“سلا” والسباق الانتخابي: الحد الفاصل بين البرامج وشبكات الوسطاء

العدالة اليوم

العدالة اليوم

 

تثير تحركات انتخابية متداولة بمدينة “سلا” جدلا في الأوساط المحلية، على خلفية حديث عن استعانة أحد المرشحين بعدد من الوسطاء ووجوه تنتمي لمجالات مختلفة. ضمنهم أشخاص يوصفون محليا بـ”السماسرة”، بينهم قدماء لاعبين وموظفون متقاعدون. بغاية “التأثير في اختيارات الناخبين”.

تظل هاته المعطيات، في غياب ما يؤكد صحتها، من مصادر مسؤولة وبوثائق مثبتة. مجرد ادعاءات متداولة تحتاج إلى التحقق والتدقيق. خاصة وأن أي اتهام يتعلق بالتأثير غير المشروع في إرادة الناخبين أو تقديم منافع مقابل التصويت لفائدة مرشح، يرتبط بمقتضيات قانونية وجنائية دقيقة.

هل الوسيط أقوى من البرنامج؟

يطرح الحديث المتداول عن هاته التحركات، في حال ثبوتها. سؤالا يتجاوز هوية المرشح أو طبيعة الأشخاص المحيطين به. متصل بحدود الوساطة في العملية الانتخابية.

فالتواصل مع المواطنين، وتنظيم اللقاءات، والاستعانة بأشخاص معروفين داخل الأحياء أو الفئات الاجتماعية. كلها ممارسات يمكن أن تدخل في صلب العمل السياسي المشروع، ما لم تقترن بممارسات محظورة قانونا. 

غير أن الإشكال يبدأ عندما تتحول الوساطة إلى وعد بمنافع أو هدايا أو تبرعات أو وظائف أو امتيازات بهدف التأثير في التصويت. وهي ممارسات وضع لها المشرع المغربي مقتضيات زجرية صريحة. 

في هذا السياق، تنص “المادة 62 من القانون التنظيمي رقم 27.11″، المتعلق بـ”مجلس النواب”، كما تم تغييرها وتتميمها بـ”القانون التنظيمي رقم 53.25″. على العقوبات المتعلقة بالجرائم الانتخابية وإمالة اصوات الناخبين. التي تقضي بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات، مع أداء غرامة من 50 ألفا إلى 100 ألف درهم، في حق كل من يحصل أو يحاول الحصول على أصوات ناخبين بواسطة هدايا أو تبرعات نقدية أو عينية أو وعود بها. أو بواسطة وعود بوظائف أو منافع أخرى. بقصد التأثير في تصويتهم، سواء بصورة مباشرة أو بواسطة الغير. كما تمتد هاته العقوبة لتطال من يقبل أو يطلب هذه الهدايا أو الوعود، وكذلك من يتوسط في تقديمها أو يشارك فيها.

القانون وتجريم الوساطة

من المهم هنا، التمييز بين الوساطة الاجتماعية أو السياسية المشروعة. وبين الوساطة التي يمكن أن تتحول إلى وسيلة لاستمالة الناخبين بطرق غير قانونية.

فوجود لاعب سابق أو موظف متقاعد أو شخصية معروفة في محيط حملة انتخابية. لا يمكن أن يشكل، في حد ذاته، مخالفة قانونية. لأن المسؤولية القانونية يتم طرحها، عندما تثبت أفعال من قبيل تقديم المال أو الهدايا أو الوعود بالمنافع مقابل التصويت.

كما أن “المادة 64” من ذات القانون، المرتبطة بالجرائم الانتخابية وتأثير أساليب الإغراء المادي أو العيني في تصويت الناخبين. تجرم تقديم هدايا أو تبرعات أو وعود بها، أو بهبات إدارية لفائدة جماعة ترابية أو مجموعة من المواطنين أثناء الحملة الانتخابية. إذا كان الغرض منها التأثير في تصويت الناخبين. وذلك طيلة الفترة الانتخابية الممتدة من تاريخ نشر المرسوم المحدد لتاريخ الاقتراع وإلى غاية الإعلان عن نتائج الانتخابات. بل أن المشرع يضاعف العقوبة في الحالات المنصوص عليها في المواد 62 إلى 64 عندما يكون مرتكب المخالفة موظفا عموميا أو مأمورا من مأموري الإدارة أو الجماعة الترابية. ويوقع على المخالفين عقوبة حبسية من سنتين إلى خمس سنوات، مع غرامة مالية تتراوح بين 50.000 و100.000 درهم.  

