مونديال 2026: صراع الساحرة المستديرة في “مستنقع” الخنق الاجتماعي والبيئي والأزمات أي أفق؟

كلمة لا بد منها بقلم محمد حميمداني

كلمة لا بد منها بقلم محمد حميمداني

 

في ظل الحديث عن كأس عالمية لكرة القدم “غير مسبوقة، تنظمها “الولايات المتحدة”، “المكسيك” و”كندا. وحضور 48 منتخبا. يكشف الواقع الجيوسياسي عن حالة متأزمة اتصالا بتنظيم هذا المحفل الكروي العالمي. مع تسجيل عالم مليء بالتوترات الدولية والتداعيات الخطيرة التي صاحبت جلوس “ترامب” على كرسي الرآسة في “البيت الابيض”، ومعاناة اجتماعية واقتصادية تغلف المشهد الكوني مع أزمة بيئية تزيد من قثامة الصورة.

هكذا، ستكون انظار الملايين من عشاق المستديرة على موعد مع انطلاق فعالية هذا الملتقى الكروي العالمي، من قلب “مكسيكو”. وفي نفس الوقت مفتوحة على أسئلة المعاناة والصراعات والتذمير التي تلوث المشهد وأجواء هذا العرس الكروي.

للمرة الثالثة في التاريخ بعد عامي 1970 و1986، سيحظى ملعب “أستيكا”، ابتداء من الساعة السابعة حسب توقيت “غرينتش”، بشرف احتضان أولى مباريات البطولة، البالغ عددها 104. بلقاء منتخبي “المكسيك” و”جنوب إفريقيا”.

تجدر الإشارة، أن البطولة، ستقام للمرة الأولى في 16 ملعبا. تبعد عن بعضها البعض بآلاف الكيلومترات، حوالي 4000 كيلومترا. وهو ما جر وابلا من الانتقادات للبطولة.

مونديال في ظل وضع بيئي كارثي 

تنطلق فعاليات هذا العرس الكروي العالمي، تزامنا مع تحديات لوجستية أو تنظيمية، يتقاطع فيها بشكل مرعب واقع مناخي وبيئي كارثي غير مسبوق. حيث يرى خبراء المناخ أن البطولة الحالية قد تتحول إلى اختبار قاس للبقاء البشري قبل الرياضي، في ظل موجات حر قياسية، جفاف حاد وحرائق غابات تلتهم الأخضر واليابس في القارة الشمالية.

هكذا، تأتي هاته النسخة المونديالية في وقت يسجل فيه كوكب الأرض درجات حرارة قياسية ومستويات إنذار حمراء. حيث تواجه الملاعب المستضيفة في الولايات المتحدة، خاصة في الولايات الجنوبية مثل “تكساس” و”فلوريدا”. إضافة “للمكسيك” طقسا خانقا يتجاوز أحيانا حاجز 45 درجة مئوية، مصحوبا بنسب رطوبة قاتلة.

مخاطر الوضع البيئي على الرياضيين 

يجمع الأطباء الرياضيون على أن اللعب في ظل هاته الظروف، يرفع منسوب احتمالات الإصابة بالإجهاد الحراري الحاد وضربات الشمس. ما يهدد السلامة الجسدية للاعبين. ويقلل بالتالي وبشكل ملموس من جودة الأداء الفني والمستويات البدنية داخل المستطيل الأخضر.

وقائع ستضطر اللجان المنظمة لتفعيل فترات توقف متعددة للتبريد وشرب المياه، خلال التسعين دقيقة، “Cooling Breaks”. مع التفكير الجدي في نقل تداريب المنتخبات لفترات ليلية متأخرة لتفادي جحيم النهار.

