“مضيق هرمز” يشتعل: “إيران” و”أمريكا” يشعلان جبهة ناقلات النفط فإلى أي أفق تسير؟

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

دخل التصعيد العسكري بين “إيران” و”الولايات المتحدة”، مرحلة أكثر خطورة، مع انتقال المواجهة إلى قلب حركة الملاحة في “مضيق هرمز”.

جاء ذلك، بعد إعلان “طهران”، الأحد، استهدافها سفينة أمريكية غير مأهولة، كانت تحاول دخول المضيق.

يأتي هذا الإعلان، متصلا بإعلان آخر أصدرته “القيادة المركزية الأمريكية”، متصل بتدمير أو تعطيل ثلاث ناقلات نفط إيرانية. قالت “واشنطن: إنها تأتي ردا على إطلاق صواريخ باليستية إيرانية، في اتجاه قطعتين حربيتين أمريكيتين.

يأتي هذا التصعيد الجديد، بعد أيام، من عودة المواجهات المباشرة بين الطرفين. في إشارة لفشل كل محاولات وقف العمليات العسكرية، التي تمت مباشرتها خلال شهر يونيو الماضي.

وضع نقل الصراع لمرحلة أخطر، مع انتقال المواجهة لحرب بحرية واقتصادية مفتوحة. ما يهدد أحد الحركة في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. 

“طهران” تعلن استهداف سفينة أمريكية

أعلنت “إيران”، أن قواتها استهدفت سفينة أمريكية غير مأهولة، كانت تحاول دخول منطقة محمية في “مضيق هرمز”. في تصعيد ضمن أحدث حلقة من سلسلة المواجهات البحرية المتصاعدة.

يأتي هذا التصعيد، اتصالا بإعلان “القيادة المركزية الأمريكية”، أمس السبت. بقيام “القوات الأمريكية” بضرب ثلاث ناقلات نفط إيرانية. قالت: إنه جاء ردا على إطلاق “الحرس الثوري الإيراني” صواريخ باليستية في اتجاه حاملة طائرات ومدمرة أمريكيتين.

طهران تعلن استهداف سفينة أمريكية غير مأهولة وحاملة طائرات ومدمرة وواشنطن ترد بضرب ثلاث ناقلات نفط إيرانية

في هذا السياق، قالت الرواية الأمريكية: إن القطعتين الحربيتين الأمريكيتين، تمكنتا من تفادي الهجمات الصاروخية. مضيفة: أنه لم يتم تسجيل وقوع إصابات في صفوف العسكريين الأمريكيين.

في سياق متصل، قالت “واشنطن”: إنها عطلت ناقلتين إيرانيتين، ودمرت أخرى فارغة من حمولتها.

في الجهة المقابلة، قالت “إيران”: إنها ردت على العدوان باستهداف سفن مرتبطة بالولايات المتحدة. فضلا عن ضرب ناقلة نفط قالت: إنها عبرت “مضيق هرمز” عبر “طرق غير مصرح بها”. 

الحرس الثوري: استهدفنا حاملة طائرات ومدمرة

في تصعيد أكثر خطورة، قال “الحرس الثوري الإيراني”: إن قواته الجوية أطلقت صواريخ باليستية باتجاه حاملة طائرات ومدمرة أمريكيتين. مضيفا: أن القطعتين تعرضتا لأضرار ما اضطرهما لتغيير مسارهما.

في سياق متصل، أعلنت “القيادة المركزية الأمريكية”، أن القطعتين الحربيتين نجتا من الهجمات الصاروخية، دون تأكيد إصابتهما. 

يكتسي هذا التحول في مسار الصراع، من خلال استهداف حاملة طائرات، أهمية عسكرية كبيرة. اتصالا بالدور الذي تؤديه حاملات الطائرات في العمليات البحرية والجوية الأمريكية. إلا أن حجم الضربة لا يمكن تقديرها، لحدود الساعة، في غياب معلومات دقيقة مستقلة.

