أزمة “سبتة” تهز حكومة “سانشيز”: استخبارات حذرت ووزير الداخلية ينفي!

العدالة اليوم

العدالة اليوم

 

تحولت أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة “سبتة” المحتلة،  أواخر شهر يوليوز من السنة الجارية، إلى أزمة سياسية داخل الحكومة الإسبانية. بعدما ظهرت إلى العلن روايتان مختلفتان في شأن ما إذا كانت أجهزة الاستخبارات قد وجهت تحذيرا مسبقا من احتمال وقوع دخول جماعي للمهاجرين، أم لا.

في هذا السياق، وفي الوقت الذي أكدت فيه وزيرة الدفاع الإسبانية، “مارغريتا روبليس”. أمام “لجنة الدفاع” في مجلس النواب. أن “المركز الوطني للاستخبارات/CNI” نقل، في 29 يوليوز من العام الحالي، معلومات عن دعوات متداولة للدخول إلى “سبتة” سباحة، في اليوم الموالي. نفى وزير الداخلية، “فرناندو غراندي مارلاسكا”، وجود أي تقرير استخباراتي كان يتوقع ما حدث فعليا من دخول جماعي واسع. 

تبعا لهاته المعطيات الجديدة المتفجرة، فإن الجدل في “مدريد” لم يعد مقتصرا على كيفية تدبير الأزمة بعد وقوعها. بل انتقل لمقاربة سؤال أكثر حساسية مفاده: هل كانت الأجهزة الإسبانية تعرف الواقعة، قبل ساعات من اندلاعها، وكيف جرى تقييم تلك المعلومات؟.

“روبليس”: كانت هناك دعوات معروفة للدخول الجماعي

خلال مثولها أمام لجنة الدفاع بالبرلمان الإسباني، قالت “روبليس”: إن عناصر “المركز الوطني للاستخبارات” وأجهزة الاستخبارات العسكرية، كانوا يتابعون تطورات الوضع. مضيفة: أن المعلومات التي جرى جمعها تمت مشاركتها وتحليلها مع قوات الأمن ومندوبية الحكومة في “سبتة”.

وأكدت “روبليس”، أن دعوة للدخول سباحة للمدينة كانت متداولة، قبل 30 يوليوز من السنة الحالية. مبرزة أن أجهزة الاستخبارات نقلت هاته المعلومة إلى الجهات المعنية في المدينة. مشيرة، في الوقت نفسه، إلى أن مثل هذه الدعوات كانت معروفة، مع ارتفاع حالات محاولة الوصول للمدينة سباحة، خلال الأيام السابقة. 

ولم تكتف الوزيرة بالدفاع عن أداء جهاز الاستخبارات، بل أقرت بأن التعامل مع الأزمة تأخر. حيث قالت: إن هناك أمورا لم تجر بالشكل الصحيح. مقدمة اعتذارا لسكان “سبتة” عن التداعيات التي خلفتها الأزمة. 

“مارلاسكا”: لا وجود لتقرير يتوقع ما حدث

في الجهة المقابلة، قدم وزير الداخلية، “مارلاسكا”، رواية مختلفة. حيث قال، خلال الندوة الصحافية التي أعقبت اجتماع مجلس الوزراء: لم يكن هناك أي تقرير يتوقع حدوث التدفق الجماعي، الذي وقع في 30 يوليوز من السنة الجارية.

وأوضح أن وجود معلومات عن دعوات للهجرة، أو محاولات عبور. لا يعني بالضرورة امتلاك أجهزة الدولة معلومات استخباراتية تتنبأ بأزمة بالحجم الذي شهدته المدينة.

المثير في تصريحات “مارلاسكا”، تأكيده أنه لو كانت الأجهزة قد توقعت بالفعل سيناريو مماثلا لما حدث الأمر. لكان من الطبيعي رفع الأمر إلى أعلى مستويات القرار واتخاذ إجراءات استثنائية، بالنظر إلى تجربة ماي 2021. 

وقال “مارلاسكا”: إنه “لا يوجد أي تقرير” كان يتوقع ما حدث في 30 يوليوز. مؤكدا، في الوقت نفسه، أن أجهزة الاستخبارات قامت بعملها بمهنية ووفق القانون. 

خلاف حول وجود التحذير أم حول مستوى التحذير؟

في الإجابة عن هذا السؤال تكمن العقدة الأساسية. حيث أن المعطيات التي قدمتها “روبليس”، لا تعني بالضرورة أن جهاز الاستخبارات كان يمتلك، قبل الأزمة. تقديرا دقيقا لحجم الدخول الذي سيقع. إلا أن الوزيرة قالت، في الوقت عينه: إن هناك معلومات محددة حول دعوات للدخول سباحة، تم نقلها إلى الجهات المختصة.

