مسودة أمريكية تهز حسابات البوليساريو وتنتصر للموقف المغربي

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

وضعت مسودة قرار أمريكية متعلقة بمستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية “جبهة البوليساريو” الانفصالية أمام اختبار سياسي جديد. بعد تهديد الأخيرة بالانسحاب من العملية السياسية التي ترعاها “الأمم المتحدة” إذا اعتمد مجلس الأمن المشروع دون إدخال تعديلات جوهرية عليه.

يأتي هذا التصعيد في سياق تحركات دولية تهدف لإعادة تقييم مهمة بعثة “المينورسو”، تزامنا مع اقتراب انتهاء ولايتها الحالية. كل ذلك في ظل تزايد التركيز على مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسا للمفاوضات الرامية لتسوية النزاع.

يتركز الخلاف القائم، وفق الرسالة التي وجهها ممثل الجبهة الانفصالية لدى “الأمم المتحدة” ومنسق المينورسو، “سيدي محمد عمار”. إلى رئيسة مجلس الأمن، السفيرة اليونانية، “أغلايا بالتا”. على ما تعتبره “البوليساريو” محاولة لتحديد إطار المفاوضات ونتائجها مسبقا. فضلا عن تقليص هامش الخيارات السياسية المطروحة، بما لا يضمن، وفق موقفها، مطلب تقرير المصير الذي تدافع عنه مع “الجزائر”.

ووفق ما أوردته تقارير إعلامية، فقد حذرت الجبهة من أن اعتماد المسودة بصيغتها الحالية سيجعل استمرار مشاركتها في العملية السياسية أمرا متعذرا. متهمة “الولايات المتحدة” بتبني مقاربة تتقاطع مع الموقف المغربي، وبالسعي لتغيير الإطار الذي تأسست عليه بعثة “المينورسو”.

موقف نشرت الجبهة الانفصالية مضمونه عبر وسائل دعايتها. معبرة عن رفضها اعتبار المسودة أساسا صالحا للمداولات في شأن البعثة أو المسار السياسي.

هنا لا بد من التوضيح، أن هناك مسافة بين التهديد بالانسحاب والانسحاب. لأن التهديد لا يعني الانسحاب فعليا. كما أن تداول المشروع الأمريكي لا يعني أنه أصبح قرارا أمميا ملزما. لكون المسودة لا تزال، وفق المعطيات المتاحة، خاضعة للمناقشات والمشاورات بين أعضاء مجلس الأمن، ويمكن أن تتغير صيغتها قبل التصويت عليها.

من بعثة للاستفتاء إلى مهمة سياسية؟

أبرز ما يميز المشروع الأمريكي، المؤرخ في 20 أكتوبر الجاري، هو اقتراح إنهاء ولاية “المينورسو” بصفتها بعثة لحفظ السلام، في 30 أبريل 2027. والانتقال بدل ذلك، ابتداء من فاتح ماي من السنة نفسها، لبعثة سياسية خاصة، لمدة ستة أشهر، تحت اسم “بعثة الأمم المتحدة للصحراء”. مع اعتماد الاختصار الإنجليزي “مينوسو MINUSO” بدلا من “مينورسو MINURSO”.

كما تقترح المسودة، تقليص المكون النظامي للبعثة بحوالي 50 في المائة مع حلول 31 يناير 2027. إلى جانب إعادة النظر في هيكلها ومواردها ومهامها خلال المرحلة الانتقالية.

لا يقتصر هذا التحول المقترح على تغيير الاسم، أو تقليص عدد الأفراد العسكريين، بل يفتح النقاش حول طبيعة الدور الذي ستؤديه الأمم المتحدة مستقبلا. هل ستستمر في الإطار المرتبط بولاية البعثة الأصلية، أم ستتجه إلى مهمة سياسية أكثر تركيزا على مواكبة المفاوضات وتيسير التسوية؟.

تجدر الإشارة، أن “مجلس الأمن” أنشأ “المينورسو” بموجب “القرار رقم 690″، الصادر عام 1991. في إطار ترتيبات التسوية التي كانت تستهدف تنظيم استفتاء، مع إسناد مهام مرتبطة بمراقبة وقف إطلاق النار ومواكبة العملية السياسية. وقد ظلت البعثة، على امتداد السنوات اللاحقة، جزءا من الحضور الأممي في المنطقة، رغم تعثر التوصل لتسوية نهائية متوافق عليها.

وقد مدد “القرار 2797″، الصادر في 31 أكتوبر 2025. عن مجلس الأمن مهمة “المينورسو”، إلى غاية 31 أكتوبر 2026. طالبا من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية بشأن مستقبل البعثة خلال ستة أشهر، مع أخذ نتائج المفاوضات بعين الاعتبار. الأمر الذي وفر أساسا أمميا لمناقشة مستقبل المهمة. إلا أن الأمر لا يعني أن المجلس سبق له أن وافق على إنهائها أو تحويلها لبعثة سياسية.

الحكم الذاتي في قلب المقاربة الأمريكية

سياسيا، تذهب المسودة الأمريكية أبعد من إعادة هيكلة البعثة. إذ تقترح جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحين الأساس الوحيد للمفاوضات. حيث تصف الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية بأنه الحل الوحيد الممكن، وفق الصياغة الواردة في المشروع المتداول.

كما تدعو الوثيقة الأطراف المعنية للانخراط، بصورة نشطة وبناءة، في المفاوضات. طالبة منها تقديم ردودها انطلاقا من المقترح المغربي. مع دعم جهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، “ستافان دي ميستورا” و”الولايات المتحدة” في تيسير المسار السياسي.

