أثارت فاجعة حادثة السير المؤلمة التي تعرضت لها حافلة للنقل المدرسي، بمنطقة “أولماس” بإقليم “الخميسات”. غضبا عارما واحتقانا واسعا لدى الساكنة المحلية والفعاليات المدنية بـ”جهة الرباط-سلا-القنيطرة”. مفجرة انتقادات لاذعة ومباشرة لرئيس “المجلس الجماعي لأولماس”. مسائلة إياه حول أولويات تدبير الميزانيات العمومية بالجماعة الترابية.
وهكذا، فقد انفجرت هاته الفاجعة موجة من التنديد، مع ما خلفته من نتائج بشرية خلفت وجعا وسط الساكنة المحلية وغضبا مجتمعيا.
تجدر الإشارة، أن الحادثة نجمت عن انقلاب حافلة متوسطة كانت تقل على مثنها 41 راكبا. مخلفة مصرع ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين بإصابات تراوحت بين الخطيرة والمتوسطة و الخفيفة.
عقب الحادث الأليم، عبرت ساكنة وعائلات الضحايا عن استنكارها الشديد لـ”سوء توزيع الفوائض المالية والميزانيات المرصودة”. متهمين رئاسة المجلس الجماعي بتقديم الدعم المالي المفرط للمهرجانات والمواسم على حساب سلامة وأرواح أبناء المنطقة.
واقعة فجرت مجموعة من الأسئلة ذات الصلة بسياسة العدالة المجالية الصحية وتعزيز الشبكة الصحية وتأهيلها. فضلا عن واقع حال الشبكة الطرقية المتهالكة والتي أصبحت تشكل مطبات موت لعابريها.
يأتي كل ذلك، في ظل مجلس أخد على عاتقه مهام تبديد الموارد العامة في المهرجانات. الأمر الذي أثار استهجان الساكنة. فتخصيص مبالغ مالية ضخمة تقارب 700 مليون سنتيم لتنظيم المهرجانات المحلية، في وقت يئن فيه قطاع التعليم والخدمات الأساسية تحت وطأة الخصاص، يفرض أكثر من مساءلة.
كما طرحت الواقعة مسألة اهتراء أسطول النقل المدرسي. مع غياب الصيانة الدورية واهتراء مركبات النقل المدرسي التي تجوب تضاريس “أولماس” الجبلية الوعرة ومنعرجاتها الخطيرة. ما يجعلها قنابل موقوتة تهدد حياة المتعلمين.
مآس إنسانية تستوجب تحديد المسؤوليات وتفعل منطوق الدستور المتصل بالمساءلة والمحاسبة. محملة رئيس جماعة “أولماس” الترابية مسؤوليته السياسية والأخلاقية كاملة فيما حصل. معتبرين أن ميزانية مهرجان واحد كانت كافية لتجديد أسطول النقل المدرسي بالكامل وتأمين شروط “المدرسة المأمونة”.
واقعة تضع رئيس “جماعة أولماس” ومكتبه المسير في مواجهة مباشرة مع المقتضيات التشريعية المؤطرة لاختصاصات المجالس المنتخبة. خاصة “القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات”، وتحديدا المواد التي تلزم المجالس بتقديم وتدبير الخدمات الأساسية ذات الطابع الاجتماعي. من بينها المساهمة في توفير النقل المدرسي ومحاربة الهدر المدرسي بالوسط القروي كأولوية تسبق الأنشطة الترفيهية. فضلا عن “قانون الحكامة المالية” و”ربط المسؤولية بالمحاسبة” الدستوريين. المشددين على وجوب خضوع ميزانيات الجماعات الترابية لرقابة “المفتشية العامة للإدارة الترابية” و”المجالس الجهوية للحسابات” للتأكد من مدى نجاعة النفقات وملاءمتها للمصالح الحيوية والآنية للمواطنين.
في سياق متصل، تشترط “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH)” التقائية المشاريع بين المجالس المنتخبة والسلطات الإقليمية لتوجيه الدعم المالي نحو البنيات التحتية الحساسة. وفي مقدمتها النقل المدرسي وتأهيل المحاور الطرقية المؤدية للمؤسسات التعليمية.
فاجعة تفرض على السلطات أن تفتح أعينها التي لا تنام على واقع تدبير الجماعات الترابية. فتخصيص مئات الملايين لتنظيم مهرجانات عابرة، في وقت يغامر فيه أطفالنا بأرواحهم يوميا للوصول إلى فصول الدراسة عبر حافلات مهترئة. هو مظهر صارخ من مظاهر غياب الحكامة وتزييف أولويات التنمية القروية. فدماء تلاميذ “أولماس” تعيد بقوة إلى الواجهة النقاش الوطني ضرورة وضع حد لـ”بهرجة المجالس الترابية”. تفعيلا لسلطة الرقابة الإدارية على ميزانية الجماعات الترابية. وفرض إعادة توجيه الاعتمادات المالية نحو القطاعات الاجتماعية الحيوية كالصحة والتعليم والنقل المدرسي. لأن تحصين أرواح أجيال المستقبل يقتضي التحلي بالمسؤولية الوطنية الحقة وقطع الطريق على المال المهدور تحقيقا لكرامة مواطنية فعلية.