“مضيق هرمز” الجحيم المشتعل

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

جددت “الجمهورية الإسلامية الإيرانية” رفضها القاطع لأي شكل من أشكال التدخل الأمريكي في إدارة “مضيق هرمز”، أو الإشراف على حركة الملاحة البحرية عبره.

وأكدت السلطات الإيرانية، أن تأمين الممر المائي الحيوي هو مسؤولية حصرية تقع على عاتق الدول المشاطئة له. محذرة من أن أي محاولات دولية بقيادة “واشنطن” لفرض واقع جديد في “المضيق” ستواجه برد حازم.

جاء ذلك، بعد ساعات قليلة، من قرار طهران إغلاق “المضيق حتى إشعار آخر”، في أعقاب جولات من القصف الجوي المتبادل والمكثف بين الطرفين.

طهران تلوح بـ”فرض سيادتها” والتمسك ببدلات الخدمات

أوضحت الخارجية الإيرانية، في بيان رسمي. أن وضع الملاحة البحرية في “مضيق هرمز” لن يعود إلى سابق عهده. مشددة على ضرورة خضوع الممر المائي للإشراف الإيراني المباشر.

في هذا السياق، تتمسك “طهران” بحزمة من الشروط والمواقف الاستراتيجية. أهمها: إشرافها الحصري على المضيق، ورفض التواجد العسكري الأمريكي والتدخلات الغربية في إدارة وتوجيه حركة السفن عبره. فضلا عن حقها في فرض “بدلات خدمات”، أي دراسة إمكانية فرض رسوم وبدلات مالية مقابل تقديم الخدمات وتأمين عبور الناقلات. وهو المقترح الذي يلقى رفضا أمريكيا.
إضافة للالتزام بالممرات المعتمدة، وبالتالي محاسبة واستهداف أي سفن تجارية أو حاويات تتجاهل التعليمات الرسمية، أو تسلك مسارات غير معتمدة من قبل السلطات الإيرانية.

تصعيد ميداني يهدد مسار الوساطة الدولية

يأتي هذا الموقف الإيراني المتصلب، تزامنا مع تسارع الأحداث الميدانية، إثر قيام “الحرس الثوري” باستهداف قواعد عسكرية أمريكية في دول الخليج و”الأردن”، بصواريخ بالستية ومسيرات. ردا على قصف جوي أمريكي طال نحو 140 هدفا على الساحل الإيراني.

تلاسن سياسي وعسكري بنسف مذكرة التفاهم الموقعة، منتصف يونيو الماضي. برعاية باكستانية وقطرية، الهادفة لوضع حد للحرب الإقليمية الدائرة، منذ فبراير المنصرم.

شريان الطاقة العالمي تحت رحمة السلاح

يشكل “مضيق هرمز” الشريان الرئيسي الأبرز لصادرات النفط والغاز العالمية من منطقة الخليج. حيث تعتبر “واشنطن” وحلفاؤها الغربيون والاقليميون أن حرية الملاحة فيه خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

ويرى مراقبون أن إصرار “طهران” على إغلاق المضيق، أو التحكم في إدارته. يمثل ورقة ضغط اقتصادية قوية ترفع أسعار النفط الخام وتجبر الأسواق الدولية على اللجوء إلى احتياطاتها الاستراتيجية. ما يضع المجتمع الدولي أمام تحد معقد للوصول إلى صيغة دبلوماسية تضمن تدفق الطاقة العالمي. وتنزع بالتالي فتيل المواجهة المسلحة الشاملة.

تعود جدور هذا التوثر القائم، لما يشكله “مضيق هرمز” من أهمية، باعتباره نقطة ارتكاز محورية في الصراع الجيوسياسي المستمر بين “إيران” و”الولايات المتحدة الأمريكية”، منذ عقود. حيث تعود جذور هذا التوتر إلى موقع المضيق الاستراتيجي باعتباره أهم ممر مائي لنقل الطاقة في العالم. فضلا عن تداخل الصلاحيات السيادية مع حرية الملاحة الدولية فيه.

الأهمية الاستراتيجية والعالمية للمضيق

يعتبر “مضيق هرمز” شريان الطاقة العالمي، إذ يمر عبره نحو 20% إلى 30% من إجمالي النفط المنقول بحرا في العالم، أي ما يعادل قرابة 17-21 مليون برميل يوميا. فضلا عن كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال. وبالتالي فإن حدوث أي اضطراب فيه سيؤثر فورا على أسعار الوقود والاقتصاد العالمي.