فيما يميز “مارلاسكا” بين رصد دعوات أو مؤشرات للهجرة، وبين امتلاك معلومة استخباراتية موثوقة تتنبأ بعملية جماعية بحجم الأزمة التي وقعت.

تبعا لذلك، قد يكون الخلاف الحقيقي متعلقا بطبيعة المعلومة وقيمتها التنبؤية ومستوى الإنذار الذي كان ينبغي أن تنتج عنه. وليس بالإجابة على سؤال بسيط مفاده: هل وصلت معلومة أم لم تصل؟.

في سياق متصل، أكدت “روبليس” أن عمل أجهزة الاستخبارات لا يقتصر بالضرورة على تقارير مكتوبة. مبرزة أن المعلومات يمكن أن تنقل بطرق مختلفة. 

25 عميلا للاستخبارات الإسبانية في “سبتة”

كشفت “روبليس” عن وجود حوالي 25 عميلا، تابعين للمركز الوطني للاستخبارات، يعملون في المنطقة. ويتابعون، ضمن اختصاصاتهم، قضايا الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر. إضافة إلى ملفات أمنية وجيوسياسية أخرى.

في هذا السياق، قالت الوزيرة: إن المعلومات المتعلقة بالأزمة تم تقاسمها مع قوات الأمن ومندوبية الحكومة في المدينة. ما يطرح سؤالا سياسيا حول الكيفية التي انتقلت بها المعلومات بين مختلف الأجهزة؟. وكيف جرى تقييمها قبل اندلاع الأزمة؟. 

تحول “سبتة” من أزمة حدود إلى أزمة اختبار حكومي

لم تكن أحداث 30 يوليوز مفاجئة من حيث وجود ضغوط هجرة على المدينة. فقد تم تسجيل عدة محاولات للوصول سباحة لـ”سبتة”. والتي شهدت ارتفاعا، خلال الأسابيع السابقة.

في هذا، ووفق تقارير صحافية، فإن وزارة الداخلية كانت قد عززت حضور الحرس المدني في المدينة، خلال شهر يونيو من السنة الجارية. 

على الرغم من ذلك، فإن حجم التدفق، الذي وقع، في نهاية يوليوز من السنة الحالية، حول الوضع إلى أزمة استثنائية. مع وصول عشرات الآلاف من الأشخاص إلى “سبتة” المحتلة، خلال فترة قصيرة، وفق التقارير الإسبانية. وهو ما دفع السلطات لتعزيز الانتشار الأمني والعسكري في المدينة. 

من هنا، أصبح السؤال السياسي أكثر موضوعية: هل كانت المؤشرات المتوفرة كافية لرفع مستوى الاستعداد، أم أن حجم الحدث تجاوز كل التقديرات؟.

المعارضة الإسبانية تدخل على خط “حرب الروايات”

فتحت المواقف المتعارضة التي قمها الوزيران، شهية المعارضة الإسبانية، التي دخلت على الخط، في رد فعل سياسي منتظر.

في هذا الشأن، فقد طالبت أحزاب المعارضة، وعلى رأسها “الحزب الشعبي”، “روبليس” بتوضيح التناقض بين روايتها ورواية “مارلاسكا”، في شأن المعلومات التي سبقت الأزمة. بل وصل الأمر لطرح سؤال مباشر داخل البرلمان، حول أي من الروايتين تعكس الحقيقة. 

الأكيد، أن المعارضة تحاول استثمار الواقعة لتحقيق مكاسب سياسية. وبالتالي ممارسة الضغط على حكومة “بيدرو سانشيز”. فيما يحاول الوزراء المعنيون التأكيد على أن أجهزة الدولة تعاملت مع الوضع وفق المعلومات المتاحة لها، وبما ينسجم مع اختصاصاتها.

العامل المغربي في قلب التحقيقات

فضلا عن الأبعاد التي تم توضيحها، فقد أضافت العلاقات المغربية الإسبانية عنصرا جديدا للأزمة. خصوصا وأن موجة الدخول للمدينة انطلقت من التراب المغربي.

في هذا السياق، فقد ربطت وزارة الداخلية الإسبانية الأزمة بنشاط شبكات تهريب الأشخاص. فيما تستمر الأسئلة السياسية المحرجة حول طبيعة الظروف التي سمحت بهذا التدفق الكبير. 

في المقابل، فإن تحميل جهة معينة مسؤولية تنظيم أو توجيه الأحداث، يحتاج إلى أدلة وتحقيقات مستقلة. وهو ما لا يمكن استخلاصه من مجرد تداول دعوات عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

لماذا أصبحت الأزمة أكثر تعقيدا؟

تزامنت أزمة “سبتة” المحتلة مع تطور قضائي مهم في “إسبانيا” متصل بطريقة التعامل مع الأشخاص الذين يصلون إلى المدينتين المحتلتين سباحة.

