محمد حميمداني
أعادت انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي جرت في 3 نونبر 2026، رسم موازين القوى داخل “واشنطن”. بعدما تمكن “الحزب الديمقراطي” من استعادة الأغلبية في مجلسي الكونغرس. منهيا بذلك مرحلة هيمنة “الجمهوريين” على السلطتين التنفيذية والتشريعية. فاتحا، في الوقت نفسه، الباب أمام مواجهة سياسية ومؤسساتية جديدة مع إدارة الرئيس “دونالد ترامب”.
وهكذا، فقد وجه الناخبون الأميركيون ضربة انتخابية ثقيلة للرئيس “دونالد ترامب” و”الحزب الجمهوري”. بعدما مكنوا الديمقراطيين من استعادة السيطرة على مجلسي الكونغرس، في انتخابات التجديد النصفي. ما كرس تحولا في موازين القوى في “واشنطن”. واضعا حدا لمرحلة الأغلبية “الجمهورية” الموحدة. ممهدا الطريق لعودة الرقابة التشريعية على “البيت الأبيض”، خلال العامين الأخيرين من الولاية الرئاسية لـ”ترامب”.
تكتسب هاته النتيجة دلالتها من اتساع الخسارة “الجمهورية”، بعدما انتزع “الديمقراطيون” سبعة مقاعد في “مجلس الشيوخ”. كما قلبوا أكثر من عشرين مقعدا في “مجلس النواب” لفائدتهم، بينها دوائر سبق أن صوتت لصالح “ترامب” بفوارق مريحة خلال انتخابات 2024.
لا تعني هاته النتيجة إنهاء الولاية الرئاسية لـ”ترامب” أو إزاحته من “البيت الأبيض”. لكنها تمثل تحولا في موازين الرقابة والتشريع. بعدما انتقلت الأدوات البرلمانية الأساسية إلى خصومه، في انتظار مباشرة الكونغرس الجديد مهامه في يناير من عام 2027، وفقا للتعديل العشرين للدستور الامريكي. كما تعكس تراجعا في قدرة الخطاب الشعبوي على احتواء الاستياء الشعبي عندما يصطدم بتكاليف المعيشة والخيارات الاقتصادية والعسكرية للإدارة الأميركية.
فالنتيجة مثلت رفضا سياسيا لأداء إدارة “ترامب” واختياراتها. ما يعيد توزيع أدوات التشريع والرقابة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
كما تكشف قراءة دوافع التصويت، أن العامل الاقتصادي كان في مقدمة محددات التراجع الجمهوري. حيث أظهرت استطلاعات آراء الناخبين، وفي مقدمتها استطلاع وكالة “أسوشيتد برس”. أن نحو ثلثي المشاركين اعتبروا أن سياسات ترامب زادت الوضع الاقتصادي سوءا، فيما صوت نحو ثمانية من كل عشرة من هاته الفئة لمصلحة المرشحين الديمقراطيين. كما تصدرت تكاليف المعيشة والتضخم وفرص العمل اهتمامات الناخبين، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بالغذاء والسكن والرعاية الصحية والطاقة.
ضغوط امتدت لتشمل سوق العقارات. حيث أظهر استطلاع أجرته مؤسسة “Clever Real Estate”، خلال شتنبر من عام 2026. أن 31 في المائة من المشاركين يواجهون صعوبة في تحمل تكاليف سكنهم، مقابل 58 في المائة اعتبروا أن امتلاك منزل بات بعيد المنال في الظروف الراهنة. وهي مؤشرات تبرز اتساع فجوة القدرة الشرائية، وتفسر تراجع الثقة في الوعود الاقتصادية التي شكلت أحد مرتكزات الخطاب الانتخابي الجمهوري.
لم تكن الحرب مع إيران أقل تأثيرا في هذا التحول. حيث ساهمت تداعياتها، وفق استطلاعات “واشنطن بوست”، في تصاعد القلق في شأن أسعار الوقود وكلفة التدخل العسكري، بينما صوت أكثر من ستة من كل عشرة ناخبين ممن اعتبروا الحرب قضية وطنية رئيسية، لمصلحة المرشحين الديمقراطيين في مجلس النواب. كما أقر “ترامب” بتأثير الحرب في خسارة “الجمهوريين”، خصوصا من خلال انعكاساتها على أسعار البنزين. مع تمسكه بصواب القرار العسكري. لتنتقل بالتالي كلفة الخيارات الخارجية إلى صلب المحاسبة الانتخابية الداخلية.
إلى جانب الاقتصاد والسياسة الخارجية، حضرت قضايا الفساد وتضارب المصالح وتركيز القرار في يد الرئيس ضمن محددات التصويت. حيث أظهر استطلاع “AP Voter Poll” أن أكثر من نصف الناخبين اعتبروا الفساد الحكومي عاملا مؤثرا في اختيارهم. فيما رأى نحو ثلثي المشاركين أن “ترامب” لا يعطي الأولوية للقضايا التي تشغل المواطنين. كما أيد نحو سبعة من كل عشرة ناخبين تعزيز الرقابة البرلمانية على السلطة التنفيذية، بينهم نسبة مهمة من “الجمهوريين”.
