هل تصمد المرأة التونسية أمام عاصفة السياسة؟: “موسي” و”الدهماني” في قلب معركة الحريات
العدالة اليوم
العدالة اليوم
تجد المرأة التونسية نفسها، بعد مرور أكثر من عقد من الزمن على ثورة 2011، أمام مفارقة سياسية وقانونية لافتة. فمن جهة، فقد راكمت البلاد، خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي، نصوصا وتشريعات عززت حضور “النساء” في الحياة العامة. فضلا عن حمايتهن من أشكال متعددة من العنف والتمييز. ومن جهة أخرى، تواجه المشاركة النسائية، اليوم، تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية. في ظل تضييق متزايد على المجال العام وحرية التعبير، وفق ما اوردته منظمات حقوقية.
الأمر هنا، لا يقف عند حدود وضعية النساء داخل الأسرة أو سوق العمل فحسب. بل يتعداه لطرح سؤال أوسع: هل تستطيع المرأة التونسية أن تحافظ على موقعها كفاعل سياسي وحقوقي وإعلامي في فضاء عام تتزايد فيه القيود؟.
من ثورة 2011 إلى دستور 2014 ماذا تحقق؟
مثلت ثورة 2011 نقطة تحول هامة في الحياة السياسية التونسية. حيث فتحت المجال أمام مشاركة أوسع للنساء في الأحزاب والمجتمع المدني والمؤسسات المنتخبة. قبل أن يكرس دستور 2014 جملة من المبادئ المتعلقة بالمساواة وحماية حقوق المرأة المكتسبة.
كما عزز الإصلاح الانتخابي مبدأ المناصفة، من خلال تنصيصه على المناصفة الرأسية والأفقية في القوائم الانتخابية، بالنسبة للانتخابات المحلية. ما أسهم في رفع حضور النساء داخل المؤسسات المنتخبة.
في هذا السياق، فقد أظهرت انتخابات المجالس البلدية لعام 2018 حجم هذا التحول. حيث بلغت نسبة النساء المنتخبات قرابة 47% من مقاعد المجالس البلدية. وفق بيانات أصدرتها “هيئة الأمم المتحدة للمرأة”. في مؤشر على أن الإصلاحات القانونية التي تمت مباشرتها. يمكن أن تتحول إلى حضور فعلي للنساء في صناعة القرار المحلي، في حالة توفر الآليات الانتخابية المناسبة.
قانون 58 ومكافحة العنف ضد النساء
مثل “القانون عدد 58″، لعام 2017، المتعلق بالقضاء على العنف ضد النساء. أهم المكتسبات التشريعية التي تحققت بعد الثورة. حيث انه لم يتعامل مع العنف باعتباره مجرد اعتداء جسدي، بل من خلال مقاربة أوسع تشمل أشكالا متعددة من العنف. مركزا، في الوقت نفسه، على الوقاية والحماية والتتبع.
على الرغم من هاته الخطوات النصية، إلا أن الوقائع على الأرض، كشفت عن خلل، أبرز أن قوة النص القانوني لا تكفي لوحدها. لأن فعالية أي تشريع، ترتبط بمدى قدرة المؤسسات على تنزيله. فضلا عن قدرة هاته المؤسسات على توفير آليات الحماية والإنصاف، وضمان وصول النساء للعدالة والخدمات الضرورية.
من مكتسبات النص إلى التنزيل في الواقع، أية مسافة؟
على الرغم مما قدمه المشرع للمرأة من مكاسب، إلا أن مشاركتها الاقتصادية ظلت أقل من مستوى حضورهن التعليمي والسياسي. فضلا عن استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية. كما طرح العنف ضد النساء تحديات كبرى.
واقع أفرز بونا في التجربة التونسية، بين تشريعات متقدمة نسبيا في مجال ضمان حقوق المرأة. وعجز عن تحويل تلك المكتسبات إلى واقع اجتماعي متكافئ.
الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يزداد تعقيدا عند الانتقال من واقع المرأة الاجتماعي إلى مجال حضورها السياسي والحقوقي والإعلامي. حيث تصبح حرية التعبير واستقلالية المؤسسات وحدود تدخل السلطة عناصر حاسمة في تحديد مساحة المشاركة العامة.
دخول المجال العام مرحلة جديدة بعد 25 يوليوز 2021
شكل 25 يوليوز 2021 لحظة حاسمة في إعادة رسم المشهد السياسي التونسي. حيث أثار وضع الحريات العامة واستقلال القضاء وحرية التعبير الكثير من الجدل.
في هذا السياق، فقد ارتفعت نسبة المتابعات القضائية، التي طالت شخصيات سياسية وحقوقية وإعلامية. ضمنها نساء يشغلن مواقع بارزة في صفوف المعارضة أو الإعلام أو مهنة المحاماة.
وتستخدم بعض المنظمات الحقوقية تعبير “سجينات رأي” لوصف بعض من هاته الحالات. غير أن هذا التعبير ليس تصنيفا قانونيا مستقلا في القانون التونسي. بل توصيف حقوقي للحالات التي ترى فيها تلك المنظمات أنها مرتبطة بممارسة حقوق أساسية. كحرية التعبير أو ممارسة النشاط السياسي.
عبير موسي: المعارضة النسائية في قلب المواجهة
تعتبر “عبير موسي”، رئيسة “الحزب الدستوري الحر”، إحدى أبرز الشخصيات النسائية المعارضة، التي أصبحت قضيتها جزءا من هذا النقاش المفتوح والمثير للجدل.
هنا لا بد من الإشارة، أن محكمة الاستئناف بتونس العاصمة، كانت قد أصدرت، في 13 مارس 2026. حكماً بسجن “موسي” عشر سنوات على ذمة إحدى القضايا. بعد أن كانت المحكمة الابتدائية قد قضت، في دجنبر 2025. حكما بسجنها لمدة 12 سنة على ذمة ذات القضية. وفق “منظمة العفو الدولية”.
في هذا الشأن، قالت المنظمة: إن القضية ترتبط باتهامات، من بينها محاولة تغيير شكل الدولة والتحريض على العنف والفوضى. معتبرة أن المحاكمة غير عادلة. مطالبة بالإفراج عنها وإسقاط كافة التهم الموجهة إليها.
وتظل الأحكام والاتهامات الصادرة عن القضاء التونسي جزءا من مسار قضائي، يجب التمييز فيه بين الوقائع المثبتة، ومواقف الدفاع، والتقييمات الصادرة عن المنظمات الحقوقية.
في هذا السياق، تكشف قضية “موسي”، في بعدها السياسي. التحديات التي تواجه المرأة التونسية عندما تنتقل من موقع المشاركة السياسية إلى موقع المعارضة الصريحة للسلطة.
“سنية الدهماني”: عندما تتحول الكلمة إلى ملف قضائي
أصبحت المحامية والإعلامية “سنية الدهماني” بدورها من أبرز الأسماء المرتبطة بالنقاش حول حرية التعبير في “تونس”.
هكذا، ووفق “هيومن رايتس ووتش”، فقد واجهت “الدهماني” عدة قضايا بموجب “المرسوم عدد 54″، لعام 2022. المتعلق بجرائم أنظمة المعلومات والاتصال. وقد صدر في حقها، في مايو من عام 2026. حكم بالسجن لمدة عامين. اتصالا بتصريحات أطلقتها منتقدة عبرها ظروف السجون.
تجدر الإشارة، أن المرسوم عدد 54، الصادر في 13 ستنبر من عام 2022، يعتبر نصا تشريعيا، ذا صلة بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال. والذي يعاقب على ما يسميه بالجرائم السيبرانية، سواء تلك المتصلة، بما اصطلح عليه، النفاذ غير المشروع لأنظمة المعلومات، اعتراض البيانات، إفسادها، أو تدميرها. فضلا عن استخدام شبكات الاتصال. إذ يفرض عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية في حال استغلال أنظمة المعلومات لارتكاب أفعال مجرمة أو نشر أخبار زائفة والمساس بحقوق الغير أو الأمن العام.
