محمد حميمداني
حذر مسؤولون كبار في المؤسسة العسكرية والأمنية “الإسرائيلية”، مما أسموه، ضغوطا متزايدة على “الجاهزية العملياتية للجيش”. في ظل استمرار العمليات العسكرية على جبهات متعددة، وما يرافق ذلك من استنزاف للمعدات والمخزونات والحاجة إلى صفقات تسليح وصيانة وإعادة تأهيل واسعة.
تتمحور هاته المخاوف، وفق ما أوردته صحيفة “يديعوت احرونوت” العبرية، حول خلافات تفجرت بين المؤسسة العسكرية ووزارة المالية، في شأن حجم التمويل المخصص للجيش. في وقت تواجه فيه “إسرائيل” تحديا يتمثل في الحفاظ على قدرات الجيش العسكرية وإعادة تكوين مخزوناته، بعد فترة طويلة من العمليات.
تحذير داخل المؤسسة الأمنية من وضعية الجيش
نقلت “يديعوت أحرونوت”، عن مسؤول أمني كبير قوله، عقب محادثات مغلقة: إن قسم الميزانيات في وزارة المالية “ضغط على المكابح بشكل كامل”. معتبرا أن الجيش بات أمام وضع بالغ الصعوبة من الناحية المالية.
وبحسب الرواية التي أوردتها الصحيفة، فإن المستوى السياسي ورئيس الوزراء، “بنيامين نتنياهو” أقرا بوجود فجوة مالية تقدر بنحو 40 مليار شيكل. مع توجيه بتحويل 15 مليار شيكل بصورة عاجلة. غير أن المسؤول نفسه قال: إن الأموال لم تصل إلى الجيش بالشكل المطلوب.
تبقى هاته الأرقام والتفاصيل، جزءا من الرواية التي نقلتها الصحيفة عن مصادر أمنية. في ظل غياب عرض علني شامل من جميع الأطراف يوضح حجم الفجوة المالية وآليات تمويلها.
المعدات والذخائر في قلب الأزمة
وفق ذات التقرير، فقد انعكست القيود المالية على عمليات إصلاح المعدات وإعادة تأهيل المنظومات العسكرية، التي تعرضت للاستهلاك، خلال هاته العمليات المتواصلة.
في هذا الصدد، تحدث ذات المسؤول الذي نقلت الصحيفة تصريحاته، عن وجود نقص في عدد كبير من المركبات الميدانية، بما فيها مركبات “هامر”. فضلا عن صعوبات مرتبطة بإصلاح الدبابات وإعادة المعدات المتضررة إلى الخدمة.
كما حذر من أن غياب رؤية مالية واضحة، قد يؤثر في قدرة الجيش على إبرام عقود تسليح جديدة. في ظل حاجة الجيش للمحافظة على مخزون كاف من الذخائر وقطع الغيار والمعدات الضرورية للاستمرار في العمليات.
صفقة “أباتشي” تفتح جبهة أخرى
لم تقتصر المخاوف التي أوردها التقرير على القوات البرية، بل امتدت إلى سلاح الجو.
وهكذا، وبحسب “يديعوت أحرونوت”، فإن صلاحية صفقة مرتبطة بمروحيات هجومية من طراز “أباتشي”، كانت “إسرائيل” تعمل على تطويرها مع “الولايات المتحدة” قد انتهت. بعدما واجهت الصفقة عراقيل مرتبطة بالموافقات والتمويل.
في هذا الشأن، يرى المسؤول الأمني الذي تحدثت الصحيفة إليه، أن تأخير مثل هاته الصفقات أو إلغاؤها، يمكن أن يؤدي، مستقبلا، لارتفاع تكاليف الشراء. فضلا عن خلق فجوات في بعض القدرات العسكرية والتأثير في العلاقات الدفاعية مع واشنطن.
خلاف حول الرقابة على الإنفاق
يعكس الخلاف الحاصل، جانبا آخر، يتعلق بالرقابة على الميزانية العسكرية.
هكذا، ووفق التقرير، فإن المؤسسة الأمنية ترفض الاتهامات الموجهة إليها، بالحصول على موازنات ضخمة من دون رقابة كافية. مشيرة لوجود آليات رقابية داخل منظومة الدفاع والمالية. بما فيها أجهزة محاسبية ورقابية تتابع الإنفاق العسكري.
يكشف هذا الجدل المحتدم، صعوبة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والإنفاق العسكري المرتفع من جهة. وضرورة إخضاع المال العام للرقابة والمساءلة من جهة أخرى.
