البامية “المنصوري” وعائلتها تقرر مقاضاة موقع “فبراير كوم”

محمد مشاوري

محمد مشاوري

 

أعلنت البامية، عمدة مدينة “مراكش”، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، “فاطمة الزهراء المنصوري”. عزمها مقاضاة مدير موقع “برلمان.كوم” وعدد من صحفيي الموقع. على خلفية، ما أسمته، استمرار نشر “ادعاءات واتهامات خطيرة تتعلق بملف عقاري”. واصفة هاته المنشورات بأنها “حملة تشهيرية تفتقر لأي أساس قانوني”. مضيفة أن هاته الادعاءات تمسها في شخصها مع أفراد عائلتها. مبرزة أن الموقع استمر في “ترويج” هاته “الادعاءات” رغم المحاولات المستمرة التي انتهجتها لوضع حد لما عبرت عنه بـ”التحامل المستمر”.

أزمة تبرز معضلة التوازن بين حرية التعبير وحدود المسؤولية الإعلامية. ما يضع هذا التوازن تحت المجهر، مع تحول الملف إلى قضية رأي عام. بما يمس الممارسة الصحفية والأطر القانونية المنظمة لها.

في هذا السياق، أكدت “المنصوري”، في بلاغ شديد اللهجة، أن قرارها مع عائلتها اللجوء إلى القضاء جاء كخيار أخير بعد استنفاد كافة سبل التهدئة. وفشل كافة المساعي من أجل توضيح وتفنيد “الادعاءات” المقدمة. مبرزة انها قدمت، في وقت سابق، بلاغا توضيحيا في هذا الشأن، يـ”فند” كافة المعطيات المتعلقة بملف عقارات منطقة “تسلطانت”، دون استجابة من الموقع المذكور.

تستند هاته الخطوة إلى ترسانة قانونية مغربية ودولية صارمة تحمي الحق في الصورة والسمعة. ضمنها قانون الصحافة والنشر (88.13)، وتحديدا المواد المتعلقة بالقذف والتشهير ونشر أخبار زائفة، والتي تضع ضوابط صارمة لعمل المؤسسات الإعلامية. إضافة للفصول 442 إلى 448 من القانون الجنائي المغربي، الذي يعاقب على القذف والسب العلني والمس بالحياة الخاصة للأفراد. فضلا عن الفصل 28 من الدستور المغربي الذي يقر بحرية الصحافة ولكن يربطها بالمسؤولية واحترام القانون وأخلاقيات المهنة وضمان حقوق الغير.

وهكذا، فالقانون المغربي، لا سيما مدونة الصحافة والنشر والقانون الجنائي، يجرم “القذف والسب العلني” و”نشر الأخبار الكاذبة” و”الإضرار عمدا بالحياة الخاصة”. حيث تنص المادة 52 من مدونة الصحافة على أن “حق النقد مضمون”، لكنه يخضعها لشروط ضمنها “الصدق والموضوعية والتجرد وعدم التعمد للإضرار بالغير”.

كما أن النازلة تثير إشكالية عبئ الإثبات في قضايا التشهير، باختلاف المواقف القانونية. فبينما يرفع القضاء في بعض الأنظمة عبئ الإثبات على المدَعي (أن يثبت أن الخبر كاذب). تؤكد المادة 53 من المدونة على أن “الدفع بحسن النية… غير مقبول في مواد القذف والسب” إذا كان الصحافي لم يقم بالتحريات الأساسية، مما يضع عبئا أكبر على الناشر.

تجدر الإشارة، أن الساحة الإعلامية المغربية عاشت عدة قضايا مماثلة، انتهت بإدانة صحف ومواقع إلكترونية ودفع تعويضات معنوية ومادية للمتضررين. 

يطرح هذا الوضع تساؤلات حارقة حول “الخلفيات والأجندات” المحددة لهاته الخطوات من الجهتين. خاصة وأنها تتزامن مع مرحلة سياسية هامة من تاريخ “المغرب”. فهل يمارس الموقع دور “السلطة الرابعة” في كشف الحقائق، أم أنه سقط في فخ “التحامل الشخصي”؟. إن القضاء هو السلطة الوحيدة الكفيلة بفك شفرات هذا النزاع، باعتباره الحصن المنيع لصون حقوق الجميع دون تمييز، انسجاما مع مبادئ دولة الحق والقانون.