وهي المواد التي تواجه انتقادات حادة من منظمات حقوقية وجمعيات محلية ودولية. حيث تبرز مخاوف من استخدامها كأداة للحد من حرية التعبير وملاحقة الصحفيين والنشطاء بسبب آرائهم الناقدة للسلطة.
في هذا السياق، قالت المنظمة: إن “الدهماني” كان قد أفرج عنها خلال شهر نونبر من عام 2025 بعد فترة احتجاز طويلة. مع استمرار قضايا أخرى ضدها.
وهنا تتقاطع قضيت “الدهماني” مع سؤال يتجاوز وضع امرأة بعينها مفاده: إلى أي حد يمكن أن تبقى حرية التعبير فضاء مفتوحا أمام النساء عندما تكون الكلمة نفسها قابلة للتحول إلى نزاع قضائي؟.
في شأن متصل، قالت منظمات حقوقية، إن السلطات التونسية استخدمت المرسوم 54 في ملاحقة صحفيين ومحامين ونشطاء وشخصيات سياسية، بسبب تصريحات أو منشورات اعتبرتها السلطات مخالفة للقانون.
كما قالت “هيومن رايتس ووتش”، في أحدث تقييم نشرته، في شهر غشت من عام 2026: إن المرسوم المتعلق بالجرائم الإلكترونية تم استخدامه لملاحقة واحتجاز عدد من الأصوات المعارضة. ما أسهم في خلق تأثير رادع على حرية التعبير.
إلا أن وجود هذا الجدل، لا يلغي ضرورة التمييز بين المسؤولية القانونية عن الأفعال التي يجرمها القانون وبين التعبير السياسي السلمي. وهي نقطة تقع في صميم النقاش حول حدود النصوص الجزائية المتعلقة بالنشر والتعبير.
المرأة في قلب المتابعات القضائية
تواجه المرأة التونسية التضييق أو الملاحقة، ليس باعتبارها ناشطة في قضايا نسائية فقط. بل لقناعتها وتعبيرها عن آراء فكرية وسياسية معارضة ناقدة للسلطة أيضا.
من هنا، فإن حماية المشاركة النسائية في الحياة العامة، لا ينحصر في زيادة عدد النساء داخل المؤسسات المنتخبة. وإنما أيضا في ضمان البيئة التي تسمح لهن بممارسة أدوارهن بحرية واستقلالية.
من هنا يمكن القول: إن وجود النساء داخل المؤسسات لا يعني بالضرورة امتلاكهن القدرة نفسها في صناعة القرار. كما أن التمثيل العددي لا يضمن تلقائيا استقلالية المرأة السياسية، أو قدرتها على التعبير عن مواقفها.
في هذا السياق، لا بد من القول: إن التجربة الانتخابية التونسية أثبتت أن الوصول إلى المؤسسة المنتخبة يحتاج إلى أكثر من النص القانوني. فهو يحتاج إلى أحزاب مفتوحة، موارد عادلة، شبكات اجتماعية وبيئة سياسية تسمح بالمنافسة.
رغم المكتسبات فالطريق لم ينته بعد
لا يمكن النظر إلى المكتسبات التي راكمتها المرأة التونسية من منظور ضيق. أي باعتبارها “مكتسبات ضائعة”. أو تقديمها باعتبارها نموذجا مكتملا للمساواة.
الحقيقة تقع بين الصورتين. فهناك مكاسب تشريعية ومؤسساتية تحققت بعد الثورة. كما أن هناك حضور نسائي لافت في المجتمع المدني والمؤسسات المنتخبة. فضلا عن مراكمة القانون التونسي أدوات مهمة لمواجهة العنف ضد المرأة. لكن في المقابل، لا تزال تحديات المشاركة الاقتصادية والعنف والفوارق الاجتماعية قائمة. فيما أصبح المجال العام نفسه موضع نقاش متصاعد بشأن حرية التعبير واستقلال القضاء.
هل تصمد المكتسبات؟