يسجل المغاربة حضورا قويا بين الجاليات الأجنبية المقيمة بـ”إيطاليا”، عقب تصدرهم قائمة مواطني الدول من خارج الاتحاد الأوروبي الحاصلين على تصاريح إقامة جديدة خلال عام 2025، بأكثر من 44 ألف تصريح. مسجلين بذلك ارتفاعا سنويا تجاوز عتبة 72 في المائة، وفق المعطيات المنسوبة للمعهد الوطني الإيطالي للإحصاء “إيستات” (ISTAT).
تضع هاته الأرقام المغاربة في مقدمة الجنسيات المستفيدة من تصاريح الإقامة الجديدة. متقدمين على مواطني “بنغلاديش” الذين حصلوا على نحو 39 ألف تصريح، والمصريين بأكثر من 32 ألفا. في مؤشر على استمرار أهمية الهجرة المغربية داخل المشهد الديمغرافي والاجتماعي والاقتصادي الإيطالي، سواء عبر الالتحاق بسوق العمل أو لم الشمل العائلي أو مسارات الإقامة القانونية الأخرى.
حضور امتد ليشمل مجال اكتساب الجنسية الإيطالية؛ إذ حصل أكثر من 23 ألف مغربي على الجنسية الإيطالية خلال عام 2025، بزيادة سنوية بلغت 13.1 في المائة، وفق المعطيات الواردة. ليحتلوا تبعا لذلك المرتبة الثانية بعد “الألبان” الذين تجاوز عدد المجنسين منهم 25 ألف شخص، بارتفاع قارب 14.4 في المائة.
تكشف هاته المؤشرات عن مسارين متوازيين للهجرة المغربية إلى “إيطاليا”: أولهما يرتبط باستمرار وصول وافدين جدد وتسوية أوضاعهم القانونية. وثانيهما يعكس استقرار جزء من أفراد الجالية لسنوات طويلة. ما يتيح لهم، عند استيفاء الشروط القانونية، الانتقال من وضعية الإقامة إلى اكتساب الجنسية.
هكذا، وبحسب ذات الأرقام، فقد بلغ عدد المقيمين في “إيطاليا” ممن اكتسبوا الجنسية الإيطالية نحو مليونين و247 ألف شخص، وذلك إلى غاية شهر دجنبر من عام 2025. ضمنهم أكثر من مليون و932 ألفا كانوا في الأصل مواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي.
يبرز هذا المعطى الوزن الذي باتت تمثله الهجرة والتجنيس في التحولات السكانية الإيطالية. وإن كان تفسيره يقتضي التمييز بين عدد المجنسين خلال سنة واحدة ومجموع الأشخاص الذين اكتسبوا الجنسية عبر سنوات متعددة.
في سياق أوسع، أفادت ذات البيانات بمنح أكثر من 426 ألف تصريح إقامة جديد للأجانب خلال عام 2025، بزيادة سنوية تقارب 47 في المائة. وهو مستوى وصفته نفس المعطيات بأنه الأعلى خلال نحو 15 عاما، باستثناء الذروة التي سجلتها إيطاليا عام 2022، حين أسهم تدفق اللاجئين الأوكرانيين في رفع أعداد الوافدين.
في المقابل، تراجعت طلبات اللجوء إلى 128 ألفا و665 طلبا، مقابل أكثر من 151 ألف طلب خلال الفترة المقارنة. مسجلة انخفاضا يقارب 15.1 في المائة. كما تجاوز عدد مواطني الدول من خارج الاتحاد الأوروبي الحاملين لتصاريح إقامة سارية المفعول، أربعة ملايين شخص. ما يعكس اتساع قاعدة المقيمين الأجانب الذين يخضع وجودهم للقواعد المنظمة للهجرة والإقامة والعمل في “إيطاليا”.
في هذا السياق، ووفق التفاصيل المنشورة على الموقع الرسمي لـ”إيستات”، فإن عدد تصاريح الإقامة الجديدة الممنوحة لأغراض لم الشمل العائلي بلغت 168 ألفا و733 تصريحا، بارتفاع نسبته 61.2 في المائة. فيما تعدت تصاريح الدراسة نسبة 76 في المائة. لتشكل الأسرة والدراسة عاملين رئيسيين في ارتفاع إجمالي التصاريح الجديدة خلال السنة الماضية.
أما فيما يتصل بسوق الشغل، فقد ارتفع عدد التصاريح الممنوحة لهذا الغرض 45.9 في المائة، ليقترب من 59 ألف تصريح. مع استمرار هيمنة العنصر الذكوري على العنصر الأنثوي. إذ حصل الرجال على 83.2 في المائة من تصاريح العمل الجديدة، مقابل 16.8 في المائة للنساء. فيما حل المغاربة في المرتبة الثانية ضمن المستفيدين من تصاريح العمل، بـ10 آلاف و575 تصريحا، بعد “الهنود”، الذين حصلوا على 13 ألفا و783 تصريحا.