واقع كارثي لا يقف عند حدود “الولايات المتحدة الأمريكية” بل يشمل ايضا “كندا” التي تعرف اندلاع حرائق غابات مهولة، واجتياح موجات جفاف حادة عدة مقاطعات كندية. ما أنتج سحبا كثيفة من الدخان والجسيمات الدقيقة السامة التي تحركت عبر الحدود لتغطي سماء المدن المستضيفة للمباريات في “كندا” و”شمال الولايات المتحدة”، ضمنها “تورونتو”، “فانكوفر” و”نيويورك”. ما يمثل كابوسا حقيقيا للجماهير في المدرجات وللاعبين الذين يحتاجون لسحب كميات أكسجين هائلة أثناء الركض. الامر الذي قد يدفع “الفيفا” إلى تأجيل بعض المباريات، في حال تخطي مؤشرات التلوث الخطوط الحمراء.

اتهامات للمونديال بتعميق الأزمة

تلاحق مونديال 2026 اتهامات ثقيلة من المنظمات البيئية الدولية بالوقوف وراء “النفاق المناخي”. فالصيغة التنظيمية الحالية القائمة على التنقل بين ثلاث دول عملاقة تفرض على المنتخبات والجماهير قطع آلاف الأميال جوا.

بعد مسافات يفرض الاعتماد بشكل مكثف على الطيران الداخلي لنقل ملايين المشجعين والفرق بين المدن المتباعدة، من “فانكوفر” الكندية شمالا إلى “مكسيكو سيتي” جنوبا. وهو ما قد يؤدي لحدوث انبعاثات كربونية ضخمة تساهم بشكل مباشر في تعميق ظاهرة الاحتباس الحراري. الأمر الذي يعاكس وعود “الاتحاد الدولي لكرة القدم/فيفا” بتنظيم بطولة صديقة للبيئة. مع الاعتماد على الطاقة المتجددة في الملاعب. إلا أن الوقائع على الأرض تؤكد أن البصمة الكربونية لهذه النسخة ستكون الأثقل في تاريخ الرياضة العالمية.

واقع يضع المنظومة الرياضية الدولية أمام مرآة الحقيقة. إذ لم يعد ممكنا فصل الرياضة والترفيه عن واقع كوكب الأرض الآيل للانفجار البيئي. فتنظيم أحداث رياضية عملاقة دون مراعاة حقيقية وصارمة للأجندة المناخية سيجعل من ملاعب كرة القدم فضاءات للمخاطرة بالأرواح بدلا من الاحتفال بالرياضة. الأمر الذي يفرض على “الفيفا” والاتحادات القارية إعادة النظر جذريا في معايير اختيار الدول المستضيفة، عبر فرض شروط بيئية صارمة، وتقليص مسافات التنقل. والأهم جعل “الاستدامة الحقيقية” لا “الصورية” بندا إقصائيا في دفاتر التحملات، لإنقاذ اللعبة الأكثر شعبية في العالم من مقصلة التغير المناخي.

قمة عالمية بطعم الانتظار والخوف من المستقبل 

سيكون عشاق كرة القدم، على مدى نحو ستة أسابيع، وحتى النهائي الذي سيقام في 19 يوليوز، في “إيست راذرفورد” قرب “نيويورك”. على موعد لملاقاة نجوم اللعبة العالميين. بحضور فرق تطل على الملتقى الكوني لأول مرة، ضمنها “الرأس الأخضر”، “هايتي” و”كوراساو”.

“الأرجنتين”، تدخل المنافسة، بقيادة “ليونيل ميسي”، (38 عاما)، في مشاركته السادسة في هاته الكأس بهدف الحفاظ على لقبها العالمي.

“فرنسا” بقيادة “ديدييه ديشان”، ستحاول استغلال حضور “كيليان مبابي” والمتوج بالكرة الذهبية، “عثمان ديمبيليه”. من أجل محو صورة “الدوحة” المخيبة والقاسية عام 2022. بعد خسارتهم النهائي أمام “السيليستي” بركلات الترجيح.

“إسبانيا”، “ألمانيا”،”البرازيل”، “إنجلترا” و”البرتغال”، منتخبات تحضر بطموحات التتويج.