الناخب ليس ورقة انتخابية

تكتسب المسألة حساسية أكبر في ظل اقتراب الاستحقاقات التشريعية. حيث يفترض أن تدور المنافسة حول البرامج والتصورات والحلول المقترحة لمعالجة قضايا المواطنين، لا حول الوعود الشخصية أو استغلال الحاجات الاجتماعية. 

في هذا السياق، يشدد القانون التنظيمي لـ”مجلس النواب” على: أن التصويت حق شخصي وواجب وطني. مقرا بمبدأ سرية التصويت داخل المعزل، بما يفترض أن يمارس الناخب اختياره بعيدا عن الضغط أو الإكراه أو التأثير غير المشروع.

من هذه الزاوية، فإن الحديث عن شبكات من الوسطاء، إذا ثبتت ممارسات غير قانونية مرتبطة بها. يطرح سؤالا جوهريا: هل يتعلق الأمر بمجرد تعبئة انتخابية عادية، أم بمحاولة منظمة للتأثير في إرادة الناخبين؟.

 الانتخابات والتيهان بين جدلية البرامج والوعود غير المتحققة

تتحدث روايات محلية، صادرة عن مواطنين، بأنهم كانوا ضحايا وعود انتخابية سابقة، لم يتم الوفاء بها. مطالبين بتوضيح حقيقة ما جرى. إلا أن هاته الإفادات، بدورها، تحتاج إلى تحديد أصحابها وتوثيقها. بل والأهم الوقوف على طبيعة الوعود التي قيل إنه تم تقديمها، ومتى تم ذلك، ومن قدمها، وما إذا كانت مرتبطة صراحة بالتصويت الانتخابي؟. 

لأن هناك فرق كبير بين وعد سياسي عام، يدخل ضمن البرنامج الانتخابي. وبين وعد بمنفعة شخصية أو عينية يقدم مقابل التصويت. الأمر الذي يجعل التوثيق أمرا حاسما، قبل إصدار أي حكم أو توجيه أي اتهام. 

تشديد قانوني على نزاهة العملية الانتخابية

تأتي هاته الأخبار المتداولة، التي عرضتها حسابات محلية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي. في سياق قانوني اتسم بتشديد إضافي لبعض المقتضيات المتعلقة بنزاهة العملية الانتخابية والمحتوى المتداول حولها، خلال عام 2026.

في هذا الشأن، فقد أضاف “القانون التنظيمي رقم 53.25″، المغير والمتمم “للقانون التنظيمي رقم 27.11”. مقتضيات متصلة بنشر الأخبار الزائفة والادعاءات والوقائع الكاذبة والمحتويات المزيفة، عندما يكون القصد منها التأثير على العملية الانتخابية أو المساس بالمرشحين والناخبين. وقد أقرت المحكمة الدستورية، دستورية هاته المقتضيات في قرارها “رقم 259/25″، الصادر في 24 دجنبر من عام 2025.

في السياق ذاته، فقد أقر ذات القانون عقوبة حبسية من سنتين إلى خمس سنوات، مع غرامة مالية تتراوح بين 50,000 و100,000 درهم. في حق كل من قام بالأفعال التالية خلال الفترة الانتخابية: بث أو توزيع تركيبات مفبركة، ضمنها استخدام وسائل تكنولوجيا الإعلام والتواصل لدمج أو توزيع أقوال شخص أو صورته دون موافقته الصريحة. فضلا عن تزوير المحتوى الرقمي الفيديوهات أو الصور أو المقاطع الصوتية بالذكاء الاصطناعي. إضافة لنشر أو بث أو نقل أخبار كاذبة وترويج مستندات مختلقة أومدلس فيها بغاية التشهير بالحياة الخاصة للناخبين أو المرشحين. أو ترويج وقائع وادعاءات كاذبة. إضافة للتشكيك في نزاهة الانتخابات، من خلال نشر أو ترويج محتويات كاذبة عبر منصات التواصل الاجتماعي، أو شبكات البث المفتوح، أو أي تطبيق رقمي. بهدف التشكيك في صدقية ونزاهة المسار الانتخابي. 

