بقلم بدر الدين آيت الخوي
لن أبدأ هذا المقال بتقديم تعريف للتوحد، أو أعراضه وخصائصه، لسبب بسيط، وهو أن التوحد لم يعد موضوعا غامضا أو من المحرمات، (تابو). بنقرة واحدة على “جوجل” أو باستخدام الذكاء الاصطناعي، ستحصلون على جبل من المعلومات حول هذا الاضطراب.
أنا أب لشاب مغربي، مصاب بالتوحد، يبلغ من العمر 19 عاما. وهو، مثل جميع الأشخاص ذوي التوحد في المملكة الذين يقدر عددهم بـ 780,000 شخصا. يتعايش يوميا مع هذا الطيف، محاولا تجاوز الصعوبات التي تعيق وتحد من إدماجه الاجتماعي.
أتناول موضوع التوحد، من خلال مشاركة وجهات نظري معكم. متحدثا بقبعات مختلفة لتوضيح هذا اللغز الذي قلب حياة آلاف الأسر رأسا على عقب، بعد مرحلة تشخيص أحد أطفالها كحامل لطيف التوحد. أتدخل أولا بقبعة الأب، ثم بقبعة الفاعل الجمعوي والمدافع عن حقوقهم، وأخيرا بصفتي أستاذا.
أب لشاب مصاب بالتوحد في المغرب: راض أم غير راض؟
للإجابة على هذا السؤال، سأكون مضطرا للعودة بالذاكرة، (فلاش باك)، لعام 2010. وهو العام الذي تم فيه تشخيص حالة ابني “محمد”، البالغ من العمر آنذاك 4 سنوات. ليتبين من خلالها أنه مصاب بطيف التوحد.
بعد 16 عاما من البحث كل يوم لفهم وضعية ابننا. والمناورة لإيجاد حلول للصعوبات اليومية التي كنا نواجهها في طريقنا. 16 عاما من محاولة فهم ما يجب علينا فعله للخروج بأقل الأضرار. 16 عاما لمحاولة تركيب هذه الأحجية التي تجمع بين: التوحد، رعاية الأشخاص ذوي التوحد، التوعية، دور الوزارات الوصية، المجتمع المدني والمجتمع المغربي.
وجدت نفسي في خلاصة هذا المشوار، اليوم، مع شاب مواطن توحدي، يبلغ من العمر 19 عاما. لم يعد له الحق في ارتياد مدرسة دامجة، في مجتمع يفتقر تماما لأي بنيات تحتية ملائمة ومخصصة للشباب والبالغين من ذوي التوحد. ومع مجتمع مدني مكبل اليدين، وحكومة صماء بكماء عمياء، عندما يتعلق الأمر بوضع مخطط وطني للتوحد يمكن آلاف الأشخاص المصابين بالتوحد من الحصول على الحد الأدنى من حقوقهم كمواطنين. وبالتالي ضمان عيشهم بكرامة، وتخفيف الفاتورة الثقيلة للرعاية التي يضطر الآباء لدفعها دون أي تعويض أو دعم ملائم.
راضٍ أم غير راضٍ؟ الأمر متروك لكم للحكم والإجابة
النضال من أجل إيصال صوت الأشخاص ذوي التوحد في المغرب: هواية أم احترافية؟
إن النضال من أجل حقوق الأشخاص ذوي التوحد، مهمة بالغة الصعوبة، عندما تجد نفسك في مجتمع تفرض عليك فيه العديد من الظروف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، سلوك طريقين مختلفين. لكنهما يؤديان معا إلى نفق مسدود.
رصيف المجتمع المدني
على أرض الواقع، هناك أكثر من مائة جمعية مرخص لها من طرف الدولة للنضال من أجل حقوق الأشخاص ذوي التوحد في “المغرب”. وهو ما ينبغي أن يشكل ورقة ضغط قوية على الحكومة. لكن للأسف، ورغم هذا العدد الكبير. لم تتمكن هاته الجمعيات من فرض وجودها الفعلي على الميدان.
الأسوأ من ذلك، أن مجموعة من الجمعيات تعمل بوسائل بسيطة للغاية. في ظل نقص حاد في الموارد البشرية المؤهلة في مجال رعاية الأشخاص ذوي التوحد. وذلك في مواجهة العدد المتزايد باستمرار للأشخاص الذين يتم تشخيصهم بطيف التوحد.
كل هاته المعطيات، تضع هاته الجمعيات في موقف حرج أمام الآباء. مجبرة إياها على وضع هؤلاء المصابين في قوائم الانتظار، أو دفعهم للجوء إلى رعاية خاصة مكلفة جدا ماديا.
رصيف الحكومة والوزارات الوصية
بإلقاء نظرة على الدستور المغربي والقوانين المصاحبة له، سنلاحظ أن “المغرب” التزم باحترام حقوق كل مواطن، بما في ذلك الأشخاص من حاملي طيف التوحد. غير أن الاحتكاك المباشر بآباء الأشخاص ذوي التوحد والاستماع لشهاداتهم سيخبرنا عكس ذلك تماماً.
فحتى هاته الساعة، لا يتوفر الأشخاص في وضعية إعاقة بشكل عام على “بطاقة الإعاقة” التي تمكنهم من الحصول على الخدمات التي يحتاجونها. كما لا يوجد مخطط وطني خاص بالتوحد يضمن الحد الأدنى من الحقوق والخدمات لهاته الفئة.
بالتأكيد، لا يمكننا إنكار وجود بعض المبادرات المحدودة جدا من طرف وزارة التربية الوطنية في إطار التعليم الدامج. وكذا من طرف وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة. مع تسجيل غياب التام لوزارة الصحة. لكن كل شيء يسير ببطئ شديد، أي بسرعة السلحفاة. ما يعطي الانطباع بأنه لا يوجد أي عمل ملموس ينجز على أرض الواقع.
رصيف الآباء في انتظار حلول حقيقية لا وعود كاذبة
أكثر من 780,000 شخص مصاب بالتوحد في “المغرب”، وهو رقم تقريبي لعدم وجود بيانات دقيقة. لكن المؤكد أن وراء هذا الرقم يوجد رقم مماثل لآباء يعانون الأمرين لتقديم المساعدة لأطفالهم التوحديين، وضمان رعاية اجتماعية وطبية وعلاجية لهم.
رغم كل هاته العقبات التي يواجهونها، يظل الآباء متمسكين بالأمل في أن تتغير الأمور مستقبلا، وأن يكون مستقبل الأشخاص ذوي التوحد في المملكة مشابهاً أو أفضل من أولئك الذين يعيشون في بلدان أخرى. التي يعتبر فيها المواطن فاعلا نشطا منتجا له الحق في كافة حقوقه المدنية دون أدنى تمييز.
الحل الأخير المنقذ تدخل ملكي