مونديال في لحظة “ترامبية” أشعلت العالم بالحروب 

تحمل هاته النسخة “المونديالية” أزمات فجرها “ترامب” بإشعال الحروب والتوثرات. في الشرق الأوسط، حيث لم يتأكد قدرة “إيران” على خوض مبارياتها في “لوس أنجلوس” و”سياتل”، إلا في الأسابيع الأخيرة. صراعات فرضت على “الإيرانيين” العسكرة والإقامة في “تيخوانا” في “المكسيك” بدل “توكسون” في “الولايات المتحدة” كما كان مقررا.

“ترامب”، الذي فجر العالم بسياساته العدائية وتصريحاته المتوعدة والمهددة، حتى بجعل “كندا”،  الولاية الحادية والخمسين الأمريكية. فضلا عن تفجيره سخطا وريبة نتيجة سياسته العدائية للمهاجرين، وما فرضته السلطات الامنية الأمريكية من رقابة وتفتيش خالف كل الأعراف. وضع العالم أمام حالة شادة مع تعرض المنتخبات كما المشجعين لعمليات تفتيش قاسية من قبل شرطة الهجرة الأمريكية.

هوس أمريكي بالمنع من دخول “الولايات المتحدة” لم يستثن أحدا، حيث تم منع الحكم الصومالي، “عمر عرتن”، أفضل حكم إفريقي لعام 2025، السبت. من دخول بلد “تمثال الحرية” على الرغم من حصوله على تأشيرة. حيث لم تجد وزارة “الخارجية الأمريكية” من مبرر لهذا الفعل سوى وصمه بارتباطه بعلاقات مع أشخاص يشتبه بـ”انتمائهم إلى منظمات إرهابية”.

فحرارة المونديال لا يمكن فصلها عن الصراع الدولي المحتدم. إذ ينعقد الحدث في ظل ذروة التوتر الجيوسياسي بين المحور الغربي، بقيادة “الولايات المتحدة” المستضيف الأكبر للبطولة و”إيران”. ما يلقي بظلاله على أمن الممرات البحرية الحيوية ومضيق “هرمز” تحديدا. ما أدى إلى استنفار أمني إستراتيجي غير مسبوق في العواصم الغربية تأمينا لتدفق الوقود.

في ظل هاته الأوضاع تتحول مباريات المونديال إلى ساحات غير مباشرة لتصفية الحسابات السياسية والدبلوماسية. وسط مخاوف من استغلال المنصات الرياضية لتوجيه رسائل سياسية حادة. أو حدوث مقاطعات وتشنجات قد تؤثر على السير العادي للتنافس وصورة الروح الرياضية الدولية.

مونديال 2026 وصراع كسر الاذرع في “المكسيك” 

تعيش “المكسيك” على واقع مشحون متصل بتهديد العصابات. عقب مقتل زعيم عصابات المخدرات “نيميسيو أوسيغيرا”، الملقب بـ”إل مينتشو”، في فبراير الماضي. ما أثار أجواء من العنف في البلاد. الأمر الذي استدعى نشر 100 ألف عنصر من قوات الأمن، بين عسكريين وشرطة وعناصر أمن خاص. لتأمين المباريات الـ13 التي ستقام في “غوادالاخارا”، “مونتيري” و”مكسيكو”.

كل ذلك يتزامن مع وضع اجتماعي وأمني يوصف بـ “القنبلة الموقوتة”. ما يضع اللجنة المنظمة تحت ضغط هائل. حيث تعيش “المكسيك” على وقع تنام مقلق لسطوة كارتيلات الجريمة المنظمة والنزاعات المسلحة في عدة مقاطعات. ما يجعل تأمين الجماهير والملاعب تحديا يفوق القدرات الكلاسيكية للأجهزة الأمنية المحلية.

