أزمة النجاعة القضائية بالمغرب.. بين سمو النص الدستوري وتعثر التنزيل

العدالة اليوم

شكل دستور المملكة لسنة 2011 محطة مفصلية في مسار إصلاح منظومة العدالة بالمغرب، بعدما كرس مبدأ استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، واضعاً بذلك أسس مرحلة جديدة قوامها تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، وترسيخ دولة الحق والقانون، وإعادة الاعتبار للقضاء باعتباره سلطة دستورية مستقلة، وليس مجرد وظيفة من وظائف الدولة.

وقد رافق هذا التحول الدستوري إحداث مؤسسات جديدة، في مقدمتها المجلس الأعلى للسلطة القضائية، إلى جانب استقلال رئاسة النيابة العامة عن السلطة التنفيذية، من خلال نقل الإشراف عليها إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض. وهي خطوات شكلت تقدما مؤسساتيا وتشريعيا مهما في اتجاه تعزيز استقلال القضاء وتحصينه من التدخلات الخارجية.

غير أن مرور سنوات على هذا التحول يطرح سؤالا جوهريا حول مدى قدرة النموذج الدستوري المغربي على ترجمة هذه المكاسب إلى واقع ملموس ينعكس على حقوق المتقاضين وجودة الأحكام وسرعة البت في القضايا. فالإشكال لم يعد مرتبطا فقط بمدى تقدم النصوص القانونية، وإنما بمدى نجاعة المؤسسات وقدرتها على تنزيل مقتضياتها في الممارسة اليومية.

إن استقلال القضاء، رغم أهميته الدستورية، لا يمكن اختزاله في الضمانات القانونية والمؤسساتية وحدها، بل يظل مرتبطا أيضا بتوفير شروط مهنية ومادية ومعنوية تضمن للقاضي ممارسة مهامه باستقلالية وطمأنينة. فلا يمكن الحديث عن قضاء مستقل وفعال دون الاهتمام بالوضعية الاجتماعية والمادية للقضاة، وتحسين ظروف اشتغالهم، وتحصينهم من مختلف أشكال الضغط والإغراء.

كما أن إصلاح المنظومة القضائية يقتضي إعادة النظر في فلسفة التكوين والتأهيل المهني، بما يتجاوز الجانب التقني والمسطرِي نحو بناء قاضٍ يمتلك ثقافة حقوقية واسعة، ومتمكنا من الاجتهاد القضائي الوطني والدولي، ومطلعا على الاتفاقيات والمواثيق الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فالقاضي في دولة الحق والقانون ليس مجرد مطبق للنصوص، بل هو حارس للحقوق والحريات وضامن للتوازن بين سلطة القانون وكرامة الإنسان.

ومن أبرز التحديات التي ما تزال تواجه العدالة بالمغرب إشكالية بطء الإجراءات القضائية، التي أصبحت تشكل أحد مظاهر اختلال النجاعة القضائية. فالفصل 120 من الدستور يضمن لكل شخص الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول، غير أن الواقع العملي يكشف عن استمرار التأخر في معالجة عدد من الملفات، وما يترتب عن ذلك من أعباء مادية ونفسية واجتماعية على المتقاضين.

وترتبط هذه الإشكالية بمجموعة من العوامل البنيوية، من بينها محدودية الموارد البشرية مقارنة بحجم القضايا المعروضة على المحاكم، وتعقيدات مساطر التبليغ التي ما تزال تعتمد في جوانب مهمة منها على الوسائل التقليدية، فضلا عن بعض الاختلالات التشريعية والإجرائية التي تساهم في إطالة أمد النزاعات.

وفي هذا السياق، تبرز الرقمنة باعتبارها مدخلا أساسيا لتحديث الإدارة القضائية وتجاوز عدد من مظاهر البطء والارتباك. غير أن الانتقال إلى المحكمة الرقمية لا ينبغي أن يظل مجرد شعار إصلاحي، بل يتطلب توفير بنية تقنية متطورة، وتعميم التبليغ الإلكتروني وفق ضمانات قانونية واضحة، وتطوير الخدمات القضائية عن بعد، إلى جانب تعزيز الموارد البشرية، وتوسيع آليات الصلح والوساطة لتخفيف الضغط عن المحاكم.

ولا تقل ضمانات المحاكمة العادلة أهمية عن مسألة الاستقلال والسرعة، إذ إن جودة العدالة لا تقاس فقط بصدور الأحكام، وإنما بمدى احترام الحقوق والحريات خلال جميع مراحل الدعوى. وفي هذا الإطار، يثير موضوع الاعتقال الاحتياطي نقاشا حقوقيا وقانونيا متجددا، بالنظر إلى ما قد يترتب عن التوسع في اللجوء إليه من مساس بقرينة البراءة، التي تشكل إحدى الركائز الأساسية للمحاكمة العادلة.

فرغم أن المشرع المغربي أحاط الاعتقال الاحتياطي بضوابط قانونية وجعله تدبيراً استثنائياً، فإن استمرار ارتفاع أعداد المعتقلين احتياطيا داخل المؤسسات السجنية يفرض مراجعة الممارسة القضائية المرتبطة به، والتشدد في احترام شروط اللجوء إليه، مع تفعيل بدائل قانونية تضمن حضور المتهم أمام القضاء دون اللجوء بالضرورة إلى سلب حريته.

