نطوى آخر يوم من ذي الحجة، ومعه صفحة أخرى لعام هجري جديد. حاملا معه فرصة متجددة لتحريك الضمير الإنساني والوقوف على العبر التاريخية.
بهاته المناسبة الكريمة، يتقدم طاقم وهيئة تحرير جريدة “العدالة اليوم” بأصدق التهاني والتبريكات إلى كافة متابعينا الأوفياء بحلول السنة الهجرية الجديدة 1448 هـ. سائلين المولى عز وجل أن يجعلها سنة خير وبركة وأمن وأمان على وطننا العزيز وعلى الأمة الإسلامية جمعاء. مؤكدين في الوقت ذاته على اعتزاز المنبر بشراكته الدائمة مع قرائه في صناعة الوعي ونقل الكلمة الهادفة.
تأسيسا على هذا الحدث العظيم الذي غير مجرى التاريخ. يتضح لنا جليا السبب العميق الذي جعل الخليفة “عمر بن الخطاب”، رضي الله عنه، يختار الهجرة تحديدا كبداية للتأريخ الإسلامي. متجاوزا زمن المولد والبعثة.
هكذا، فقد شكلت الهجرة النبوية الشريفة لحظة حاسمة تحول فيها الإسلام من مجرد دعوة وفكرة إلى دولة ومجتمع متكامل. مجسدة قرارا شجاعا بالانتقال من واقع مؤلم وضيق إلى أفق أرحب وممكن.
ارتباطا بهذا السياق التاريخي، نستلهم اليوم ثلاثة دروس بليغة نحتاجها بشدة في عامنا الجديد. الأول يتجلى في كون التخطيط المحكم لا يفسد التوكل بل يتممه. وهو ما ظهر في تدبير النبي ﷺ الدقيق للهجرة برفقته، وطريقه، ومكان اختبائه. وهو ما يوجه رسالة مباشرة لكل شاب وأسرة بأن الأحلام والنيات الطيبة لا بد لها من خطة عملية لتتحقق.
وفي صياغة أخرى لروح الهجرة، تبرز قيمة الأخوة كأولوية قصوى تجسدت في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. ما يدعونا، اليوم، في زمن تفككت فيه العلاقات الإنسانية والأسرية بسبب صراعات الميراث وعزلة الشاشات الرقمية إلى الهجرة بقلوبنا نحو بعضنا البعض.
ويتلخص الدرس الثالث في اعتبار الطفل هو مشروع الهجرة الحقيقي. فكما ترك الرعيل الأول مكة ليحمي دين وعقول أبنائه. فإن هجرتنا المعاصرة تكمن في توريث أطفالنا بيئة تربوية سوية وقدوة صالحة، عوضا عن تكرار الأخطاء السابقة.
وبالنظر إلى ما خلفه عام 1447 هـ وراءه. نجد أنه كان محطة قاسية اختبرت صبر الأسر المغربية على المستويين الاقتصادي والتربوي. لكنه في مقابل ذلك قدم دروسا ثمينة أثبتت أن الشاشات الإلكترونية لا يمكنها القيام بدور المربي. وأن الحوار المباشر مع المراهق يفوق في أهميته دروس الدعم المدرسي. فضلا عن التأكيد على أن العدل بين الأبناء فريضة دينية وأخلاقية لا ترفا زائدا.
بناء على كل هذه التحديات، تجدد جريدة “العدالة اليوم” عهدها مع قراءها، في هذا العام الجديد، بأن تظل الصوت الأمين والمدافع عن قضايا الوطن والإنسان. مواصلة تسليط الضوء على الظواهر المسكوت عنها، كالتمييز والاضطهاد الشامل. مع الالتزام بتقديم بدائل علمية وعملية تتجاوز التنظير الأجوف، انطلاقا من الإيمان الكامل بأن الإعلام شريك أصيل في تحمل مسؤولية التنشئة والتكوين.
من هذا المنطلق، نؤكد على أن الجوهر الحقيقي لذكرى الهجرة النبوية هو الدعوة الصريحة لتغيير الواقع؛ فمن لم يعجبه حاله، أو عاداته، أو صحبته، أو حتى أسلوب تعامله مع أطفاله، فليتحرك وليبادر. كون رأس السنة الهجرية يمثل فرصة مثالية ومحطة سنوية ليعلن كل فرد منا هجرته الخاصة نحو الأفضل، وليظل الجميع شركاء دائمين في الارتقاء بالوعي المجتمعي، فكل عام وأنتم بخير.