الخميسات: تلويح مستشار بالاستقالة يفجر ملفي “العدالة المجالية” وتوزيع المشاريع بالإقليم

نور الدين اعبابرن

نور الدين اعبابرن

 

عاشت قاعة الاجتماعات بمقر عمالة إقليم “الخميسات”، غليانا سياسيا، وسط نقاش حاد غير مسبوق. عقب إعلان أحد أعضاء المجلس انسحابه من أشغال الدورة العادية للمجلس الإقليمي. ملوحا، في الوقت نفسه، بتقديم استقالته بصفة رسمية. وذلك احتجاجا على ما وصفه بـ”غياب الإنصاف والشفافية” في توزيع وبرمجة المشاريع التنموية والخدماتية بين الجماعات الترابية المكونة للإقليم.

الواقعة تطورت سريعا، لتتحول لمادة دسمة للنقاش وسط المهتمين بالشأن المحلي بـ”جهة الرباط-سلا-القنيطرة”. حيث لم تقف فصولها عند حدود المواقف السياسية المعزولة. بل أعادت إلى الواجهة المساءلة القانونية والمؤسساتية لمعايير الحكامة المعتمدة في تدبير “ميزانية الإقليم”. فضلا عن مدى التزام المنتخبين بالدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمواطنين، بعيدا عن منطق “الولاءات الانتخابية” أو الإرضاءات الضيقة.

امتعاض من الإقصاء من مشاريع تنموية

خلال المداخلات المخصصة لمناقشة النقاط المدرجة في جدول أعمال دورة المجلس. فجر أحد المستشارين بنبرة غاضبة الحدث. بعدما كشف عما أسماه “إقصاء الجماعة الترابية التي يمثلها من حصتها المفترضة من الاعتمادات والمشاريع البنيوية”، التي كانت تنتظرها الساكنة المحلية بفارغ الصبر.

وأوضح ذات العضو، أن جماعته لم تستفد من مشاريع كانت منتظرة. في وقت استفادت جماعات أخرى من اعتمادات ومشاريع مماثلة. معتبرا أن الوضع القائم يطرح تساؤلات حول معايير برمجة وتنزيل المشاريع على مستوى الإقليم.

وأفاد العضو نفسه، بوجود ما أسماه “تفاوتا صارخا وبونا شاسعا في عملية تنزيل المشاريع”. مبرزا أن جماعات معينة حظيت بنصيب الأسد من اعتمادات ومشاريع مماثلة. فيما تم إدراج جماعات أخرى ضمن “قائمة الانتظار الدائم”، وفق إفادته. معتبرا أن الوضع القائم “يضرب مبدأ التوازن الترابي في مقتل”. معلنا، في الوقت نفسه، انسحابه ومقاطعته لأشغال الدورة.

وأضاف ذات المتحدث، أن الساكنة تنتظر حلولا عملية لمشاكلها التنموية. مؤكدا أن المنتخبين مطالبون بالدفاع عن مصالح المواطنين. وضمان استفادة مختلف المناطق من فرص التنمية بشكل متوازن.

في خضم النقاش المحتدم، أعلن العضو انسحابه من أشغال الدورة، ملوحا بتقديم استقالته من المجلس. احتجاجا على ما وصفه، عدم الاستجابة للمطالب التي سبق أن طرحها لفائدة جماعته.

وأضاف قائلا: إن الساكنة تنتظر حلولا عملية لمشاكلها التنموية. مبرزا دور المنتخبين في الدفاع عن مصالح المواطنين، وضمان استفادتهم من فرص التنمية بشكل متوازن.

واقعة تنقل إلى الواجهة دور ممثلي الأمة والساكنة في الدفاع عن قضايا المواطنين. وممارسة مسؤولياتهم الفعلية، لا تأثيث الفضاء وتأكيد القرارات الجاهزة. فيما المجلس، وتحديدا الأغلبية ملزم بتقسيم التنمية على كافة الجماعات تنزيلا للعدالة المجالية. وتجاوز الاعتبارات السياسية، عدم تاييد خط الرئيس. أو الاعتبارية الانتقامية، من خلال إحلال وسفك دم مناطق، لخروجها عن بيت الطاعة. وبالتالي ضرب حقها في التنمية في فعل انتقامي لا يرقى للتدبير المؤسساتي وللأصول الديمقراطية المتعارف عليها وطنيا وكونيا.

