بقلم الكاتب الصحافي عبد الله العبادي/المختص في الشؤون العربية والإفريقية
كيف يمكننا أن نتعايش دون أن يتحول اختلافنا ومعتقداتنا وآرائنا المختلفة إلى صراعات تدمر المجتمع؟ هذا ما حاول علماء الاجتماع والفلاسفة البحث فيه، من أجل تعايش وعقد اجتماعي يصون الاختلاف.
الجواب عن هذا السؤال، عند “توماس هوبز” هو وسيلة للخروج من حالة الفوضى والصراع الدائم. أما “جون لوك”، فيراه ضمانا للحقوق الطبيعية وتقليصا للسلط الحاكمة. كما ربطه “جون جاك روسو” بالإرادة العامة ضمن أفق قانوني يفترض مساواة المواطنين.
في “المغرب”، بلد التسامح والتعايش والسلم. تعايش مسلمون ويهود وعرب وأمازيغ وأندلسيون… منذ عشرات القرون. ضمن فسيفساء ثقافية وفكرية متناغمة، صنعت أمجاد الأمة المغربية تحت سقف الملكية وإمارة المؤمنين.
هذه الروابط والاختلافات الثقافية تشكل غنى الموروث الحضاري للمملكة وأحد نقط قوتها. وإلى اليوم فالتراث المغربي والأكل المغربي والفن المغربي هو مزيج مركب من عراقة شعب أصيل.
لكن هناك، اليوم، من يريد إحداث خلل عميق يمس قواعد العيش المشترك ببلدنا، سواء من الداخل أو المشاريع المدفوعة الأجر من الخارج، وكلاهما لنفس الغرض. فعندما ينظر إلى الاختلاف على أنه تهديد، ويتحول الفعل السياسي من أداة للنقاش وبناء المجتمع إلى سلاح للتخوين ونشر التفرقة. فإن الخطر لا يقتصر على غياب الإعلام ولا على مفهوم حرية الرأي، بل يمتد إلى المس بالمكونات الأساسية للنسيج المجتمعي المغربي.
ففي اعتقادي، نحن أمام أخطار ممنهجة، وأجندات خارجية أحيانا ممزوجة بالعسل/السم، تنفدها أطراف في الداخل وفي الخارج همها تفرقة المغاربة وخصوصا مغاربة الخارج.
إننا أمام لحظة اختبار تاريخية لقدرتنا كمغاربة على التصدي ل “السوسة” التي تحاول التغلغل في الجسم المجتمعي. مطالبون، اليوم، بإعادة بناء المشترك بيننا قبل أن يتآكل أكثر، ونتحول إلى مجتمع تسوده الكراهية ويحكمه الانقسام.
علمنا التاريخ، أن المجتمعات التي تفرط في تماسكها المجتمعي المشترك، أو بصيغة سياسية في عقدها الاجتماعي. لا تدخل مباشرة في الفوضى، بل تمر أولا بمرحلة تآكل بطيء يبدأ من تآكل الثقة في المشترك. ما يضعف الرابط الأخلاقي والسياسي بين مكونات المجتمع. وعندما يضعف هذا الرابط، تصبح الكراهية أداة سهلة لإعادة تعريف الانتماء، وتكثر مفاهيم الوطنية ومسببات دحضها ويكثر الحديث عن مفاهيم أخرى مستوردة باسم الإيديولوجيات العنيفة التي تقسم أكثر مما تُوحد.
الخطر لا يكمن فقط في الاستقطاب السياسي، بل في الاستقطاب الفكري والإيديولوجي. حيث يتحول الاستقطاب إلى بنية دائمة لشريحة مهمة من المجتمع. فإذا ترسخت فكرة أن الشعب واحد، وأن الاختلاف قوة وليس شبهة، وأن النقد مهم، نمنع من يريد تحويل السياسة إلى صراع حول من يحتكر الوطنية.
كما أننا بصدد منع أن تصبح الكراهية والإقصاء قاعدة حياة المجتمع نفسه. وسيادة الإيديولوجيات التي تخون بعضها البعض. نكون أمام نموذج يعرف الوحدة والوطنية عبر الإقصاء، وينشر الفتن والتفرقة بين مكونات المجتمع ويهدد تماسكه. ويتم اختلاق أعداء جدد من أجل الانغلاق الهوياتي، وفي الإيديولوجيات التي تحتاج دائما إلى عدو كي تظهر تماسكها الوهمي، لن يكون أحد في مأمن من المخاطر.