توجه يمثل، إذا حافظت الصيغة النهائية على ديباجته. تحولا مهما في لغة المشروع الأممي المقترح. لأنه لا يكتفي بالدعوة للتفاوض، بل يضع تصورا أكثر تحديدا للمرجعية التي ينبغي أن تنطلق منها المفاوضات وللنتيجة التي تعتبرها “واشنطن” قابلة للتحقق.

هنا، لا بد من التمييز بين الصياغة المقترحة وبين الموقف الذي اعتمده مجلس الأمن في قراره السابق. حيث دعا “القرار 2797 لعام 2025 لإجراء مفاوضات دون شروط مسبقة، على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي. وذلك بهدف التوصل لحل سياسي نهائي ومقبول من جميع الأطراف. 

اختلاف يعني أن أي قراءة لتطور الموقف الدولي ينبغي أن تستند إلى النص الذي سيعتمده مجلس الأمن فعليا، لا إلى المسودة الأولية وحدها. علما أن الصياغات النهائية للقرارات الأممية قد تتغير خلال المشاورات الدبلوماسية.

مشاورات أوسع وتسجيل اللاجئين 

تتضمن المسودة، بحسب التقارير المنشورة في شأنها. تكليفا للمبعوث الشخصي للأمين العام بالتشاور على نطاق واسع من المكونات الصحراوية والجهات المعنية. بما يشمل أطرافا من خارج دائرة المشاركين المباشرين في المفاوضات، داخل الإقليم ومخيمات اللاجئين وفي المهجر. مع إدراج نتائج هاته المشاورات في التقارير المرفوعة إلى مجلس الأمن.

يطرح هذا التوجه، سؤال التمثيلية السياسية والاجتماعية داخل المسار التفاوضي. فضلا عن مدى قدرة المشاورات الموسعة على نقل تنوع المواقف والتطلعات لطاولة التسوية، بعيدا عن الاقتصار على المواقف الرسمية للأطراف الرئيسية.

كما تشير المسودة، إلى مطالبة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين باستكمال تسجيل اللاجئين في منطقة “تندوف” خلال ستة أشهر. واضعا تبعا لذلك ملف اللاجئين ضمن عناصر النقاش بشأن مستقبل البعثة، في ظل استمرار الحاجة لتوضيح المعطيات المتعلقة بالأشخاص المعنيين واحتياجاتهم الإنسانية.

تكتسب هاته المسألة أهمية خاصة، لأن تسجيل اللاجئين وحمايتهم يدخلان ضمن الاختصاصات الإنسانية للمفوضية السامية.

من هنا، لا ينبغي الخلط بين المقاربتين وبين الحسم في الوضع السياسي النهائي للنزاع. كما أن أي إجراء عملي في هذا المجال يحتاج لترتيبات واضحة وتعاون من الأطراف المعنية، وإلى مراعاة المبادئ الإنسانية ذات الصلة.

كما تدعو المسودة، في الوقت نفسه. الأطراف للالتزام بوقف الأعمال العدائية والامتناع عن أي خطوات من شأنها الإضرار بالعملية السياسية. مع التنبيه إلى إمكان نظر مجلس الأمن في تدابير إضافية إذا أخفقت الأطراف في الانخراط بصورة بناءة في المفاوضات.

بين التهديد بالانسحاب وضغط المسار الأممي

يعكس تهديد “البوليساريو” بالانسحاب محاولة للضغط على أعضاء مجلس الأمن قبل حسم صياغة القرار. في وقت تسعى فيه “الولايات المتحدة” للدفع نحو تصور أكثر وضوحا في شأن المرجعية السياسية للمفاوضات ومستقبل “المينورسو”. إلا أن هذا التهديد قد يضع الجبهة أيضا أمام سؤال تداعيات مغادرة المسار الأممي الذي ظل الإطار الدولي الرئيسي للتفاوض في شأن النزاع المفتعل.

في المقابل، لا يتيح مشروع القرار، في مرحلته الحالية. الجزم بأن مجلس الأمن سيتبنى جميع مقترحاته. أو أن التحول المقترح في طبيعة البعثة سيجري في الجدول الزمني نفسه. فذلك يظل رهينا بمواقف الدول الأعضاء، وبالتعديلات التي قد تدخل على النص، وبالقرار النهائي الذي سيصدر عن المجلس.

تكمن أهمية المرحلة الراهنة في تزامن ثلاثة ملفات مترابطة. ضمنها تجديد أو إعادة تحديد ولاية “المينورسو”، موقع مقترح الحكم الذاتي في المفاوضات وضمان استمرار انخراط الأطراف في العملية السياسية. وبالتالي فإن أي تغيير في أحد هاته العناصر ستكون له انعكاسات على شكل الوساطة الأممية وأدواتها. وأيضا على طبيعة النقاش الدبلوماسي في المرحلة المقبلة.

هكذا، فبينما تعتبر “الرباط” الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية مدخلا لتسوية سياسية. تتمسك “البوليساريو” بمطلب تقرير المصير، وفق تصورها. فيما يظل الإطار الأممي قائما على البحث عن حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف. لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للمسودة الأمريكية لن يكون في حجم الضغط الذي أحدثته على مواقف الجبهة فحسبز بل في قدرتها على حشد توافق داخل مجلس الأمن، وصياغة آلية تفاوضية تحافظ على المسار السياسي وتدفعه نحو تسوية قابلة للاستمرار.

من هنا، وإلى حين صدور قرار رسمي. تبقى إعادة هيكلة “المينورسو”، وتقليص مكونها النظامي، وتغيير اسمها، وحصر المفاوضات في مقترح الحكم الذاتي. مقترحات واردة في مسودة أولية، لا قرارات أممية نافذة. وهاته التفرقة أساسية لفهم التطورات بدقة، بعيدا عن تحويل مواقف الأطراف أو التسريبات الدبلوماسية إلى نتائج محسومة قبل التصويت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.