تجدر الإشارة أن القوانين التنظيمية للمملكة المغربية تضع إرساء “العدالة المجالية” في صلب ممارسات المجالس المنتخبة. ضمنها “القانون التنظيمي رقم 112.14″، المتعلق بالعمالات والأقاليم. الذي ينص صراحة على أن الاختصاصات الذاتية للمجلس الإقليمي تتمحور أساسا في النهوض بالتنمية الاجتماعية ومحاربة الإقصاء والهشاشة في الوسط القروي. فضلا عن توفير البنيات التحتية الأساسية، من ماء وكهرباء ومسالك القروية…، وفق مبدأ “الإنصاف الترابي”.

ويؤكذ ذات القانون على اعتماد، مبادئ التدبير الحر، التعاون والتضامن. محددا الاختصاصات والصلاحيات المنوطة بالعمالات والأقاليم. ضمنها تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية. هاته الأخيرة تنقسم لاختصاصات ذاتية، تهم مجالات محددة منها: توفير النقل المدرسي في الوسط القروي، إنجاز وصيانة المسالك القروية، برامج محاربة الفقر والهشاشة وتشخيص الحاجيات الأساسية في مجالات الصحة والسكن والثقافة والرياضة. إضافة لاختصاصات مشتركة، تتضمن وضع برامج للنهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والرياضية والثقافية، وإنجاز بعض مشاريع البنية التحتية والمرافق بتنسيق مع الدولة والجهات. فضلا عن اختصاصات منقولة، تتلقاها العمالة أو الإقليم من الدولة وفق مبدأي التدرج والتحويل.

كما يؤكد ذات النص، على وجوب اعتماد الديمقراطية التشاركية والحكامة في التدبير. متيحا، في الوقت نفسه. للمواطنين والجمعيات حق تقديم عرائض للمطالبة بإدراج نقطة في جدول أعمال المجلس. 

في السياق نفسه، يلزم “البرنامج التنموي للإقليم/PDEP”. المجالس بوضع مخططات تنموية واضحة المعالم مبنية على تشخيص دقيق وتشاركي. ما يعني أن برمجة أي مشروع خارج هذا الإطار التعاقدي، أو تغليب كفة جماعة على أخرى دون معايير موضوعية، كالكثافة السكانية ومؤشرات الفقر. يعد عيبا شكليا وموضوعيا في التدبير.

جدير بالذكر، أن هذا البرنامج يعتبر الوثيقة المرجعية الأساسية للتخطيط الترابي. حيث يهدف إلى برمجة وإنجاز الأنشطة والمشاريع التنموية بتراب الإقليم لتحقيق تنمية مندمجة ومستدامة. استنادا إلى نهج تشاركي. من خلال مجموعة من العمليات. ضمنها التشخيص التشاركي، أي إنجاز تشخيص دقيق لحاجيات الإقليم وإمكانياته وموارده، بالاعتماد على مقاربة النوع وإشراك الفاعلين المحليين. فضلا عن تحديد الأولويات، أي ترتيب المشاريع والأنشطة بناء على الأولوية. مع مراعاة الخصوصيات المحلية (كالجبال والواحات). إضافة للتقدير المالي، أي إعداد برمجة مالية شفافة للموارد والنفقات التقديرية. إلى جانب الالتقائية والانسجام، أي ضمان التقاء وتنسيق المشاريع مع استراتيجيات الدولة، (مثل النموذج التنموي الجديد).

كما ينص على التتبع والتقييم، أي  إرساء آليات دورية لتتبع التنفيذ. مع إمكانية تحيين البرنامج ابتداء من السنة الثالثة من دخوله حيز التنفيذ.

تجدر الغشارة أيضا، أن تقارير صادرة، تؤكد أنه وعلى الرغم من قرب إقليم “الخميسات” الجغرافي من العاصمة الإدارية للمملكة. فإنه لا يزال يعاني من فجوات تنموية كبرى بين مرافقه الحضرية وعمقه القروي الشاسع، كما هو حال منطقة “زمور”، “الرماني” و”تيفلت”. وذلك في مجالات متصلة ببعض المسالك القروية ومؤشرات الربط بالشبكات الحيوية.

واقعة تفرض على الجميع العمل على القطع مع التدبير الارتجالي والموسمي للمشاريع. والانتقال الفوري نحو تنزيل فعلي لمبدأ “التضامن بين الجماعات”. علما ان القانون المغربي لا يعتبر المنصب الانتدابي تشريفا أو وسيلة لتوزيع المكتسبات الفئوية. بل مسؤولية وطنية ودستورية جسيمة تبتغي تلبية تطلعات المواطن البسيط. تماشيا مع التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك “محمد السادس”، نصره الله. الرامية إلى تثمين الرأسمال البشري وإعلاء راية دولة الحق، القانون والعدالة الترابية المستدامة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.