سعر الدجاج في “المغرب” يحلق في الأعالي والمستهلك يدفع فاتورة الاختلال

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

تتواصل موجة ارتفاع أسعار الدجاج بالمغرب، بعدما بلغ سعر الكيلوغرام الواحد، في سوق الجملة بمدينة “الدار البيضاء”، اليوم الخميس، نحو 20 درهما، وفق معطيات مهنية. فيما تراوح سعر البيع بالتقسيط في عدد من الأسواق بين 25 و30 درهما للكيلوغرام الواحد. 

تطور يزيد من حدة الضغط على القدرة الشرائية للأسر. ما يعيد للواجهة اختلالات سوق الدواجن، بين تقلص العرض وتداعيات الخسائر التي تكبدها المربون خلال الأشهر الماضية. مع تسجيل شكاوى مهنيين من ممارسات يصفونها بـ”المضاربة والاحتكار”.

تأتي هاته الزيادة في وقت باتت فيه اللحوم البيضاء، وفي مقدمتها الدجاج، خيارا أساسيا لدى عدد من الأسر المغربية. اتصالا بارتفاع أسعار اللحوم الحمراء. ما يجعل أي اضطراب في إنتاج الدواجن وتسويقها ينعكس سريعا على نفقات الاستهلاك اليومي.

هكذا، وحسب المعطيات المهنية المتداولة، فإن ارتفاع الأسعار لا يرتبط بعامل واحد، بل يتداخل فيه تراجع الإنتاج داخل عدد من الضيعات، وانخفاض حجم الدجاج المعروض في الأسواق. إلى جانب محدودية قدرات الذبح الصناعي والتخزين المبرد.

في المقابل، يتهم بعض المهنيين فاعلين في حلقات الإنتاج والتوزيع باستغلال اختلال التوازن بين العرض والطلب. وهي اتهامات تبقى على عهدة المصدر لأنها محتاجة لتدقيق رقابي مستقل قبل الجزم بوجود ممارسات غير قانونية.

منحى تصاعدي تعززه معطيات سابقة. إذ سجلت أسعار الدجاج في “الدار البيضاء”، خلال منتصف شتنبر الماضي. مستويات تراوحت بين 17 و17.50 درهما للكيلوغرام الواحد في سوق الجملة، مقابل 22 إلى 24 درهما بالتقسيط.

في شأن متصل، ووفق ما أوردته تقارير صحفية، منتصف أكتوبر الجاري. فإن سعر الجملة وصل ما بين 20 و21 درهما للكيلوغرام الواحد. في وقت بلغ فيه ثمن الكتكوت نحو 11 إلى 12 درهما.

خسائر سابقة تقلص الإنتاج وتدفع الأسعار إلى الصعود

لفهم موجة الغلاء المسجلة حاليا، لا بد من العودة للأشهر التي سبقت عيد الأضحى، مع تسجيل السوق وفرة في الإنتاج بالتزامن مع تراجع الطلب. ما أدى لهبوط أسعار الدجاج عند باب الضيعات إلى مستويات تراوحت، وفق تصريحات مهنية منشورة. بين 6 و8 دراهم للكيلوغرام الواحد. وهي مستويات قال منتجون: إنها لم تكن كافية لتغطية تكاليف الإنتاج.

مرحلة أفضت، وفق مهنيين، إلى تكبد عدد من المربين خسائر دفعت البعض منهم لتقليص نشاطهم أو تأجيل إعادة ملئ الضيعات بالكتاكيت. فيما اختار آخرون التوقف عن الإنتاج.

ومع مرور أسابيع، انعكس انخفاض الإنتاج على حجم العرض المتاح في السوق، لتبدأ الأسعار رحلة صعود جديدة.

في هذا السياق، ربط  “مصطفى منتصر”، رئيس الجمعية الوطنية لمنتجي لحوم الدواجن. الارتفاع المسجل بتراجع العرض بعد خروج عدد من المربين مؤقتا من دورة الإنتاج. داعيا، وفق تصريحات نقلتها صحيفة “لوماتان”، خلال شهر شتنبر. لتطوير المجازر الصناعية ووحدات التبريد، ما يسمح باستيعاب جزء من الإنتاج، خلال فترات الوفرة، وتخزينه للاستفادة منه عند تراجع العرض.

تكشف هاته الدورة عن هشاشة بنيوية في تدبير سوق الدواجن؛ فحين تتراجع الأسعار بشكل حاد، يتحمل المنتجون الخسائر ويخفضون الإنتاج. فيما يؤدي نقص المعروض بعد فترة إلى ارتفاع الأسعار على المستهلك. كما أنه، وفي ظل غياب آليات كافية لتخزين الإنتاج وتدبير تقلباته، يبقى السوق معرضا لتكرار هاته الموجات. ما يضر بمصالح المربين والمستهلكين على حد سواء.

اتهامات بالمضاربة والاحتكار ما يدعو لفتح تحقيق

بالتوازي مع تراجع العرض، يتحدث مهنيون عن تأثير ما يصفونه بالمضاربة والاحتكار في مسار الأسعار. معتبرين أن بعض الفاعلين قد يستفيدون من اختلالات السوق لتوسيع هوامش الربح على حساب المنتجين والمستهلكين. غير أن تحديد المسؤولية عن الارتفاع يقتضي التمييز بين الزيادة الناتجة عن نقص الإنتاج وارتفاع تكاليف النقل والتوزيع، وبين أي اتفاقات أو ممارسات تستهدف التأثير المصطنع في الأسعار.