تكشف هاته المؤشرات، أن الاعتراض لم يقتصر على أداء الإدارة، بل امتد إلى طبيعة تدبير السلطة والعلاقة بين الرئيس ومؤسسات الدولة. فيما أعادت هاته النتيجة مسألة ربط المرشحين الجمهوريين بولائهم الشخصي لـ”ترامب”. طارحة إشكالية استقلال القرار الحزبي. بعدما أظهرت نتائج بعض الدوائر أن هذا الارتباط لم يكن بالضرورة عاملا مساعدا انتخابيا، بل تحول في حالات معينة إلى نقطة ضعف أمام المنافسين “الديمقراطيين”.
من هنا، فدلالات هاته الانتخابات تتجاوز حدود التنافس الحزبي، لتعيد طرح النقاش في شأن تأثير المال والنفوذ في الديمقراطية الأميركية. فمنذ قرار المحكمة العليا في قضية “سيتزين يونايتد Citizens United”، ضد “لجنة الانتخابات الفيدرالية” عام 2010، اتسعت إمكانات الإنفاق السياسي المستقل للشركات والنقابات. فيما تسمح القواعد المنظمة للجان العمل السياسي المستقلة، المعروفة بـ”Super PACs”. بتلقي مساهمات مالية غير محدودة لتمويل حملات إنفاق مستقلة لا تنسق مباشرة مع المرشحين.
واقعة نقلت إلى الواجهة سؤال المال والنفوذ في الديمقراطية الأميركية، فاتحة المجال أمام تفجر مجموعة من الأسئلة ضمنها: إلى أي حد يظل القرار الانتخابي بيد الناخب”، وإلى أي مدى تؤثر فيه شبكات الثروة وجماعات الضغط ومصالح الشركات؟.
فقد أتاح حكم المحكمة العليا في هات القضية ضد “لجنة الانتخابات الفيدرالية” المجال لتوسيع الإنفاق السياسي المستقل للشركات والنقابات. مع الإبقاء على القيود المفروضة على التبرعات المباشرة للمرشحين. كما تسمح قواعد لجنة الانتخابات الفيدرالية للجان العمل السياسي المستقلة بتلقي مساهمات غير محدودة لتمويل إنفاق انتخابي مستقل لا ينسق مع الحملات.
في هذا السياق، أوردت منظمة “Public Citizen”، استنادا إلى تحليل بيانات “لجنة الانتخابات الفيدرالية”. أن الإنفاق السياسي للشركات خلال دورة انتخابات 2026، بلغ نحو 737 مليون دولار حتى نهاية أكتوبر. ورغم أن حجم هذا الإنفاق لا يثبت وجود قدرة لدى الممولين في التحكم في اختيارات الناخبين أو نتائج الاقتراع. فإنه يعيد طرح إشكالية التفاوت بين قوة الصوت الانتخابي للفرد والقدرة المالية للمصالح الاقتصادية الكبرى على التأثير في النقاش العام وصناعة الأجندات السياسية.
على المستوى الدستوري، تمنح هاته النتيجة للديمقراطيين أدوات رقابية وتشريعية واسعة، بالنظر للاختصاصات التي تسندها “المادة الأولى من الدستور الأميركي” إلى مجلسي النواب والشيوخ. خصوصا في مجالات التشريع والميزانية ومراقبة أداء السلطة التنفيذية. كما يختص مجلس الشيوخ بالمصادقة على التعيينات الرئاسية الرئيسية، فيما يملك مجلس النواب صلاحية إطلاق إجراءات العزل، التي يتولى مجلس الشيوخ النظر فيها ومحاكمة المسؤولين المعنيين بها.
تكتسب هذه الصلاحيات أهمية إضافية في ظل الحرب مع “إيران”، بالنظر إلى مقتضيات “قانون صلاحيات الحرب” لعام 1973. الذي يلزم الرئيس بإخطار الكونغرس خلال 48 ساعة من إدخال القوات الأميركية في أعمال عدائية. كما يحدد مدة 60 يوما لاستمرار استخدام القوات دون تفويض تشريعي أو إعلان حرب. مع إمكانية تمديد محدودة وفق الشروط القانونية. غير أن انتقال الأغلبية لا يعني وقف العمليات العسكرية تلقائيا، وإنما يوسع إمكانات المساءلة في شأن أساسها القانوني وتكاليفها المالية والسياسية.