حروب طويلة واستنزاف متراكم
تأتي الأزمة المالية القائمة، في سياق أوسع، يتمثل في استمرار الحرب والعمليات العسكرية التي يقودها جيش الاحتلال، لفترة طويلة. وما يترتب عن ذلك من تكلفة بشرية ومادية وتشغيلية كبيرة. لكون الحروب الممتدة لا تستهلك الذخائر والمعدات فحسب، بل تفرض أيضا نفقات مرتبطة بالصيانة، وإعادة التأهيل، والتدريب، واستبدال المعدات، وتوفير قطع الغيار، وتعويض النقص في المخزونات الاستراتيجية.
في جانب متصل، يصبح هذا الضغط أكثر وضوحا عندما تعمل القوات المسلحة على أكثر من جبهة في الوقت نفسه. إذ يتعين عليها المحافظة على قدرات مختلفة ومتزامنة، من الدفاع الجوي وحماية الحدود إلى القوات البرية والبحرية والعمليات الجوية.
في هذا السياق، لا بد من التوضيح، أن جيش الاحتلال “الإسرائيلي” يعاني من حالة إنهاك متزايد. مع تسجيل نقص في المعدات والآليات وقطع الغيار بسبب الأعباء القتالية الطويلة وأزمات الميزانية الدفاعية.
تمثل مظاهر هاته الأزمة اللوجستية والعملياتية، في تسجيل نقص في الدبابات والمركبات. حيث تواجه الوحدات المدرعة نقصا حادا في قطع الغيار والدبابات والمركبات العسكرية المحصنة. ما دفع بعض القوات للعمل سيرا على الأقدام. فضلا عن خروج كتائب عن الخدمة، حيث تشير توقعات بإخراج عدة كتائب دبابات من الخدمة بسبب عجز الصيانة، ونقص محركات ومكونات الآليات. إضافة لأزمة الموازنة، حيث تفجرت خلافات حادة بين المؤسسة الأمنية ووزارة المالية “الإسرائيلية” في شأن تمويل خطوط إنتاج الذخائر الحيوية والجاهزية للحروب الطويلة. إلى جانب ما يعانيه الجيش من نقص في الأفراد، حيث تسببت أعداد الجنود المتضررة، وضغط الاحتياط. في حصول صعوبات في تسيير المهام اللوجستية اليومية داخل القواعد العسكرية القريبة من جبهات القتال.
في هذا الشأن، تؤكد تقارير أوردتها “هيئة البث الإسرائيلية” و”صحيفة هآرتس”، أن هاته التحديات تهدد الجاهزية القتالية للقوات البرية في قطاع” غزة” رغم استمرار شحنات الدعم البحري.
الانتخابات تضيف حالة من عدم اليقين
حذر التقرير، من أن الفترة السياسية المقبلة، قد تزيد من صعوبة اتخاذ قرارات مالية بعيدة المدى. خصوصا إذا تزامنت الاستحقاقات الانتخابية مع استمرار الخلاف حول الموازنة الدفاعية.
هنا تبرز مسألة قانونية ومؤسساتية أساسية. لأن تمويل الجيش لا يرتبط فقط بالقرارات العسكرية، وإنما يخضع أيضا للإطار المالي الذي تقره المؤسسات السياسية المختصة. ما يجعل أي تأخير أو خلاف حول الموازنة، مؤثرا في قدرة الحكومة على الالتزام بعقود جديدة وتمويل احتياجات عاجلة.
الأولوية للمخزونات وقطع الغيار
نقل ذات التقرير، عن المؤسسة الأمنية قولها: إن بعض الاحتياجات لا تحتمل الانتظار، وفي مقدمتها تأمين مخزونات الذخيرة وقطع الغيار للمنصات البرية والبحرية. فضلا عن المعدات والوسائل المرتبطة بحماية الحدود.
تكتسب هاته المطالب، أهمية أكبر في ظل احتمال استمرار العمليات لفترات طويلة. لأن الجاهزية العسكرية لا تقاس بعدد المنصات الموجودة في الخدمة فقط. بل بقدرة الجيش على صيانتها وإعادة تشغيلها وتوفير الإمدادات اللازمة لاستمرار استخدامها أيضا.
واشنطن شريك رئيسي في التسليح
تبقى الولايات المتحدة عاملا محوريا في حسابات الدفاع “الإسرائيلية”، اتصالا بعمق التعاون العسكري القائم بين الجانبين. بل، والأدهى من ذلك، اعتماد “إسرائيل” على عدد من المنظومات والتجهيزات والصفقات الأمريكية.
من هنا، فإن أي تأخير في العقود أو المشتريات العسكرية يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز الجانب المالي الداخلي. لتصل إلى جداول التسليم والإنتاج والتحديث والتعاون الصناعي والدفاعي بين البلدين.
بين متطلبات الحرب وحدود الموازنة