المغرب: هل ينهي وقف إضراب سجناء “أكديم إيزيك” الجدل حول مطالبهم داخل السجون؟
العدالة اليوم
العدالة اليوم
أنهى سجناء أحداث «أكديم إيزيك» إضرابهم عن الطعام، منتصف أكتوبر الجاري، بعد أسابيع من المتابعة الحقوقية والطبية التي باشرها “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” داخل مجموعة من المؤسسات السجنية.
مسار شمل الاستماع للمعتقلين، وفحص أوضاعهم الصحية، والتدخل لدى إدارة السجون في شأن مطالب مرتبطة بالنقل والتواصل مع الأسر واسترجاع أغراض شخصية.
في هذا السياق، أفاد “المجلس”، في تقرير حول الزيارات التي أجرتها فرقه متعددة التخصصات. بأن خمسة سجناء أنهوا إضرابهم، يوم 14 أكتوبر، قبل أن يلتحق بهم آخر المعنيين في اليوم الموالي. وذلك عقب سلسلة من الاتصالات والوساطات والمتابعات الطبية.
يأتي هذا التطور بعد زيارات ميدانية شملت المؤسسات السجنية بكل من “القنيطرة”، “تيفلت” و”مراكش”. في إطار الوقوف على ظروف الاعتقال وتقييم الوضع الصحي للمعتقلين الذين أعلنوا خوض الإضراب.
هكذا، وحسب التقرير الوارد، فقد انطلقت الزيارات أواخر شهر شتنبر، بتكليف من رئيسة “المجلس”، والتي استمرت خلال شهر أكتوبر، بمشاركة فرق تضم تخصصات مختلفة.
وأوضح التقرير أن مهام هاته الفرق شملت إجراء مقابلات فردية مع السجناء. فضلا عن الاطلاع على ملفاتهم الصحية، وإجراء فحوصات طبية. إضافة لتواصلهم مع الأطر الطبية بالمؤسسات المعنية، مع مراعاة سرية المعلومات الشخصية والطبية.
وأفاد التقرير أن هاته العملية ارتكزت على المبادئ التوجيهية الخاصة بتدبير الإضراب عن الطعام داخل المؤسسات السجنية. وهي مرجعية عملية أعدها “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” و”المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج” ورئاسة النيابة العامة ووزارة الصحة، بتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر. بهدف تأطير التعامل المؤسساتي والطبي مع هاته الحالات، وضمان عدم تعريض حياة المعتقلين وصحتهم للخطر.

النقل والتواصل الأسري من أبرز المطالب
برز مطلب نقل المعتقلين لمؤسسات سجنية قريبة من أماكن إقامة أسرهم، ضمن أبرز الانشغالات التي نقلتها فرق المجلس. غير أن “المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج” أوضحت تعذر الاستجابة لبعض من هاته الطلبات، بالنظر لعدم ملاءمة المؤسسات المقترحة لمدد العقوبات المحكوم بها. فضلا عن تخصيص بعضها لفئات أخرى من السجناء.
يكتسي هذا المطلب بعدا قانونيا، في ضوء “القانون رقم 10.23″، المتعلق بتنظيم وتدبير المؤسسات السجنية. الذي يحدد معايير توزيع المعتقلين، واضعا ضمن الاعتبارات الواجب مراعاتها محل إقامة الأسرة، إلى جانب الوضعية الصحية والجنائية ودرجة الخطورة ومتطلبات إعادة الإدماج. كما ينظم القانون الترحيل الإداري، بما يتيح، وفق شروطه، نقل المعتقل لأسباب من بينها تقريب مكان اعتقاله من محيطه العائلي.
لا يعني ذلك، أن للمعتقل حقا مطلقا في اختيار المؤسسة السجنية التي يقضي بها عقوبته. إذ يخضع قرار النقل لمجموعة من الاعتبارات القانونية والتنظيمية، ولإمكانات المؤسسات المستقبلة وطبيعة الفئات المخصصة لها. غير أن إدراج البعد الأسري ضمن معايير التوزيع يجعل دراسة طلبات التقريب العائلي جزءا من التدبير السجني الذي يتعين أن يوازن بين مقتضيات التنظيم والأمن واعتبارات الحفاظ على الروابط الأسرية.
