دخل تدبير حزب “الاستقلال” لملف استوزار “ماديحة خيير”، البرلمانية التي ورد اسمها ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة، قبل إعفائها بعد يومين من تعيينها. مرحلة جديدة، اتصالا بتداول معطيات تفيد باتجاهها لتقديم استقالتها من عضوية مجلس النواب. في خطوة من المرتقب أن تعيد النقاش حول المسؤولية السياسية والأخلاقية للأحزاب في تدبير الترشيحات والتعيينات، وحدود المساءلة عندما تثير ملفات قضائية سابقة جدلا عاما.
هكذا ووفق ما نقلته مصادر إعلامية، استنادا إلى مصادر وصفتها بالخاصة من داخل حزب “الاستقلال”. فإن “خيير” تعتزم تقديم استقالتها من مجلس النواب، في سياق معالجة الحزب للتداعيات السياسية والإعلامية التي أعقبت تعيينها وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، ثم إعفاءها بعد وقت وجيز. مرجحة أن إيداع طلب الاستقالة يتم بإيعاز من قيادة الحزب.
خطوة إن تأكدت رسميا، فإنها تشكل تحولا في مسار القضية. حيث لن يقتصر الأمر عند حدود إنهاء المشاركة الحكومية، بل تطال وضع حد لتمثيليتها البرلمانية التي حصلت عليها “خيير”، بعد تصدرها نتائج الانتخابات التشريعية بدائرة “بني ملال”، بأكثر من 22 ألف صوت.
تجدر الإشارة، أنه وفي حال شغور المقعد المخصص لها، فسيتم تعويضها وفق المسطرة القانونية المعمول بها، بالمرشح الذي يليها في ترتيب اللائحة الانتخابية المعنية. شريطة استيفاء الشروط القانونية والتنظيمية اللازمة. غير أن ذلك يظل مرتبطا بتقديم الاستقالة رسميا، واستكمال الإجراءات التي ينص عليها القانون. ولا يمكن اعتباره أمرا محسوما بمجرد تداول أنباء عن نية الاستقالة.
تعود جذور الأزمة إلى الجدل الذي رافق تعيين “خيير” في الحكومة الجديدة، بعد تداول معطيات في شأن ملفات قضائية تعود لسنوات سابقة. الأمر الذي أثار تساؤلات حول معايير اختيار أعضاء الحكومة ومدى إخضاع الترشيحات للتدقيق اللازم قبل الإعلان عن التشكيلة الوزارية.
ووفق إفادة رئيسة الحكومة، “فاطمة الزهراء المنصوري”، فإنها كانت قد تقدمت بطلب إعفاء “خيير”، قبل أن تتم الاستجابة له من قبل صاحب الجلالة الملك “محمد السادس” حفظه الله.
وقد أدى تقارب المدة الزمنية بين التعيين والإعفاء إلى وصف الواقعة بأنها من أسرع حالات إنهاء مهمة وزارية في تاريخ الحكومات المغربية.
المعطيات المنشورة تفيد بأن أزمة “ماديحة خيير” تجاوزت مسألة الإعفاء من المنصب الحكومي إلى سؤال استمرارها في مجلس النواب. وبالتالي حدود تدبير الأحزاب للأزمات التي تمس صورة مرشحيها ومصداقية قراراتها في اختيار المسؤولين. إلا أن هناك نقطة تستوجب الدقة الصحافية. حيث تحدثت منابر إعلامية عن الدفع لتقديم الاستقالة بطلب من قيادة حزب “الاستقلال”. فيما نقلت مصادر إعلامية أخرى، في اليوم نفسه، أن وثيقة الاستقالة لم تكن قد وصلت لمجلس النواب. لذلك ينبغي التمييز بين قرار سياسي منسوب إلى قيادة الحزب، وإعلان نية الاستقالة، وبين إيداعها رسميا واستكمال المسطرة القانونية.
استوزار “خيير” يضع حزب الاستقلال أمام سؤال المسؤولية
في سياق الملف القنبلة، فقد انتقلت تداعيات إعفاء “ماديحة خيير” من الحكومة إلى واجهة النقاش حول مستقبلها البرلماني. مع الحديث المتداول حول تقديمها استقالتها من مجلس النواب، بطلب من قيادة حزب “الاستقلال”.
واقعة تضع الحزب أمام إحراج سياسي، خاصة وأن المعنية بالأمر كانت تتولى رئاسة “الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية” بمجلس النواب، قبل أن يتم إعفاؤها من المهمة لتبرز أسماء أخرى لتولي قيادة الفريق.
تعكس سرعة تطور الأحداث حجم الارتباك الذي يمكن أن ينتج عن عدم حسم التدقيق في الملفات قبل الإعلان عن التعيينات. خاصة وأن الأمر يتعلق بمسؤوليات حكومية يفترض أن تستند إلى الثقة العامة والكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية. إلا أن الجدل لا ينبغي أن يتحول إلى إدانة مسبقة للمعنية بالأمر. فالمعطيات المتداولة في شأن ملفها القضائي ووثيقتها الطبية تحتاج إلى التثبت من مصادرها الرسمية. كما أن تداولها إعلاميا لا يعادل صدور حكم قضائي نهائي يثبت المسؤولية عن وقائع محددة.
في هذا الباب، لا بد من التوضيح، أن احتمال مغادرتها مجلس النواب يطرح سؤالا إضافيا حول العلاقة بين القرار الحزبي والتفويض الذي يمنحه الناخبون لممثليهم. خاصة عندما يكون الدافع للاستقالة مرتبطا بأزمة سياسية داخل الحزب أو بتداعيات تعيين حكومي.