كما يظل الحق في الدفاع من أهم المؤشرات التي تقاس بها درجة احترام المحاكمة العادلة. فتمكين المشتبه فيهم من الاستفادة من المساعدة القانونية والتواصل مع المحامي منذ المراحل الأولى للتوقيف يشكل ضمانة أساسية ضد التجاوزات المحتملة، ويعزز التوازن بين سلطة البحث والتحقيق وحقوق الأشخاص المعنيين به. ومن ثم، فإن تطوير المقتضيات القانونية ذات الصلة ينبغي أن يستحضر المعايير الدولية التي تجعل الحق في الدفاع ضمانة فعلية وليست مجرد إجراء شكلي.

ومن جهة أخرى، يطرح تعليل الأحكام القضائية إشكالا لا يقل أهمية، ذلك أن الفصل 125 من الدستور جعل تعليل الأحكام القضائية قاعدة دستورية ملزمة. غير أن التعليل لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد صياغة نمطية أو استنساخ لعبارات قانونية عامة، بل يجب أن يعكس مناقشة فعلية لوقائع النزاع ودفوع الأطراف ووسائل الإثبات المعتمدة. فالحكم القضائي الذي لا يجيب عن الدفوع الجوهرية للمتقاضين يضعف الثقة في العدالة، ويجعل ممارسة حق الطعن أقل فعالية من الناحية العملية.

وفي سياق البحث عن حلول لتجاوز أزمة الاكتظاظ السجني وإعادة التفكير في فلسفة العقوبة، يشكل القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة خطوة تشريعية مهمة نحو إقرار مقاربة أكثر إنسانية وفعالية في السياسة الجنائية. فقد فتح هذا القانون المجال أمام اعتماد بدائل للعقوبات السالبة للحرية، من بينها العمل لأجل المنفعة العامة، والمراقبة الإلكترونية، والغرامة اليومية، وتقييد بعض الحقوق وفرض تدابير رقابية.

وتكمن أهمية هذه المقتضيات في كونها تسعى إلى الحد من الآثار السلبية للعقوبات الحبسية قصيرة المدة، والمساهمة في إعادة إدماج المحكوم عليهم داخل المجتمع، فضلا عن تخفيف الضغط المتزايد على المؤسسات السجنية.

غير أن نجاح هذا الورش التشريعي يظل رهيناً بمدى جاهزية البنيات والمؤسسات المكلفة بتنفيذه. فاعتماد العمل لأجل المنفعة العامة، على سبيل المثال، يتطلب تنسيقاً فعليا مع الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والجمعيات المؤهلة لاستقبال المحكوم عليهم، بينما تستوجب المراقبة الإلكترونية توفير التجهيزات التقنية والموارد البشرية والتكوين المتخصص، إلى جانب تخصيص الاعتمادات المالية اللازمة.

ومن هنا تبرز المفارقة بين طموح النص القانوني وإكراهات تنزيله؛ إذ لا يكفي إصدار قانون متقدم في مضمونه إذا لم تواكبه آليات تنفيذ واضحة وميزانية كافية وتنسيق مؤسساتي فعال. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد القوانين التي يتم إصدارها، وإنما بمدى قدرتها على إحداث تغيير ملموس في الواقع.

إن أزمة النجاعة القضائية بالمغرب لا يمكن اختزالها في نقص النصوص القانونية، بقدر ما ترتبط بتداخل مجموعة من الاختلالات البنيوية والتدبيرية والمهنية التي تستدعي معالجة شمولية تتجاوز الحلول الظرفية. وهو ما يفرض الانتقال من منطق إصلاح البنايات والتجهيزات فقط إلى الاستثمار في العنصر البشري، عبر تعزيز عدد القضاة وموظفي كتابة الضبط، وتطوير التكوين المستمر، وتحسين ظروف العمل، وتسريع وتيرة التحول الرقمي.

كما تقتضي المرحلة ترسيخ الطابع الاستثنائي للاعتقال الاحتياطي، وتوسيع نطاق تفعيل المراقبة القضائية، وتوفير الشروط العملية لتطبيق العقوبات البديلة، فضلاً عن إصلاح منظومة التبليغ وتبسيط المساطر الإجرائية بما يضمن تحقيق التوازن بين حقوق المتقاضين ومتطلبات حسن سير العدالة.

وفي نهاية المطاف، فإن المواطن لا يقيس استقلال القضاء بما تتضمنه التقارير الرسمية من مؤشرات أو بما تحققه النصوص الدستورية من مكاسب نظرية، وإنما يقيسه بما يلمسه عندما يلج المحكمة، فيجد قاضيا ينصت إليه، ودفاعا يحظى بالضمانات اللازمة، ومسطرة تحمي حقوقه، وحكما معللا يصدر داخل أجل معقول.

فالتحدي الحقيقي الذي يواجه العدالة المغربية اليوم ليس في بناء نموذج دستوري متقدم فحسب، وإنما في تحويل هذا النموذج إلى ممارسة يومية تضمن الإنصاف وتحمي الحقوق وتعزز ثقة المواطن في المؤسسات.

فالعدل ليس مجرد مبدأ دستوري أو شعار مؤسساتي، بل هو ممارسة فعلية، وشرط أساسي لترسيخ دولة القانون وبناء الثقة بين المواطن والدولة.

بقلم الباحث رضوان دليل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.