موقع مضيق “هرمز” الجغرافي 

يقع “مضيق هرمز” بين “إيران”، شمالا، و”سلطنة عمان” و”دولة الإمارات”، جنوبا. ونظرا لضيقه، تقع ممرات الملاحة الدولية فيه ضمن المياه الإقليمية لهاته الدول. ما يعطي “طهران” تبريرا قانونيا لمراقبة وتنظيم حركة المرور. فيما تتمسك “واشنطن” بمبدأ “المرور العابر” الآمن للسفن التجارية والحربية.

سياق وأدوات الصراع بين واشنطن وطهران

تستخدم كل من “إيران” و”الولايات المتحدة” مضيق “هرمز” كمنصة لتوجيه الرسائل السياسية والعسكرية. حيث تكرر “إيران”، عبر مسؤوليها السياسيين والعسكريين. التهديد بإغلاق المضيق كـ”ورقة ضغط” نهائية في حال تعرضها لهجوم عسكري مباشر، أو منعها من تصدير نفطها بسبب العقوبات الأمريكية.

في الشأن ذاته، تعتبر “الولايات المتحدة” ضمان حرية الملاحة في “المضيق” مصلحة وطنية عليا. حيث تتمركز القيادة المركزية الأمريكية/CENTCOM” و”الأسطول الخامس” في “البحرين” لمراقبة التحركات الإيرانية وتأمين السفن.

 أبرز محطات التصعيد والمواجهة

شهد المضيق عدة دورات من التوتر الشديد، أهمها: حرب الناقلات، خلال فترة الثمانينيات. فخلال “الحرب العراقية الإيرانية”، تبادل الطرفان استهداف ناقلات النفط في الخليج و”المضيق”. ما دفع “الولايات المتحدة” للتدخل عسكريا لحماية الناقلات الكويتية، ضمن ما يسمى “عملية إيرنست ويل”. كما أن إسقاط طائرة ركاب إيرانية عام 1988 من قبل سفينة حربية أمريكية فوق المضيق. أدى لمقتل 290 شخصا، ما زاد من حدة الحقد التاريخي.

توترات تصاعدت بعد انسحاب إدارة “ترامب” من الاتفاق النووي، الذي امتد ما بين عامي 2018 و2020. فضلا عن فرض عقوبات مشددة على “إيران”. كما تكررت حوادث استهداف واحتجاز ناقلات نفط غربية، وإسقاط طائرات مسيرة متبادلة. فضلا عن تسجيل احتكاكات بحرية بين زوارق الحرس الثوري والسفن الأمريكية.

وعصارة التصعيد، عرفتها عام 2026 مع العدوان الامريكي الإسرائيلي، على “إيران”. مع ما تبع ذلك من إعلان “طهران” إغلاق “المضيق حتى إشعار آخر”، ردا على “التدخلات الأمريكية”. فيما تؤكد “واشنطن” أن الممر لا يزال مفتوحا وأن قواتها تحمي الملاحة.

تداعيات وسيناريوهات إغلاق “مضيق هرمز”

من المنتظر، أن يؤدي أي إغلاق فعلي للمضيق، حتى لو كان جزئيا أو قصير الأمد. إلى قفزة تاريخية في أسعار النفط، وحدوث اضطراب في سلاسل التوريد العالمية. ما قد يجر العالم إلى ركود اقتصادي. فضلا عن خطر اندلاع حرب شاملة، إذ تحمل أية احتكاكات عسكرية في “المضيق” خطر “الانزلاق” غير المقصود إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق بين “إيران” و”الولايات المتحدة” وحلفائهما الإقليميين.

توترات تدفع الدول المنتجة للبترول، ضمنها “السعودية” و”الإمارات”. والمستهلكة إلى البحث عن مسارات بديلة لنقل النفط عبر خطوط أنابيب برية تتجاوز المضيق، إلى “البحر الأحمر” أو “بحر العرب”.

وكانت “القوات المسلحة الإيرانية” قد أعلنت، الاثنين. أنها لن تسمح “للولايات المتحدة” بالتدخل في إدارة “مضيق هرمز”، في ظل تجدد الأعمال القتالية بين “طهران” و”واشنطن”.

في هذا السياق، قال المتحدث باسم مقر “خاتم الأنبياء”، في رسالة مصورة: إن طهران “لن تسمح تحت أي ظرف” للولايات المتحدة بالتدخل في إدارة هذا الممر المائي الاستراتيجي. محذرا دول الخليج من أن أي تعاون مع واشنطن سيعد “عملا حربيا”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.