في هذا الصدد، أشارت الإذاعة والتلفزيون الإسبانيان إلى حكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليوز 2026. يمنع تطبيق ما يعرف بـ”الإعادة الفورية” على الأشخاص الذين يصلون سباحة إلى “سبتة” و”مليلية”. مع التشديد على ضرورة احترام الضمانات القانونية، ذات الصلة. 

هذا العامل القانوني، ساهم في تعقيد طريقة تعامل السلطات مع الوافدين. خاصة في الحالات التي قد تتضمن طلبات حماية دولية أو أوضاعا تستوجب دراسة فردية.

تبعا لذلك، فإن إدارة الأزمة لم تعد مسألة أمن حدود فقط. بل أصبحت أيضا مرتبطة باللجوء، وحماية الحقوق الأساسية، والإجراءات الإدارية والقضائية المتعلقة بالأجانب.

تعزيز الانتشار العسكري

في مواجهة تداعيات الأزمة، كشفت “روبليس” أن عدد العسكريين المنتشرين في “سبتة” المحتلة تجاوز 3 آلاف عنصر. مع تعزيز الوحدات الموجودة في المدينة بعناصر قادمة من مناطق إسبانية أخرى.

يأتي هذا الانتشار، في إطار دعم السلطات المختصة ومراقبة المجالات البرية والبحرية. وليس باعتباره بديلا عن الاختصاصات المدنية للشرطة والحرس المدني.

في هذا السياق، فإن هاته التعبئة تكشف حجم الضغط الذي خلفته الأزمة على المدينة وعلى أجهزة الدولة الإسبانية.

أزمة أمنية أم إخفاق في التقدير؟

السؤال الذي سيبقى مفتوحا ومطروحا أمام الحكومة الإسبانية، لا يتعلق بعدد الأشخاص الذين وصلوا إلى “سبتة” فقط. بل بمدى قدرة منظومة الإنذار المبكر على تحويل المعلومات المتفرقة إلى تقدير واضح للمخاطر؟. فإذا كانت الدعوات معروفة قبل الحدث، كما تقول “روبليس”، فإن النقاش يصبح: لماذا لم تؤد هاته المعلومات إلى فرض إجراءات أكثر قوة؟. أما إذا كانت المعلومات لا تتجاوز رصد دعوات على شبكات التواصل الاجتماعي دون مؤشرات موثوقة على حجم المشاركة، كما يوحي بذلك موقف “مارلاسكا”. فإن السؤال يصبح: هل كان من الممكن عمليا توقع ما حدث؟.

هاته المفارقة بين الموقفين، تطرح حدود المسافة الفاصلة بين رصد مؤشر أمني والتنبؤ بأزمة هجرة جماعية.

“حرب الروايات” تخترق البرلمان

مع مثول وزراء أمام البرلمان الإسباني، يبدو أن أزمة “سبتة” دخلت مرحلة سياسية جديدة. حيث أن المعارضة تطالب بتحديد المسؤوليات. في ظل إقرار وزيرة الدفاع، بأن الاستجابة تأخرت وأن بعض الأمور لم تجر كما ينبغي، من جهة. وتمسك وزير الداخلية، بأن أجهزة الدولة تصرفت بمهنية، وأنه لم يكن هناك تقرير يتنبأ بالأحداث بالحجم الذي وقعت به، من جهة ثانية. 

في ظل هذا التباين، قد يصبح الكشف عن طبيعة المعلومات التي جرى تداولها، يومي 27 و29 يوليوز. وكيف تم نقلها وتقييمها، عنصرا أساسيا لفهم ما إذا كان الأمر يتعلق بسوء تقدير استخباراتي. أم بفشل في تحويل مؤشرات متفرقة إلى استجابة استباقية.

تبعا لذلك، فإن أزمة “سبتة” لم تعد مجرد ملف هجرة بين “المغرب” و”إسبانيا”. بل تحولت إلى اختبار جدي داخل الحكومة الإسبانية نفسها. في ظل تأكيد وزيرة الدفاع، بأن الاستخبارات كانت تتابع دعوات للدخول سباحة وشاركت المعلومات مع الجهات الأمنية. ونفي وزير الداخلية، مفيدا بعدم وجود أي تقرير يتنبأ بالتدفق الجماعي الذي وقع. 

هكذا، فبين الروايتين، يبقى السؤال الأكثر حساسية مفتوحا: إذا كانت المؤشرات موجودة قبل الأزمة، فهل كان الخلل في غياب المعلومات أم في طريقة قراءتها وتحويلها إلى قرار؟. الإجابة عنه ستحدد حجم المسؤولية السياسية والأمنية عن واحدة من أكبر أزمات “سبتة”، خلال السنوات الأخيرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.