جدير بالذكر، أن “القانون التنظيمي رقم 27.11″، المتعلق بمجلس النواب، في صيغته المحينة. يضع الإطار الذي ينظم حالات التنافي وشغور المقاعد البرلمانية والتعويض عنها. حيث تنص “المادة 14” منه على تنافي العضوية في مجلس النواب مع صفة عضو في الحكومة، وعلى إعلان المحكمة الدستورية شغور مقعد النائب الذي يتم تعيينه عضوا في الحكومة، بناء على طلب من رئيس مجلس النواب. كما يتضمن القانون مقتضيات تنظم حالات تعويض المقعد الشاغر بالمترشح الذي يلي آخر منتخب في اللائحة المعنية، وفق الشروط والإجراءات المحددة قانونا.
هكذا، فـ”المادة 14″ من القانون تنص على حالة التنافي مع العضوية في الحكومة. إذ تتنافى العضوية في مجلس النواب مع صفة عضو في الحكومة. وفي حالة تعيين نائب وزيرا، تعلن المحكمة الدستورية، بطلب من رئيس مجلس النواب، شغور مقعده داخل أجل شهر.فضلا عن التنافي مع المهام العمومية غير الانتخابية. أي أن العضوية في مجلس النواب تتنافى مع مزاولة أي مهمة عمومية غير انتخابية في مصالح الدولة، أو الجماعات الترابية، أو المؤسسات العمومية، أو الأشخاص الاعتباريين الآخرين من أشخاص القانون العام، أو الشركات التي تملك فيها الدولة أكثر من 30% من رأسمالها. إلا أن المشرع يستثنى من ذلك مأمورية مؤقتة بتكليف من الحكومة طبقا لأحكام المادة 19 من نفس القانون التنظيمي. إضافة لوضعية الإلحاق، والتي تؤكد على أن كل شخص تنطبق عليه إحدى حالات التنافي المذكورة وينتخب في مجلس النواب، يلزم، بطلب منه، في وضعية الإلحاق طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.
غير أن حالة “خيير” تقتضي التمييز بين انتهاء مهامها الحكومية، والاستقالة من العضوية البرلمانية، وما يترتب عن كل إجراء منهما. فالإعفاء من الحكومة لا يعني، بمفرده، ثبوت فقدان الأهلية الانتخابية، كما أن الجدل في شأن ملف سابق لا يترتب عليه تلقائيا تجريد النائب من مقعده. وبالتالي يظل أي إجراء يمس العضوية البرلمانية خاضعا للمقتضيات القانونية المختصة، لا سيما ما يتعلق بالاستقالة وشغور المقعد وإحالة الأمر على المؤسسات المعنية.
ضوابط تزداد اهمية في ضوء مبدأ التمثيل الديمقراطي. حيث أن الناخبين الذين صوتوا للائحة لا يمنحون الحزب وحده سلطة التصرف في المقعد، بل يختارون ممثليهم وفق قواعد انتخابية ينظمها القانون. ومن ثم، فإن أي استقالة يجب أن تمر عبر المسطرة الرسمية، لا أن يتم التعامل معها باعتبارها نتيجة تلقائية لقرار حزبي أو وسيلة لحسم أزمة سياسية.
أسياسيا، فإن تدبير حزب “الاستقلال” لهاته القضية يضعه أمام اختبار مزدوج. احتواء تداعيات أزمة التعيين الحكومي، وتقديم توضيحات في شأن آليات اختيار المرشحين للمسؤوليات العمومية. ما يفتح النقاش حول مدى كفاية إجراءات التدقيق الداخلي لدى الأحزاب قبل اقتراح الأسماء للاستوزار. فضلا عن المسؤولية التي تتحملها القيادات الحزبية في التحقق من المعطيات التي قد تؤثر في الثقة العامة.
من هنا، فإن المسألة لا تتوقف عند حدود الحالة الفردية لـ”خيير”، بل تمتد لتفتح سؤالا أوسع، متصلا بمعايير الاستوزار، وشفافية الترشيحات، والتمييز بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القضائية. فالمساءلة السياسية يمكن أن تتصل بتقدير مدى ملاءمة شخص لمنصب عمومي أو بكيفية تدبير ملف تعيينه، فيما يظل الحسم في الوقائع ذات الطابع الجنائي من اختصاص القضاء، وفق ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة.
وفي انتظار تأكيد رسمي نهائي بشأن وضعية استقالة “خيير”، يبقى الملف مفتوحا على أكثر من مستوى: مسارها داخل المؤسسة التشريعية، وطريقة تدبير حزب “الاستقلال” للأزمة، وحدود المسؤولية السياسية في اختيار أعضاء الحكومة. أما الحسم في شغور المقعد البرلماني وتعويضه، فينبغي أن يستند إلى الإجراءات القانونية المقررة، بعيدا عن الاكتفاء بالتسريبات أو الاستنتاجات المتسرعة.
تؤكد هاته القضية أن الاستوزار لا يقتصر على قرار التعيين، بل يرتبط أيضا بواجب التحري المسبق، والقدرة على تحمل تبعات القرار، وصون الثقة العامة في المؤسسات. كما أن الاستقالة، إذا ثبت تقديمها وقبول آثارها وفق المسطرة القانونية، لا تنهي وحدها النقاش في شأن مسؤولية الجهات التي اقترحت الاسم أو دققت في ملفه. كما انها لا تعفي الأحزاب من مراجعة آليات اختيار مرشحيها وتقييم مخاطر التعيينات قبل إعلانها.