أما في ملف التواصل، أورد التقرير، أن إدارة السجون عزت توقيف الاستفادة من المكالمات الهاتفية إلى استعمال الخدمة، بحسب توضيحها، لأغراض غير عائلية. ما اعتبرته مخالفة للنظام الداخلي.
تعيد هاته المعطيات طرح مسألة تنظيم اتصال المعتقلين بأسرهم، في ضوء المقتضيات القانونية التي تسمح باستعمال وسائل الاتصال المتاحة داخل المؤسسات السجنية. مع إخضاعها للمراقبة وفق الضوابط الجاري بها العمل.
في المقابل، تدخل “المجلس” لدى إدارة السجن المركزي بـ”القنيطرة” في شأن أغراض شخصية تخص ثلاثة سجناء جرى نقلهم إلى مصحة المؤسسة عقب إعلان الإضراب، بعدما أثير عدم تمكينهم من استرجاعها. حيث أفضت الوساطة، وفق التقرير، لإعطاء مدير المؤسسة تعليماته بإرجاع تلك الأغراض إلى أصحابها.
معطيات فردية واختلاف في مواقف السجناء
سجل التقرير تباينا في تصريحات السجناء في شأن المشاركة في الإضراب ومطالبهم. حيث نفى “محمد لمين حدي” دخوله في إضراب عن الطعام، وهو ما أكدته إدارة المؤسسة السجنية بـ”تيفلت 2″. مع تجديده طلب نقله لمؤسسة قريبة من أسرته بمدينة “العيون”. كما أفاد باستفادته من المكالمات الهاتفية مع أفراد أسرته وبخضوعه لمتابعة طبية منتظمة.
أما “عبد الله أباه”، فقد رفض مقابلة فريق “المجلس” خلال الزيارة الأولى لسجن “تيفلت 2″، قبل أن يتمكن الفريق من زيارته لاحقا بمستشفى “مولاي يوسف” بالرباط، عقب نقله من المؤسسة السجنية.
في حالة أخرى، أفاد “المجلس” بنقل السجين “البشير خدة” إلى السجن المحلي “العيون 2″، بتاريخ 25 شتنبر. بعد استيفائه معايير التوزيع المعتمدة، بالنظر إلى أن المدة المتبقية من عقوبته تقل عن أربع سنوات. مشيرا إلى أنه لم يكن مضربا عن الطعام.
الفحوصات الطبية وضمانات التعامل مع الإضراب
على المستوى الصحي، أظهرت المعاينات التي أجرتها الفرق المختصة، أن الحالات التي خضعت للفحص كانت مستقرة أو ذات مؤشرات صحية عادية وقت الزيارة. مع تسجيل بعض الأعراض الطفيفة لدى عدد من السجناء.
في المقابل، رفض “محمد البشير بوتنكيزة” الخضوع للفحص الطبي، وهو ما أثبته التقرير ضمن المعطيات المرتبطة بالتقييم الصحي.
كما أشار “المجلس” إلى أن “النعمة الأسفاري” كان قد وجه رسالة إلى المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، بتاريخ 30 شتنبر. أعلن فيها تعليق إضرابه عن الطعام، قبل أن يسجل التقرير إنهاء خمسة سجناء آخرين إضرابهم يوم 14 أكتوبر، ثم إنهاء آخر المعنيين إضرابه في اليوم التالي.
تحظى هاته المعطيات بأهمية خاصة في ضوء “القانون رقم 10.23″، الذي يكرس الحق في الرعاية الصحية داخل المؤسسات السجنية. حيث يلزم بتتبع الوضع الصحي للمعتقلين المضربين عن الطعام. كما تنظم “المادة 122 منه”، مسطرة الإضراب، من خلال إشعار إدارة المؤسسة بدوافعه، وإخبار الجهات المختصة والأسرة. فضلا عن اتخاذ التدابير اللازمة لمراقبة الحالة الصحية للمعتقل، مع مواصلة تقديم الوجبات الغذائية اليومية إليه.
تفرض هاته المقتضيات على الإدارة السجنية التعامل مع الإضراب باعتباره وضعا يستدعي تدخلا طبيا ومؤسساتيا، وليس مجرد واقعة مرتبطة بالنظام الداخلي. كما تظل سرية المعطيات الصحية واحترام كرامة المعتقل من الضمانات الأساسية التي يتعين مراعاتها خلال مختلف مراحل التتبع.
انتهاء الإضراب لا ينهي النقاش الحقوقي