شكل موضوع “تجويد آليات البحث الجنائي وتطوير منظومة العدالة الإجرائية”، محور أساسيا للقاء وطني رفيع المستوى احتضنته مدينة “مراكش”، أيام 2 و3 يوليوز الحالي.
وقد عرف هذا اللقاء، مشاركة مسؤولين قضائيين وأمنيين بارزين، يتقدمهم رئيس النيابة العامة، ومدير الشرطة القضائية، “محمد الدخيسي”، ورئيس الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، “الجنرال بوخبزة”. إلى جانب الوكلاء العامين للملك وولاة الأمن ورؤساء الأمن الجهوي والإقليمي والمسؤولين الجهويين للدرك الملكي. فضلا عن ثلة من الحقوقيين والخبراء الاكاديميين. ما يعكس الإرادة المشتركة لتطوير الأداء القضائي والأمني وفق مقاربة تشاركية.
يروم هذا اللقاء الوطني، لتدارس الرهانات الحديثة التي تواجه مساطر البحث الجنائي. وسبل تحقيق المعادلة الدقيقة من خلال رفع كفاءة التحقيقات الأمنية والقضائية من جهة، وضمان حماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين من جهة أخرى. كما أنه شكل فرصة لمناقشة سبل تجويد البحث الجنائي في ضوء مستجدات قانون المسطرة الجنائية الجديد.
وقد أكدت المداخلات التي تم إلقاؤها، خلال الجلسة الافتتاحية. على أن الارتقاء بآليات البحث الجنائي لم يعد خيارا تنظيميا فحسب، بل ضرورة دستورية وقانونية تفرضها التحولات المجتمعية والتكنولوجية المتسارعة. مشددين على أن المرحلة الراهنة تستوجب تعبئة جماعية من أجل التنزيل السليم لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية الجديد. بما يحقق التوازن بين فعالية الأبحاث الجنائية وصيانة الحقوق والحريات. مع ترسيخ التعاون المؤسساتي بين النيابة العامة والشرطة القضائية باعتباره ركيزة أساسية للرفع من نجاعة العدالة.
وقد شكل اللقاء، الذي امتد على مدى يومين، مناسبة لمناقشة عدد من المستجدات القانونية والتنظيمية. شملت تدبير الشكايات والمحاضر، ترشيد الإجراءات المقيدة للحرية، الأبحاث المالية الموازية وتقنيات البحث الخاصة. حيث خلصت الأشغال إلى مجموعة من التوصيات العملية الرامية إلى توحيد منهجية العمل وتعزيز فعالية التدخلات الميدانية.
كما ركز المشاركون خلال هذا الملتقى، على مجموعة من التدابير المحورية الواجب اعتمادها لتجويد الأداء. ضمنها عصرنة الوسائل، من خلال الاعتماد المتزايد على الدليل العلمي والخبرات التقنية والرقمنة في إثبات الجرائم، لتفادي الاعتماد الكلي على الاعترافات الشفهية. انسجام السياسات، عبر تعزيز التنسيق الميداني والتقني بين النيابة العامة ومختلف أجهزة الشرطة القضائية لتسريع وتيرة المساطر القانونية. النزاهة والشفافية، من خلال تفعيل الضمانات القانونية للمشتبه فيهم أثناء فترة الحراسة النظرية، بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وأوصى المشاركون، بضرورة تسريع مشاريع الرقمنة والتبادل الإلكتروني للمعلومات بين مختلف المتدخلين، وإعداد دليل عملي موحد لتجويد الأبحاث الجنائية. إلى جانب تعزيز التكوين المستمر لفائدة قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية، ومراجعة آليات تدبير برقيات البحث، وتطوير وسائل مكافحة الجرائم المالية. فضلا عن اعتماد تقنيات حديثة في البحث الجنائي، وفق الضوابط القانونية.
مواجهة التحديات الإجرامية المستجدة
أكد المشاركون في الملتقى أن الجريمة العابرة للحدود والجريمة الإلكترونية تفرضان على منظومة البحث الجنائي تطوير مهارات المحققين وتحديث المناهج المعتمدة.
في هذا الصدد، دعا اللقاء إلى مأسسة التكوين المستمر المشترك بين القضاة وضباط الشرطة القضائية. بغاية توحيد الرؤى وتفسير النصوص القانونية، خاصة في ظل النقاش الدائر حول تعديل قانون المسطرة الجنائية.
كما شدد المشاركون على أهمية تعزيز التنسيق الميداني بين المؤسسات الأمنية والقضائية. بما يساهم في تحسين جودة الأبحاث وتسريع معالجة الشكايات. مع ضمان احترام الحقوق والحريات والضمانات القانونية المكفولة للمواطنين.
تكريس أسس دولة الحق والمؤسسات
يأتي تنظيم هذا اللقاء الوطني في سياق تنزيل التوجيهات الملكية السامية، لصاحب الجلالة الملك “محمد السادس”، حفظه الله. المشددة على ضرورة إجراء إصلاح شامل وعميق لمنظومة العدالة بالمملكة، وجعل القضاء في خدمة المواطن.
وقد خلص المشاركون إلى أن تجويد البحث الجنائي هو المدخل الأساسي لتعزيز ثقة المواطن في العدالة، وتحقيق الأمن القضائي الذي يشكل دعامة أساسية لحماية الاستقرار وتشجيع الاستثمار في إطار دولة الحق والمؤسسات.
وشدد اللقاء على ضرورة مواصلة هذا النهج التشاركي، والعمل على تحويل التوصيات إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ، بما يعزز ثقة المواطنين في منظومة العدالة، ويواكب ورش إصلاح العدالة الذي يشهده المغرب تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك “محمد السادس”، نصره الله.