جغرافيا، استحوذ إقليم “لومبارديا” على 23 في المائة من إجمالي تصاريح الإقامة الجديدة، بما مجموعه 98 ألفا و128 تصريحا. متبوعا بـ”إميليا رومانيا” بنسبة 9.1 في المائة. فيما سجلت “لومبارديا” و”فينيتو” و”كامبانيا” زيادات لافتة في أعداد الوافدين الجدد.
تبرز هاته المعطيات، أن الهجرة إلى “إيطاليا” لا ترتبط حصرا بالعمل، بل تتداخل فيها اعتبارات الاستقرار الأسري والدراسة والحماية الدولية. كما أن ارتفاع التصاريح الجديدة لا يعني بالضرورة ارتفاع عدد المقيمين الأجانب بالنسبة نفسها. لأن الإحصاءات تتعلق بتدفقات سنوية، في حين يقيس عدد حاملي تصاريح الإقامة السارية حجم المقيمين في تاريخ محدد.
تجدر الإشارة، أن دخول مواطني الدول من خارج الاتحاد الأوروبي وإقامتهم في “إيطاليا” يخضع لقواعد الهجرة الوطنية. وفي مقدمتها “المرسوم التشريعي رقم 286″، الصادر في 25 يوليوز 1998. وهو “النص الموحد للأحكام المتعلقة بتنظيم الهجرة وقواعد وضع الأجانب”.
في هذا السياق، لا بد من التوضيح، أن من أبرز بنود وأحكام هذا المرسوم كونه ينظم تدفقات الهجرة. إذ يضع القواعد العامة لدخول المواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي والإقامة والتحكم وضبط الحدود وفرض العقوبات على المخالفين. إضافة لحديثه عن الحقوق والحريات الأساسية، حيث يضمن الحقوق الأساسية للإنسان لجميع الأجانب. مانحا المقيمين بشكل قانوني حقوقا مدنية واجتماعية ومساواة في المعاملة في بيئة العمل. فضلا عن تنظيمه شروط الدخول، من جهة وجود جواز سفر ساري المفعول وتأشيرة أو تصريح إقامة عبر نقاط الحدود المصرح بها. مع تقديم البيانات البيومترية عند الحاجة. إلى جانب وجود تصاريح الإقامة والتدفقات: إذ ينظم أنواع تصاريح الإقامة (عمل، دراسة، عائلة، علاج طبي). وبالتالي فإن هذا النص يشكل المرجعية القانونية الأساسية لقرارات التدفقات السنوية للعمال الأجانب، (مرسوم التدفقات / Decreto Flussi). كما ينص على حماية الحقوق والروابط العائلية ولم شمل الأسرة. مع تأكيده على منع طرد الأجانب الذين تربطهم قرابة مباشرة من الدرجة الثانية بمواطنين إيطاليين بشروط معينة.
إلى جانب التعديلات اللاحقة والتشريعات المنظمة للدخول لأغراض العمل ولم الشمل والحماية الدولية. تظل الاستفادة من الإقامة أو اكتساب الجنسية مرتبطة بشروط وإجراءات مستقلة، بحيث لا يشكل الحصول على تصريح إقامة ضمانا للحصول على الجنسية لاحقا.
أما على مستوى اكتساب الجنسية، فتستدعي الأرقام المتداولة قدرا من التدقيق في المقارنة السنوية. إذ تفيد بيانات “إيستات” المنشورة بشأن المؤشرات الديمغرافية لعام 2025 بأن عدد المغاربة الذين اكتسبوا الجنسية الإيطالية بلغ نحو 23 ألف حالة. لكن المقارنة مع عام 2024 تشير لحصول تراجع بنحو أربعة آلاف حالة، خلافا للزيادة الواردة في بعض الملخصات المتداولة.
مؤشرات تؤكد، في المحصلة، استمرار الحضور المغربي ضمن أبرز الجاليات غير الأوروبية في إيطاليا، سواء من حيث الوافدين الجدد أو لم الشمل أو اكتساب الجنسية. غير أن قراءة هذا الحضور تظل أكثر دقة حال التمييز بين تصاريح الإقامة الصادرة خلال سنة، ومجموع المقيمين بصورة قانونية، وعدد الأشخاص الذين حصلوا على الجنسية الإيطالية. كمؤشرات مختلفة لا يجوز جمعها أو مقارنتها دون مراعاة اختلاف دلالاتها الإحصائية.