مونديال في ظل أوضاع اجتماعية متفجرة 

ستكون المباريات التي ستقام في “المكسيك”، وتحديدا في العاصمة “مكسيكو” على موعد، الخميس. مع تفجر تظاهرات على خلفية أوضاع اجتماعية صعبة. الأمر الذي جعل الرئيسة المكسيكية، “كلاوديا شينباوم”. تصفها بأنها “استفزاز”.

هكذا، فـ”المكسيك” تعيش تحت وطأة احتقان اجتماعي واقتصادي غير مسبوق. مع تسجيل معاناة فئات واسعة من الشعب المكسيكي من الفقر والتضخم. ما يولد شعورا بالإحباط والغضب من إنفاق الملايين على تشييد وتجديد الملاعب، في وقت تواجه فيه الساكنة أزمات معيشية حادة. وهو ما يرفع منسوب الترقب لحصول احتجاجات اجتماعية موازية لأيام البطولة.

مونديال 2026 وجحيم أسعار التذاكر

معضلة أخرى يعيشها الجمهور، خلال المونديال”، متمثلة في ارتفاع تذاكر غالبية المباريات في “الولايات المتحدة”. ما أثار غضب المشجعين الذين تقدموا بشكاوى ضد “فيفا”.

هكذا، فالسياسة الربحية لـ”الاتحاد الدولي لكرة القدم/فيفا” حركت موجة سخط عالمية عارمة بسبب هذا الارتفاع الجنوني وغير المسبوق في أسعار تذاكر المباريات. بما يعنيه كل ذلك من إقصاء الطبقات الوسطى والفقيرة من حضور المباريات. حيث تجاوزت أسعار التذاكر في الأسواق الرسمية، ناهيك عن السوق السوداء، حدود القدرة الشرائية للمشجعين العاديين. ما جعل حضور المباريات حكرا على الشركات الكبرى والنخب الثرية.

وضع تزيد من حدته تكاليف التنقل الخرافية، مع تباعد الجغرافيا بين “كندا” و”الولايات المتحدة” و”المكسيك”. حيث تضاعفت تكاليف الطيران الداخلي والإقامة. لتتحول البطولة من “عرس شعبي لحدث أكثر جماهيرية” إلى “استثمار تجاري نخبوي”، يقتل روح اللعبة الحقيقية المبنية على شغف المدرجات البسيطة.

مونديال 2026، أية نتائج لأي أفق؟

الأوضاع التي تم رصدها، جعلت هذا الحدث الكروي العالمي يبحر في “حقل ألغام” حقيقي. حيث يتداخل التنافس الرياضي مع أجواء جيوسياسية دولية بالغة التعقيد والتوتر، لا سيما مع “إيران”، في سياق صراع المحاور وإستراتيجية المضايق. إلى جانب وضع اجتماعي وأمني مشتعل ومأزوم داخل المكسيك، وأسعار تذاكر “خيالية” وضعت “الفيفا” في مواجهة مباشرة مع اتهامات بقتل شعبية اللعبة واحتكارها للأثرياء.

كل هاته الصور والمشاهد المرعبة، تجعل مونديال 2026 يقف عند حدود منعطف تاريخي حاسم يثبت أن كرة القدم لم تعد مجرد “أفيون للشعوب” بل مرآة عاكسة للصراعات الدولية والتفاوتات الطبقية. فطغيان الهاجس التجاري الصرف والارتهان للصراعات الجيوسياسية دون حماية المشجعين والبلدان المستضيفة قد يؤدي إلى نسخة شاحبة فنيا وجماهيريا. تسيطر عليها الهواجس الأمنية المشددة على حساب المتعة الكروية.

وقائع تفرض على الفاعلين الرياضيين الدوليين، مستقبلا، مراجعة شاملة لآليات توزيع التذاكر وتحديد الأسعار. مع تحييد الرياضة عن صراعات المحاور، وضمان أن تظل هاته الرياضة الكبرى شعبية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. متاحة لتلك الطبقات المتوسطة والفقيرة التي صنعت مجد هاته اللعبة عبر التاريخ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.