هدى لبهالة
سجلت الأصول الاحتياطية الرسمية للمغرب مستوى قياسياً جديداً، بعدما تجاوزت للمرة الأولى حاجز 500 مليار درهم، مدفوعة بتدفقات متزايدة من العملة الصعبة، خاصة من الاستثمارات الأجنبية والصادرات والسياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج.
وبحسب بيانات بنك المغرب الصادرة أمس الجمعة، بلغت الأصول الاحتياطية نحو 502 مليار درهم حتى 4 سبتمبر الجاري، بزيادة سنوية بلغت 21.1%، فيما ارتفعت بنسبة 13.4% منذ بداية العام، لتسجل بذلك أعلى مستوى لها على الإطلاق.
ويعزز هذا الرصيد قدرة المغرب على مواجهة حاجياته الخارجية، إذ تكفي الاحتياطيات لتغطية أكثر من خمسة أشهر من واردات السلع والخدمات، بما يعكس تحسناً في وضعية المملكة من حيث توفر النقد الأجنبي.
الاستثمار الأجنبي في صدارة التدفقات
تبرز الاستثمارات الأجنبية المباشرة كأحد أهم محركات ارتفاع احتياطيات المغرب خلال العام الجاري، بعدما بلغ صافي تدفقها نحو 29.4 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من يناير إلى نهاية يوليو، بزيادة بلغت 58.5% على أساس سنوي.
يأتي ذلك في سياق تنفيذ المملكة لسياسة تهدف إلى تعزيز جاذبية الاستثمار وتبسيط الإجراءات وتحفيز المشاريع ذات القيمة المضافة.
وبحسب المعطيات الحكومية، ساهمت الاستثمارات التي تمت المصادقة عليها حتى يوليو في جذب 381 مشروعاً بقيمة إجمالية تناهز 581 مليار درهم.
السيارات والطيران يعززان صادرات المغرب
كما تواصل الصادرات الصناعية دعم تدفقات العملة الصعبة، خصوصاً من قطاعي السيارات والطيران.
وبلغت صادرات صناعة السيارات نحو 107.1 مليار درهم خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، بارتفاع نسبته 14.9% على أساس سنوي، لتحتل بذلك المرتبة الأولى بين القطاعات التصديرية.
بدورها، ارتفعت صادرات صناعة الطيران بنسبة 19.7% لتصل إلى نحو 20.5 مليار درهم خلال الفترة نفسها.
وتعكس هذه الأرقام تنامي دور الصناعات التصديرية في توفير العملة الصعبة للمغرب، إلى جانب مساهمتها في خلق فرص الشغل وتعزيز اندماج المملكة في سلاسل الإنتاج العالمية.
السياحة وتحويلات المغاربة بالخارج
لا تقتصر مصادر تدفق العملة الصعبة على الاستثمار والصادرات فقط، إذ يواصل قطاع السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج لعب دور أساسي في دعم الاحتياطيات. وحققت إيرادات السياحة نحو 79 مليار درهم حتى نهاية يوليو، بزيادة بلغت 13.4% على أساس سنوي.
في المقابل، ارتفعت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج إلى نحو 74.7 مليار درهم، مسجلة نمواً بنسبة 8.1%.
وتشكل هذه التحويلات أحد أهم مصادر العملة الصعبة للمملكة، في ظل وجود جالية مغربية كبيرة، تتركز نسبة مهمة منها في دول الاتحاد الأوروبي.
التمويلات الخارجية تعزز الرصيد
ساهمت التمويلات الخارجية في دعم احتياطيات المغرب، إلى جانب عوامل مرتبطة بتطورات الأسواق العالمية.
وكان المغرب قد جمع في مايو الماضي نحو 2.25 مليار يورو من خلال إصدار سندات دولية، في وقت يسمح فيه قانون المالية باللجوء إلى الاقتراض الخارجي ضمن سقف محدد.
وأشار صندوق النقد الدولي، في تقرير مشاورات المادة الرابعة الصادر في مارس 2026، إلى عوامل أخرى ساهمت في ارتفاع قيمة الاحتياطيات، من بينها انخفاض قيمة الدولار أمام اليورو وارتفاع أسعار الذهب.
نحو 542 مليار درهم؟
يأتي بلوغ الاحتياطيات مستوى 502 مليار درهم ضمن مسار تصاعدي مستمر خلال السنوات الأخيرة.
فقد ارتفعت الأصول الاحتياطية الرسمية من نحو 253.4 مليار درهم في 2019 إلى 442.9 مليار درهم بنهاية العام الماضي، قبل أن تواصل صعودها خلال العام الجاري.
ويتوقع بنك المغرب استمرار هذا الاتجاه، إذ يرجح وصول الأصول الاحتياطية الرسمية إلى نحو 505 مليارات درهم بنهاية العام الجاري، قبل أن ترتفع إلى حوالي 542 مليار درهم في أفق 2027.
وتشير هذه الأرقام إلى أن احتياطيات المغرب أصبحت تستند إلى قاعدة أكثر تنوعاً من مصادر العملة الصعبة، تجمع بين الاستثمار الأجنبي المباشر، وقوة الصادرات الصناعية، وعائدات السياحة، وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، إلى جانب التمويلات الخارجية.
ويعكس تجاوز حاجز 500 مليار درهم تحولاً مهماً في قدرة المغرب على تكوين احتياطيات من النقد الأجنبي، في وقت تراهن فيه المملكة على تعزيز الاستثمار والإنتاج الصناعي والصادرات لتقوية موقعها الاقتصادي إقليمياً ودولياً.