر، لأن إثباتها يتطلب وجود عناصر ووقائع قابلة للتحقق. أما مجرد الحديث عن وعود انتخابية أو لقاءات في المقاهي فلا يكفي وحده لإثبات وقوع جريمة انتخابية. 

لكن إذا ثبت أن ناخبين تلقوا أموالا أو هدايا أو وعودا بمنافع مقابل التصويت لفائدة مرشح معين. فإن الأمر ينتقل من مستوى المنافسة السياسية إلى مستوى قد تترتب عنه مسؤولية قانونية وزجرية.

في هذا الشأن، تشدد المقتضيات الانتخابية، أيضا، على حياد الإدارة وعدم استعمال الوسائل العمومية للتأثير في الناخبين. إذ تتضمن التعديلات الأخيرة مقتضيات تعاقب الموظف العمومي أو مأمور الإدارة أو الجماعة الترابية الذي يقوم، أثناء مزاولة مهامه أو بمناسبتها. بدعوة أو استمالة ناخب للتصويت لشخص أو حزب معين.  

الحملة الانتخابية محددة والقواعد ليست اختيارية

تكتسي المسألة أهمية خاصة في انتخابات 2026، بعدما حددت السلطات رسميا فترة الحملة الانتخابية من 10 شتنبر 2026 وإلى غاية 22 منه. على أن يجري الاقتراع يوم 23 شتنبر الحالي.  

في السياق ذاته، تنظم القوانين الانتخابية، أماكن وشروط ممارسة الحملة والدعاية. كما تفرض قواعد خاصة على الإعلانات والمنشورات والتجمعات الانتخابية. وبالتالي، فإن السباق نحو الناخبين لا يعني أن كل وسيلة تصبح مشروعة. ولا أن اقتراب موعد الاقتراع يفتح الباب أمام ممارسة سياسية بلا ضوابط.

المواطن الذي لم يسمع صوته بالأمس.. هل سيسمع اليوم؟

المفارقة التي تستحق النقاش ليست في وجود مرشحين داخل المقاهي، وإنما في طبيعة العلاقة التي يريد هؤلاء بناءها مع المواطنين. هل يتعلق الأمر بتواصل سياسي طبيعي هدفه شرح البرامج والاستماع إلى مطالب السكان؟. أم أن الأمر يتحول إلى محاولة لحشد الأصوات عبر وسطاء وشبكات علاقات شخصية ووعود يصعب قياس مدى واقعيتها؟.

هنا، تصبح ذاكرة الناخب عاملا أساسيا. فالمواطن يتذكر من كان حاضرا عندما احتاج إليه. ومن اختفى عندما كان المطلوب منه الدفاع عن مصالح الحي أو المدينة. كما يتذكر الوعود التي تحققت وتلك التي بقيت معلقة.

البرامج أم الوعود أيهما الأوثق؟

من المفترض أن يتم قياس المنافسة الانتخابية الحقيقية بما يقدمه المرشح من برنامج قابل للنقاش. وأيضا بمدى قدرته على تفسير حصيلته السابقة، والواقعية التي تحكم وعوده الجديدة. أما تحويل الانتخابات لموسم للاتصالات واللقاءات والوعود، فمعناه المخاطرة بإفراغ النقاش السياسي من مضمونه. لأن المدينة لا تحتاج إلى مرشح يعرف كيف يجمع الناس حول طاولة في مقهى فقط. وإنما إلى منتخب يستطيع، بعد إغلاق صناديق الاقتراع، أن يحول الوعود إلى عمل. وأن يبقى قريبا من المواطنين، عندما لا تكون هناك أصوات انتخابية مطلوبة. 

المقهى غرفة عمليات اليوم إلا أن الصندوق غرفة الحساب غدا

لا يمكن إصدار أحكام مسبقة على أي مرشح، أو مجموعة من الأشخاص، استنادا إلى أحاديث متداولة فقط. لكن من المشروع طرح الأسئلة، ومطالبة كل من يشتغل في المجال السياسي بتوضيح طبيعة تحركاته. خصوصا عندما يتعلق الأمر بالوعود أو المنافع أو محاولة التأثير في اختيارات الناخبين. 

هنا لا بد من التوضيح، أن الانتخابات ليست مجرد سباق نحو الصندوق، وإنما اختبار للثقة والمسؤولية. فعندما كان المواطن محتاجا إلى من يجيب عن هاتفه، كان الغياب يحسب بالسنوات. لكن عندما احتاج المرشح إلى صوت المواطن، أصبحت الهواتف لا تهدأ. ليبقى المواطن في النهاية هو الحكم الذي سيحدد في نهاية المطاف نتيجة اللقاء. لأنه قد تكون المقهى غرفة عمليات، اليوم، لكن صندوق الاقتراع هو غرفة الحساب غدا. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.