اتهامات بالجملة وأسئلة تبحث عن الحقيقة “من مراكش إلى الرحامنة”

"العدالة اليوم"

تتسع رقعة الجدل من مراكش إلى الرحامنة بعدما دخلت أسماء وصفات ومؤسسات وشخصيات إعلامية ومنتخبة ومسؤولون ترابيون في دائرة تصريحات واتهامات متبادلة بعضها بالغ الخطورة ما يجعل القضية تتجاوز حدود خلاف شخصي أو سجال عابر لتطرح أسئلة حقيقية حول الصفة والتمثيلية واستعمال أسماء المؤسسا، وحدود المسؤولية في إطلاق الاتهامات.
المثير في هذه القضية أن التصريحات المتداولة لا تتوقف عند جهة واحدة بل تمتد من الحديث عن سيدة تقدم نفسها بصفات مختلفة إلى الحديث عن علاقات مع شخصيات سياسية ومنتخبة بالرحامنة وصولا إلى سيارة قيل إنها تحمل ألوانا ذات حمولة وطنية إلى جانب علامة أو اسم مؤسسة إعلامية يوجد مقرها بالرباط وهو ما يطرح سؤالا واضحا لا يحتمل التأويل:

من منح الإذن باستعمال هذه العلامة؟ وهل توجد وثيقة قانونية تسمح بذلك؟ ومن يتحمل مسؤولية استعمال اسم مؤسسة إعلامية دون سند واضح؟
وتزداد الأسئلة حدة عندما يتعلق الأمر بمؤسسة إعلامية يعود حضورها وفق المعطيات المتداولة إلى سنة 1993 لأن أسماء المؤسسات وعلاماتها ليست شعارات عابرة يمكن استعمالها دون إذن أو سند قانوني خصوصا عندما تكون مرتبطة بمسار مهني وحقوق معنوية وتجارية.

وفي المقابل تبرز تصريحات تتضمن اتهامات موجهة إلى المجلس الوطني للصحافة وهي اتهامات تستوجب إن كانت قائمة على وقائع محددة، تقديم الوثائق والمعطيات التي تستند إليها بدل الاكتفاء بالتلميحات والتصريحات العامة. وفي الوقت نفسه، يبقى من حق المؤسسة المعنية الرد وتقديم توضيحاتها للرأي العام.
ولم تسلم شخصيات إعلامية من دائرة الاتهامات، من بينها صحفي وإعلامي وأكاديمي ارتبط اسمه بمسار مهني وجائزة في مجال الصحافة.

وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل يتعلق الأمر بوقائع موثقة تستوجب الرد والمساءلة، أم بخلافات تحولت إلى اتهامات إعلامية؟ فالمهنية تقتضي التمييز بين النقد المشروع وبين التشهير، وبين السؤال الصحفي وبين إصدار الأحكام.

كما امتدت التصريحات إلى رئيسة جماعة أيت ورير، وإلى صحفي ومنبر يحمل اسم «صوت العدالة» فضلا عن ورود اسم والي مراكش في سياق الاتهامات المتداولة وهو ما يرفع منسوب المسؤولية لأن كلما ارتفع مستوى الشخصية أو المؤسسة التي يوجه إليها الاتهام ارتفعت معه ضرورة تقديم الدليل.
وتزداد حساسية الملف عندما يتم الحديث عن ملفات أو مسؤولين في القضاء، إذ لا يمكن التعامل مع القضاء بمنطق الإشاعة أو التلميح، ولا يجوز تحويل أسماء المسؤولين القضائيين إلى أدوات في صراعات شخصية أو مهنية. وإذا كانت هناك ملفات أو شكايات فعلية، فإن مكانها الطبيعي هو المؤسسات المختصة، حيث يتم فحصها وفق القانون، بعيداً عن المحاكمات الافتراضية في مواقع التواصل الاجتماعي.

أما الحديث عن انتحال صفات مهنية أو جمعوية، أو تقديم النفس باعتبارها ممثلة لجمعية أو فيدرالية لحماية المستهلك، فيحتاج بدوره إلى وثائق واضحة تحدد الوضعية القانونية للهيئة، وطبيعة الصفة، والجهة التي منحتها، وحدود الاختصاص. فالجمعيات والهيئات المهنية لا تُكتسب شرعيتها بمجرد تقديم النفس أمام الكاميرا أو عبر منشور إلكتروني.
وبين مراكش والرحامنة، تتراكم الأسئلة أكثر مما تتراكم الأجوبة: من يملك حق استعمال الاسم؟ من يملك العلامة؟ من يحمل الصفة القانونية؟ من منح التراخيص؟ وما حقيقة العلاقات والملفات التي يتم الحديث عنها؟ وهل توجد شكايات ومحاضر وقرارات قضائية تثبت بعض ما يروج أم أن الأمر لا يتجاوز تصريحات متبادلة؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بالانفعال ولا بالصراخ وإنما بالوثائق والتواريخ والمراسلات والقرارات الرسمية، مع منح كل طرف حق الرد.
فالصحافة المهنية لا تخاف من الملفات الثقيلة، لكنها في الوقت نفسه لا تحول الاتهام إلى إدانة ولا تمنح البراءة لمن لا يملك دليلا ولا تدين من لم يصدر في حقه حكم.

وفي النهاية يبقى السؤال الأكثر إحراجا هو: من يملك الحقيقة كاملة؟
ومن يتوفر على الوثائق فليقدمها، ومن ورد اسمه فله حق الرد ومن كانت له شكاية فالقضاء أمامه أما الرأي العام فله الحق في معرفة الحقيقة كاملة، لا نصف الحقيقة ولا رواية طرف واحد.
لأن الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج… بل تحتاج إلى وثيقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.