مع ذلك، لا يمكن اعتبار فوز “الديمقراطيين” تفويضا شعبيا مطلقا لبرنامجهم السياسي. إذ تشير استطلاعات الناخبين، إلى أن جانبا من التصويت لفائدتهم ارتبط بالرغبة في إحداث توازن مؤسساتي ومحاسبة الإدارة، أكثر مما عكس ثقة كاملة في الحزب وقياداته. وهو ما يضع الأغلبية الجديدة أمام اختبار الوفاء بتعهداتها في ملفات القدرة الشرائية والصحة والتشغيل والرقابة على السلطة.
في هذا السياق لا بد من التوضيح، أن حصيلة انتخابات 2026 تكشف، في المحصلة، أن العلاقة بين التفويض الانتخابي والمحاسبة السياسية تظل محكومة بقدرة المؤسسات على مراقبة السلطة. فضلا عن مدى استجابة السياسات العمومية للاحتياجات اليومية للمواطنين. فالسيطرة على الخطاب السياسي لا تضمن بالضرورة الاحتفاظ بالأغلبية، كما أن الولاء الحزبي لا يعفي المسؤولين من تبعات اختياراتهم الاقتصادية والعسكرية.
تبعا لذلك، لا تمثل خسارة “الجمهوريين” مجرد انتقال للأغلبية داخل “الكونغرس”، بل تعيد فتح معركة التوازن بين “البيت الأبيض” والمؤسسة التشريعية. ما يضع إدارة “ترامب” أمام مرحلة جديدة من الرقابة والمساءلة، عنوانها أن التفويض الرئاسي، مهما اتسع، يظل خاضعا لحدود الدستور وإرادة الناخبين.
الوقائع الميدانية، وفق استطلاعات الناخبين، تكشف أن كلفة المعيشة والتضخم والقلق في شأن الاقتصاد. إلى جانب الاعتراض على الحرب مع “إيران” ومخاوف الفساد وتركيز “ترامب” على مصالحه الشخصية، كانت من أبرز العوامل المرتبطة بالتصويت.
من هنا، فالعامل الاقتصادي يبرز في مقدمة أسباب التراجع “الجمهوري”. فقد عجزت إدارة “ترامب” عن الوفاء بتعهداتها في شأن خفض التضخم وتحسين القدرة الشرائية. في وقت ظل فيه الأميركيون يواجهون ارتفاع تكاليف الغذاء والرعاية الصحية والوقود والفواتير اليومية. فيما أظهر استطلاع “AP Voter Poll”، الذي شمل ناخبين من الولايات الخمسين. أن نحو ثلثي المشاركين اعتبروا أن سياسات “ترامب” فاقمت الوضع الاقتصادي. فيما صوت نحو ثمانية من كل عشرة من هاته الفئة لصالح المرشحين الديمقراطيين.
في سياق متصل، أشار استطلاع اجرته صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، شمل أكثر من 90 ألف ناخب. إلى أن الاقتصاد وفرص العمل تصدرا القضايا التي شغلت بال الناخبين، وأن المتضررين ماليا صوتوا للديمقراطيين بفارق واضح.
كما امتدت الضغوط المعيشية إلى سوق السكن. حيث أظهر استطلاع أجرته مؤسسة “Clever Real Estate”، في شتنبر من عام 2026. أن 31 في المائة من المشاركين يواجهون صعوبة في تحمل تكاليف سكنهم الحالي. فيما اعتبر 58 في المائة أنهم غير قادرين على شراء منزل في الظروف الراهنة.
مؤشرات تعكس اتساع أزمة القدرة على تحمل النفقات. ما يفسر بالتالي، لماذا لم تعد الوعود الاقتصادية والخطاب الانتخابي كافيان لاحتواء استياء فئات واسعة من الأميركيين.
إلى جانب كل هاته العوامل، لم تكن الحرب مع “إيران” بعيدة عن هذا الحساب الانتخابي. فقد ارتبطت تداعياتها بارتفاع أسعار البنزين وتزايد القلق في شأن كلفة التدخل العسكري. ما دفع أكثر من ستة من عشرة من هاته الفئة التي طالها الاستطلاع للتصويت لصالح المرشحين الديمقراطيين في مجلس النواب. والأكثر دلالة في الأمر، أن “ترامب” نفسه أقر، في تصريحات أعقبت النتائج. بأن الحرب ساهمت في خسارة “الجمهوريين”. مشيرا إلى تأثيرها في أسعار الوقود. قبل أن يؤكد أنه كان سيتخذ القرار نفسه مجددا.
هكذا تحولت كلفة السياسة الخارجية إلى عبئ داخلي، بعدما اصطدمت حسابات “البيت الأبيض” بما يتحمله المواطن في محطات الوقود والأسواق.
لكن الهزيمة لا تفسرها المؤشرات الاقتصادية وحدها. فقد أظهرت استطلاعات الناخبين تراجعا في الثقة في أولويات “ترامب”. كما تفجر قلق متزايد في شأن الفساد وتضارب المصالح وشخصنة السلطة.