“واشنطن”: إذا أطلقتم النار على سفينتين سندمر ثلاثا

اتصالا بالهجوم الذي استهدف حاملة للطائرات ومدمرة أمريكيتين. لم يكتف “البنتاغون الأمريكي” بالإعلان عن الضربات. بل وجهت القيادة المركزية الأمريكية، رسالة شديدة اللهجة “للحرس الثوري الإيراني”. حيث قال قائد “القيادة المركزية الأمريكية”، الأدميرال “براد كوبر”،: إن الرسالة واضحة، إذا أطلقت “إيران” النار على سفينتين أمريكيتين. فإن “الولايات المتحدة” ستفرض “تكلفة اقتصادية أكبر” من خلال استهداف ثلاث سفن إيرانية.

وأضاف ذات المتحدث، أن “القوات الأمريكية” لن تتردد في “الدفاع عن أفرادها ومصالحها”. ولو تطلب الأمر تدمير، ما وصفه، بالأسطول النفطي الإيراني المحدود.

رسالة تكشف انتقال الرد الأمريكي من استهداف عسكري مباشر إلى استهداف اقتصادي. وهي خطوة تعتمدها “واشنطن” كأداة ضغط اقتصادية، تهدف من ورائها استهداف شريان الإيرادات النفطية الإيرانية. ما قد يجعل ناقلات النفط، جزءا أساسيا من معادلة الردع بين الطرفين.

من الصواريخ إلى ناقلات النفط

تبرز الأحداث الأخيرة، بما حملته من تطورات، أن المواجهة تجاوزت حدود الحرب العسكرية، واستهداف القواعد والمنشآت العسكرية. بعد أن قامت “الولايات المتحدة” باستهداف صادرات النفط. التي تمثل الشريان الفعلي والأساسي للاقتصاد الإيراني. لكونه مصدر “طهران” الأساسي من العملة الصعبة الأجنبية، بأهميتها للاقتصاد الإيراني.

في سياق متصل، فقد أدى الحصار البحري التي تفرضه “الولايات المتحدة” على صادرات “طهران النفطية، لحدوث تراجع كبير في حركة هاته الصادرات.

في هذا الشأن، أفادت بيانات نقلتها وكالة “رويترز”، بتراجع عمليات تحميل النفط الخام الإيراني، من نحو مليوني برميل يوميا، خلال شهر مارس. إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يوميا خلال شهر غشت.

تبعا لذلك، أضحى “مضيق هرمز”، ساحة حرب عسكرية واقتصادية، في نفس الوقت. حيث أن اعتراض أو ضرب أي سفينة، يحمل رسالة عسكرية، لكن، والأهم أنه يحمل أثرا مباشرا على سوق النفط والتجارة العالمية.

هل أصبح “مضيق هرمز” نقطة لاختناق أخطر؟

لا يمكن النظر لأهمية “مضيق هرمز”، من موقعه الجغرافي فحسب، بل من أهميته على صعيد الاقتصاد العالمي. اتصالا بكون الممر، يعتبر الشريان الحيوي لصادرات الطاقة من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية.

جدير بالذكر، أنه كان يعبر من خلال الممر، قبيل العدوان “الأمريكي الإسرائيلي”. ما يقارب 20 مليون برميل من النفط يوميا، أي ما يمثل خمس التدفقات العالمية من النفط. وفق بيانات أوردتها تقارير حديثة متصلة بحركة الملاحة في المنطقة. لكن ومع بداية العدوان، تراجعت حركة السفن بشكل كبير. إذ أظهرت بيانات تتبع الملاحة، أن أربع سفن تجارية فقط عبرت المضيق في 4 من شهر شتنبر. فيما كانت تعبره في المتوسط، قبل العدوان، نحو 15 سفينة، خلال عشرة أيام.

تراجع يعكس حجم المخاطر التي أضحت تواجهها الملاحة التجارية، وفق بيانات نقلتها وكالة “رويترز”. بانعكاسات ذلك أيضا، على التأمين البحري وتكاليف الشحن، ما ينعكس حتما وبشكل سريع على أسعار الطاقة والسلع في الأسواق الدولية.

الملاحة في “مضيق هرمز” وفق القانون الدولي 

يطرح العدوان “الأمريكي”، بما يحمله من تطورات عسكرية. سؤالا قانونيا حساسا، ذا صلة بوضع “مضيق هرمز” وحقوق الملاحة التجارية فيه.

في هذا الشأن، تنص “المادة 38 من اتفاقية الأمم المتحدة” لقانون البحار. على حق السفن والطائرات في “المرور العابر” عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية.