فالقرار يفتح الباب على مصراعيه لنقاش الحقوق والحريات. لأن رفع دعوى قضائية ضد مدير موقع “برلمان.كوم” وكل صحفي يثبت تورطه في نشر أو إعادة نشر تقرير يتضمن ادعاءات تم وصفها بـ”الاتهامات الخطيرة” و”العارية من الصحة”، يعتبر تصعيدا خطيرا. بل أن البلاغ الصادر في الموضوع عن “المنصوري” وعائلتها يؤكد انه لا يهدف إلى مصلحة مادية وأن ما ستنطق به المحكمة من تعويض مالي سيتم التبرع به بالكامل لمؤسسة خيرية. في خطوة رمزية تؤكد أن الدافع هو حماية السمعة وليس المكاسب المادية.

إذن، فهذا الحادث يعيد طرح سؤال جوهري على المشهد الإعلامي، مفاده، أين تنتهي حرية التعبير وتبدأ المسؤولية؟. كما أن النازلة تضع واجب الحياد والتحقق من صحة المعلومات على محك الاختبار. علما أن العائلة تتساءل عما أسمته، “خلفيات هذا التحامل المستمر”، معتبرة إياه خارجا عن “المقاربة الإعلامية المهنية المحايدة”، وهو ما يبقي القضية معلقة، في انتظار أن يجيب القضاء على هاته التساؤلات الشائكة.

وفيما يلي نص البلاغ الصادر عن المحامية والسياسية والعمدة والوزيرة “المنصوري” وعائلتها. 

“على إثر استمرار تداول ونشر مقال صحفي على موقع “برلمان.كوم” يتضمن ادعاءات واتهامات خطيرة تمس سمعتي وسمعة أفراد من عائلتي والمتعلقة بملف عقاري بمنطقة تسلطانت، أؤكد أن هذا الموضوع سبق أن كان محل تناول إعلامي خلال فترات سابقة.
وفي هذا الصدد، كنت باسمي وباسم أفراد عائلتي، قد أصدرت بلاغًا توضيحيًا للرأي العام، فندت من خلاله بشكل صريح ومفصل كافة الادعاءات المتداولة، مؤكدة أنها عارية من الصحة وتفتقر لأي أساس قانوني أو واقعي.

وانطلاقا من روح المسؤولية والرغبة في التهدئة، اخترت في مرحلة أولى عدم اللجوء إلى القضاء معتبرة بأن هذه التوضيحات كفيلة بوضع حد لتداول هذه الأخبار الزائفة، غير أنه وأمام استمرار نشر وترويج هذه المعطيات، أعلن وأشقائي بشكل صريح أننا قد قررنا مباشرة الإجراءات القانونية اللازمة، وذلك من خلال رفع دعاوى قضائية ضد مدير موقع “برلمان.كوم”، وكذا ضد كل صحفي مرتبط بهذا الموقع ثبت تورطه في نشر أو إعادة نشر هذه الادعاءات التي نعتبرها تشهيرية ومسيئة، كما نعلن أن أي تعويض عن الضرر قد يقضي به القانون سيتم التبرع به لمصلحة مؤسسة خيرية.

يأتي هذا الإجراء في إطار حماية حقوقنا القانونية وصون سمعتنا، وانسجاما مع مقتضيات دولة الحق والقانون، مع التأكيد على أن حرية التعبير، في دستور المملكة وفي كل المواثيق الدولية، تظل مشروطة باحترام القانون وأخلاقيات مهنة الصحافة، وعدم المساس بسمعة الأشخاص عبر نشر معلومات غير دقيقة أو غير مثبتة.

واعتبارا لكل هذه المعطيات، نطرح كمتضررين تساؤلًا مشروعًا حول خلفيات هذا التحامل المستمر ضد شخصي وأفراد من عائلتي من طرف هذا الموقع، رغم صدور بلاغ توضيحي سابق، متسائلين عمّا إذا كان هذا الإصرار يندرج ضمن مقاربة إعلامية مهنية محايدة، أم أنه يعكس توجهات أو أجندات معينة لا تسعى لخدمة الحقيقة، وهو ما يستدعي توضيحًا للرأي العام في إطار الشفافية والمسؤولية”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.