هنا يبرز دور مجلس المنافسة، الذي يضطلع بموجب “الفصل 166 من الدستور”، بمهمة ضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، ومراقبة وضعية المنافسة في الأسواق والممارسات المنافية لها. فيما ينظم “القانون رقم 104.12”، المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، كما تم تغييره وتتميمه، الممارسات التي قد تخل بالتنافس الحر.

في هذا الشأن، تحظر المادة السادسة من هذا القانون الاتفاقات والتحالفات الصريحة أو الضمنية التي يكون هدفها عرقلة المنافسة أو الحد منها أو تحريف سيرها. مدرجا ضمنها الاتفاقات الرامية لافتعال ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، أو حصر الإنتاج أو تقسيم الأسواق.  أي أن النص يحظر كل الأعمال المدبرة أو الاتفاقيات التي تهدف أو قد ترتب عنها عرقلة المنافسة أو الحد منها في السوق. مدرجا ضمنها الحد من دخول السوق أو تقييد الممارسة الحرة للمنافسة والتلاعب في تكوين الأسعار بافتعال ارتفاعها أو انخفاضها. فضلا عن مراقبة أو حصر الإنتاج، الاستثمارات، أو التقدم التقني وتقسيم الأسواق أو مصادر التموين والصفقات العمومية.

لكن مجرد ارتفاع الأسعار، في حد ذاته، لا يثبت وجود تواطؤ أو احتكار؛ إذ يتطلب إثبات المخالفة جمع معطيات دقيقة بشأن سلوك الفاعلين، وبنية السوق، وطبيعة الاتفاقات أو الممارسات المحتملة.

في هذا الصدد لا بد من التوضيح أن من شأن إجراء تحقيقات، عند توفر مؤشرات جدية. أن يساعد على تحديد ما إذا كانت الزيادات تعكس فعلا تراجعا في العرض وارتفاعا في التكاليف، أم أن بعض الممارسات التجارية تسهم في تضخيمها.

المجازر الصناعية والتبريد الحلقة المفقودة في ضمان توازن السوق

لا يقتصر النقاش حول ارتفاع الأسعار على عدد الدجاج المنتج داخل الضيعات، بل يشمل أيضا البنية التحتية اللازمة لتدبيره وتسويقه. حيث أن ضعف قدرات الذبح الصناعي والتخزين المبرد يحد من إمكانية امتصاص فائض الإنتاج عندما يكون العرض مرتفعا. فيما يقلص قدرة السوق على مواجهة فترات النقص.

كما أن تطوير هاته البنية، إلى جانب تحسين التخطيط للإنتاج وتبادل المعطيات بين المربين والموزعين. سيتيح تقليص حدة التقلبات الموسمية. في الوقت نفسه سيمكن من تقليل الخسائر التي تدفع المنتجين للخروج من السوق بعد فترات انخفاض الأسعار. الأمر الذي سيمنح سلاسل التوزيع قدرة أكبر على الاستجابة لتغيرات الطلب.

غير أن هاته الحلول تحتاج لرؤية قطاعية تجمع بين دعم الاستثمار المنتج، وتحسين شروط المنافسة، ومراقبة سلامة المنتجات وظروف نقلها وتخزينها. فضلا عن توفير معطيات واضحة للمستهلك بشأن الأسعار ومصدر المنتجات.

المستهلك في مواجهة الفاتورة والرقابة أمام اختبار الفعالية

تضع المستويات السعرية المسجلة الأسر المغربية أمام تحد إضافي، خصوصا وأن الدجاج يعد من مصادر البروتين الأكثر حضورا في الاستهلاك اليومي.

كما أن انتقال سعر الكيلوغرام الواحد من مستويات الجملة إلى أسعار التقسيط قد يثير تساؤلات، في شأن تكاليف النقل والذبح والتوزيع وهوامش الربح. وهي عناصر لا يمكن تقييمها بدقة من دون بيانات تفصيلية حسب المنطقة ونوع المنتج ومسار تسويقه.

تجدر الإشارة، أن الإطار المنظم للمنافسة يتيح التدخل عندما تظهر مؤشرات على اتفاقات أو ممارسات مقيدة لها. فيما تظل مراقبة الأسعار وجودة المنتجات وشفافية المعاملات جزءا من حماية المستهلك. ما يقتضي تعزيز التنسيق بين الجهات المكلفة بالمراقبة والسلطات المختصة ومجلس المنافسة، كل في حدود اختصاصاته. مع عدم الخلط بين التقلبات التجارية المشروعة والممارسات التي يحظرها القانون.

وفي انتظار عودة الإنتاج إلى مستويات أكثر توازنا، يبقى اتجاه أسعار الدجاج مرتبطا بقدرة المربين على استئناف دورات الإنتاج، وتطور تكاليف الأعلاف والطاقة والنقل، وحجم الكميات التي تصل إلى أسواق الجملة. كما يظل الحد من المضاربة، متى ثبتت ممارساتها غير المشروعة، رهينا برقابة قائمة على الأدلة لا على الاتهامات وحدها.

هكذا، فبين تراجع العرض وارتفاع الأسعار وشكاوى المهنيين، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة التدخلات الرقابية والاستثمارات في المجازر والتبريد على الحد من التقلبات. لكي لا يظل المستهلك الحلقة الأضعف في سوق تتأرجح بين فائض الإنتاج وندرته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.