هكذا، نجد أن “المادة 38” تقر بحق المرور العابر للسفن والطائرات. أي أن هذا الحق محصور في غرض العبور المستمر والسريع عبر المضيق. والذي يطبق هذا الحق بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر مماثل. كما أنه يسري على جميع السفن والطائرات، بما في ذلك السفن الحربية والطائرات العسكرية المدنية. إلا أن ذات المادة، تنص في الجهة المقابلة، على أنه لا يجوز للدول المشاطئة للمضيق إعاقة أو تعليق المرور العابر بأي حال من الأحوال. إلا في في حالة وجود أعالي بحار أو منطقة اقتصادية خالصة، لها نفس درجة الكفاءة الملاحية. مع إلزام العابرين بالمرور دون تأخير غير مبرر. ودون تهديد بقوة ضد الدولة المشاطئة.

فيما تلزم “المادة 39 من ذات الاتفاقية”، السفن والطائرات أثناء المرور بالعبور السريع عبر المضيق أو فوقه. فضلا عن احترام قواعد الملاحة. مع الامتناع عن تهديد أو استخدام القوة ضد الدول المشاطئة للمضيق، أو تهديد سلامتها الإقليمية، بما يخالف مبادئ القانون الدولي. ملزمة الدول بالامتناع عن أي أنشطة تتجاوز ما تتطلبه أشكال العبور السريع والمتواصل، إلا في حالات القوة القاهرة أو الشدة. إضافة لضرورة الالتزام بالقواعد الدولية، من جهة مراعاة القوانين والأنظمة الدولية المتعلقة بسلامة الملاحة ومنع التلوث وخفضه والسيطرة عليه. إلى جانب إلزام الطائرات العابرة بمراعاة قواعد القاصد الجوية ومراقبة السلامة الجوية والتعريف بهويتها بانتظام.

قواعد يتعقد تطبيقها أثناء النزاع المسلح، بشكل يتعدى تطبيق قواعد الملاحة التجارية. حيث تتداخل “قواعد قانون البحار” مع “القانون الدولي الإنساني” و”قواعد النزاع المسلح”.

هكذا إذن، وبحسب “اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي”، فإن السفن المدنية تظل محمية من الهجمات ما لم تتحول لأهداف عسكرية، وفقا لقواعد القانون الدولي الإنساني. 

تجدر الإشارة أيضا، أن قانون النزاع المسلح، أو القانون الدولي الإنساني، هو مجموعة القواعد العرفية والمكتوبة المخصصة لحماية الأشخاص والممتلكات أثناء الحروب والحد من أساليب القتال. تقوم قواعده العامة: على قاعدة التمييز، أي التفريق دائما بين المدنيين والمقاتلين. بين الأهداف المدنية والعسكرية. فضلا عن قاعدة الضرورة العسكرية، أي أن يقتصر استخدام القوة على ما تحتاجه الضرورة العسكرية، لتحقيق هدف مشروع. إضافة لقاعدة التناسب، حيث يتم حظر الهجمات التي يتوقع أن تسبب أضرارا عرضية للمدنيين، أي استعمال قوة تفوق الميزة العسكرية المتوقعة. مع حظر المعاملة اللاإنسانية، من خلال منع تعذيب أو سوء معاملة الأسرى والجرحى وكل من توقفوا عن القتال. 

ما يعني، وفق هاته القواعد، أن مجرد ارتباط سفينة بدولة طرف في النزاع لا يجعلها تلقائيا هدفا عسكريا مشروعا. بل يتعين تقييم طبيعة السفينة ودورها الفعلي في العمليات العسكرية.

هدنة لم تصمد أمام قوة الحرب

اندلعت الحرب في المنطقة، عقب العدوان “الأمريكي الإسرائيلي” على “إيران”، في 28 فبراير من عام 2026. لترد “طهران” على العدوان بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة طالت العمق “الإسرائيلي”. فضلا عن استهدافها مواقع وقواعد أمريكية في المنطقة. قبل التوصل لترتيبات لوقف العمليات العسكرية، خلال شهر يونيو.

هدوء لم يتحول إلى تسوية سياسية دائمة. بل شكل محطة للعودة للغة البارود وقصف الطائرات، وانفجارات الصواريخ الباليستية والطيران المسير. قبل أن تتحول المواجهة، في الأيام الأخيرة.  لمرحلة أعقد، مع استهداف السفن التجارية وناقلات النفط. 

