أزمة السكن في إسبانيا تُسقط آخر أوراق المناورة وتدفع سانشيز إلى حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة

العدالة اليوم

العدالة اليوم 

هزّت أزمة السكن أركان الحكومة الإسبانية، ودفعت رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى اتخاذ قرار سياسي حاسم بإنهاء الولاية البرلمانية الحالية قبل موعدها، في خطوة تفتح الباب أمام انتخابات مبكرة قد تعيد رسم موازين القوى في البلاد.

وأعلن سانشيز، اليوم الاثنين، حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة في 29 نوفمبر المقبل، وذلك بعد أيام فقط من احتجاجات واسعة شهدتها مدريد ومدن إسبانية أخرى، على خلفية الارتفاع المتواصل في أسعار العقارات والإيجارات وتفاقم صعوبة الحصول على سكن بأسعار ميسرة.
وجاء القرار عقب هزيمة برلمانية مدوية لحكومة الأقلية، بعدما رفض مجلس النواب مرسومين اقترحتهما الحكومة لمعالجة أزمة السكن، في تصويت كشف مجدداً هشاشة الأغلبية التي يعتمد عليها سانشيز لتمرير تشريعاته.
ولم تقتصر معارضة الإجراءات الحكومية على حزب الشعب، أكبر أحزاب المعارضة، وحزب فوكس اليميني، إذ انضم إليهما حزب “معا من أجل كتالونيا”، الذي كان أحد الأطراف التي ساهمت في تأمين الأصوات اللازمة لبقاء سانشيز في السلطة عقب انتخابات يوليوز 2023، قبل أن يتحول لاحقاً إلى صفوف المعارضة.
وأصبح ملف السكن خلال الأشهر الأخيرة أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى الإسبان، في ظل ارتفاع الإيجارات وأسعار المنازل مقابل محدودية العرض، ما فجّر موجة احتجاجات واسعة في عدد من المدن.
وتصاعد الغضب الشعبي بشكل خاص عقب طرد امرأة تبلغ من العمر 87 عاماً من منزلها المستأجر في مدريد، بعد نحو سبعة عقود من الإقامة فيه، في واقعة تحولت إلى رمز للأزمة التي يواجهها المستأجرون في إسبانيا.

حكومة بأغلبية شديدة الهشاشة

لا تنفصل أزمة السكن عن مأزق سياسي أوسع تعيشه حكومة سانشيز، التي تفتقر إلى أغلبية برلمانية مستقرة وتعتمد على تحالفات معقدة مع أحزاب تختلف معها في التوجهات والمصالح السياسية.
ورغم تمكن سانشيز منذ توليه رئاسة الحكومة عام 2018 من بناء تحالفات أبقته في السلطة، فإن الخلافات بين حلفائه اتسعت خلال ولايته الثالثة، ما جعل تمرير القوانين والقرارات الحكومية أكثر صعوبة.
وتجلى ضعف الحكومة أيضاً في عدم تمكنها من إقرار موازنة جديدة منذ عام 2023، رغم الأداء القوي نسبياً للاقتصاد الإسباني.
وجاء فقدان دعم حزب “معا من أجل كتالونيا” ليزيد من تعقيد المشهد، بعدما أصبح من الصعب على الحكومة تأمين الأصوات اللازمة داخل البرلمان، وهو ما ظهر بوضوح في التصويت الأخير على مرسومي الإسكان.
وبعد الهزيمة البرلمانية، أمضى سانشيز عطلة نهاية الأسبوع في دراسة الخيارات المتاحة أمام حكومته، قبل أن يحسم قراره بالعودة إلى الناخبين والدعوة إلى انتخابات مبكرة.

سانشيز يطلب تفويضاً جديداً

برر رئيس الوزراء الإسباني قراره بالحاجة إلى أغلبية برلمانية أقوى تسمح لحكومته بتمرير الإصلاحات التي تعثرت بسبب الانقسامات السياسية.
وقال سانشيز، في خطاب ألقاه من قصر مونكلوا، إن تنفيذ “الإصلاحات العميقة العالقة” يتطلب الحصول على “غالبية تقدمية أكبر بكثير”، بما يسمح للحكومة بمواصلة سياساتها وتحقيق مكتسبات اجتماعية جديدة.
وفي الوقت نفسه، أقر رئيس الحكومة بوجود حالة من عدم الرضا داخل جزء من القاعدة الاجتماعية التي دعمت حكومته، مع اعترافه بارتكاب أخطاء وعدم الوفاء ببعض الوعود الانتخابية.
ويبدو أن سانشيز يسعى من خلال الانتخابات المبكرة إلى نقل المواجهة من برلمان باتت فيه قدرة حكومته على المناورة محدودة إلى صناديق الاقتراع، أملاً في الحصول على أغلبية أكثر استقراراً تمكنه من مواصلة الحكم وتنفيذ برنامجه.
كما وضع رئيس الوزراء الانتخابات المرتقبة في إطار مواجهة سياسية أوسع، داعياً الإسبان إلى الاختيار بين استمرار السياسات التي ينتهجها معسكره أو انتقال السلطة إلى اليمين واليمين المتشدد.

انتخابات محفوفة بالمخاطر

يحمل قرار العودة إلى صناديق الاقتراع مخاطر كبيرة بالنسبة إلى سانشيز، في ظل تقدم حزب الشعب في استطلاعات الرأي وتراجع الحزب الاشتراكي الذي يقوده رئيس الوزراء.
وتشير نتائج الاستطلاعات إلى إمكانية حصول حزب الشعب على عدد من المقاعد يسمح له بتشكيل ائتلاف مع حزب فوكس، في سيناريو قد يفتح الباب أمام دخول اليمين المتشدد إلى الحكومة المركزية للمرة الأولى منذ عودة الديمقراطية إلى إسبانيا عقب وفاة الجنرال فرانسيسكو فرانكو.
ورغم ذلك، يمتلك سانشيز خبرة طويلة في تجاوز الأزمات السياسية والانتخابية، إذ تمكن في مناسبات سابقة من البقاء في السلطة رغم افتقاره إلى أغلبية مطلقة، مستفيداً من تحالفات مع أحزاب متعددة.
وهكذا، تدخل إسبانيا مرحلة انتخابية جديدة وسط تزامن أزمات سياسية واجتماعية، في مقدمتها أزمة السكن، التي تحولت إلى شرارة فجّرت احتجاجات واسعة، بالتزامن مع اتساع الخلافات داخل البرلمان وتراجع قدرة حكومة سانشيز على تمرير قراراتها.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.