كل ذلك بهدف التصدي للتضليل الرقمي، عبر سد الفراغ القانوني المتعلق باستخدام تقنيات “التزييف العميق” (Deepfakes) وأدوات الذكاء الاصطناعي التي قد تؤثر في توجيه واختيارات الناخبين. إضافة لتخليق الحياة السياسية، بهدف إفراز نخب تتمتع بالثقة والشرعية وحماية المحطات الانتخابية من التشويش الممنهج.

نص أفرز نقاشا سياسيا وحقوقيا واسعا بخصوص الموازنة بين مكافحة التضليل من جهة، وضمان حرية النقد السياسي والتعبير المكفولين دستوريا من جهة أخرى. وهو الجدال الذي حسمت المحكمة الدستورية في دستوريته. من خلال قرارها الصادر الحامل “لرقم 259/25”.

خطوات تعكس تشديد المشرع الإجراءات القانونية، حماية لنزاهة المنافسة الانتخابية. مع تأكيد المحكمة الدستورية أن ذلك لا يمس الأنشطة الصحفية المهنية المشروعة التي تمارس مهامها بحسن نية، مستندة في ذلك على أدوات التحقق من المعلومات.

 القضاء الانتخابي: الإثبات قبل الاتهام

انطلاقا من هاته القناعة القانونية، فإن تداول أخبار أو اتهامات في الأوساط المحلية، لا يكون كافيا من الناحية القانونية لإثبات وقوع مخالفة. 

في هذا الصدد، فقد أظهرت سوابق قضائية انتخابية، أن الادعاءات المتعلقة باستمالة الناخبين أو استعمال وسائل غير مشروعة، لا تكون كافية لمجرد طرحها. لكونها تحتاج لوسائل إثبات يمكن للمحكمة تقييمها. 

يكتسي هذا المبدأ أهمية خاصة، في الحالة المثارة بمدينة “سلا”، والتي عرضتها صفحات عبر مواقع التواصل. لأن المطلوب ليس تداول الرواية فقط، بل توثيقها، سواء من خلال تصريحات مباشرة، أو وثائق، أو محاضر معاينة، أو شهادات قابلة للتحقق، أو غيرها من وسائل الإثبات التي يسمح بها القانون.

“سلا” واختبار المنافسة الانتخابية

فيما تتجه الأنظار للاستحقاقات المقبلة، يبقى الرهان الأساسي، هو أن تتم المنافسة في إطار يحفظ حرية الناخب في الاختيار، ويضمن أيضا تكافؤ الفرص بين المرشحين. فإذا كان للمرشح المعني رد على هذه المعطيات، فإن إتاحة المجال أمامه لتوضيح موقفه يظل جزءا أساسيا من القواعد المهنية للعمل الصحفي. خصوصا في ظل حساسية الاتهامات المتداولة.

أما في حالة ثبوت الادعاءات المقدمة، المتصلة بالحديث عن وجود وعود بمنافع أو هدايا أو أموال مقابل التصويت، وفق ما تداولته منصات عبر مواقع التواصل. فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف انتخابي أو صراع سياسي، بل قد يدخل في نطاق الأفعال التي رتب لها القانون التنظيمي عقوبات واضحة. 

في هاته الحالة، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه اتصالا بما تم تداوله عن “سلا”: هل ستظل البرامج والوعود السياسية هي محور المنافسة، أم أن شبكات الوسطاء ستفرض نفسها لاعبا موازيا في توجيه أصوات الناخبين؟. 

الإجابة، في جميع الأحوال، لا ينبغي أن يتم بناؤها على الإشاعات، وإنما على المعلومة الموثقة، والإثبات، والاحتكام للقانون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.