هل تحولت المنطقة لـ”حرب ناقلات”؟

المؤشرات الواردة من المنطقة، تدفع في اتجاه هذا السيناريو. حيث أن استمرار “الولايات المتحدة” في استهداف ناقلات النفط الإيرانية. ورد “طهران” باستهداف السفن الأمريكية أو المرتبطة بها. قد يحول مياه الخليج، وتحديدا “مضيق هرمز”. لمسرح لمواجهة بحرية كبرى ستكون طويلة الأمد، بانعكاساتها الكارثية على الاقتصاد العالمي.

وقائع لقيت آثارها في أسواق الطاقة العالمية، التي نقلت هاته المخاوف المتصلة بالتصعيد. بعد أن تجاوز سعر “خام برنت”، خلال الأيام الأخيرة، مستوى 96 دولارا للبرميل الواحد، وفق بيانات أوردتها وكالة “رويترز”.

التصعيد وتهديد الملاحة وحركة السفن 

الخطر الأكبر الذي تحمله المواجهة الحالية، لا يقتصر فقط على احتمال إصابة سفينة أمريكية أو ناقلة نفط إيرانية. بل يتعداه لإمكانية خروج قواعد الاشتباك عن السيطرة. وبالتالي تحولها لصراع شامل مذمر، بآثاره على السلم العالمي والاقتصاد الدولي. حيث أن كل ضربة تستدعي ردا. وكل رد قد يؤدي إلى ضربة أوسع. في ظل تبادل الطرفين رسائل تهديد مباشرة.

في هذا السياق، قال رئيس البرلمان الإيراني، “محمد باقر قاليباف”: إن أي هجوم أمريكي جديد، سيقابل برد “أسرع وأثقل وأكثر إيلاما”. في إشارة لرد “طهران” العسكري على كل عدوان يستهدفها من قبل “واشنطن”. في إطار سياسة الضغط، التي تنهجها “إيران” في مواجهة “واشنطن”.

في المقابل، تبرز تصريحات “القيادة المركزية الأمريكية”، أن “واشنطن” على استعداد لمواصلة استهداف القدرات الاقتصادية الإيرانية. 

“هرمز”: “بارود” متفجر يزعزع أركان حرية الملاحة

التطورات الأخيرة التي عرفتها المنطقة. جعلت “مضيق هرمز” مرة أخرى، في قلب أزمة دولية، تتجاوز حدود “إيران” و”الولايات المتحدة”.

وهكذا، فبينما ترى “واشنطن”، ضغطها الاقتصادي والاقتصادي يأتي في سياق تأمين حرية الملاحة. فضلا عن منع الهجمات على سفنها ومصالحها. فيما تستخدم “طهران” موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في حركة الملاحة كورقة ضغط. لمواجهة الحصار والعقوبات المفروضة عليها ومواجهة الضربات الأمريكية.

بين تناقضات الطرفين، تقف السفن التجارية، في انتظار انفراج او انفجار الوضع لتقرر المسار. فيما يراقب العالم حركة ناقلات النفط وأسعار الطاقة، تحسبا لأي توسع جديد للمواجهة قد يشعل الاسعار.

هكذا إذن، وتبعا للوضع القائم، فإن الوضع في “مضيق هرمز” يفرض سؤالا مركزيا، لا يقف عند حدود من استهدف من؟. بل يتعداه لطرح سؤال أوسع مفاده: إلى أي حد يمكن أن يستمر تبادل الضربات من دون أن يتحول إلى مواجهة بحرية شاملة تعيد رسم خريطة الطاقة والتجارة العالمية؟.

من هنا، فبقاء المواجهة محصورة في ضربات انتقامية محدودة، يمكنإدراجه ضمن سياسة الحرب المفتوحة. لكن إذا طالت الهجمات السفن التجارية بصورة متكررة، أو تم إغلاق الممرات البحرية، أو تسببت الحرب في خسائر بشرية واسعة. فإن الأزمة، ها هنا، ستدخل مرحلة مختلفة تماما. لن يطال تأثيرها طرفاها الاساسيين “”واشنطن” و”طهران”. بل سيمتد لهيبها وشظى بارودها ليطال أسواق النفط والاقتصاد العالمي وأمن الملاحة الدولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.