البرلمان المغربي في قلب عاصفة التطورات الأممية المتصلة بالصحراء المغربية

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

في سياق التطورات المتسارعة التي تشهدها قضية الصحراء المغربية على مستوى الأمم المتحدة. يستعد البرلمان المغربي بمجلسيه، لعقد جلسة خاصة مشتركة، يوم الاثنين 2 نونبر 2026. لمناقشة آخر مستجدات القضية الوطنية، وذلك ابتداء من الساعة الواحدة بعد الزوال.

النبأ أعلن رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين، في بلاغ مشترك صادر. داعيين أعضاء المجلسين لحضور أشغالها، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية في شأن برنامجها أو طبيعة المداخلات المرتقبة.

يأتي هذا التحرك البرلماني بعد يوم واحد من انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية “المينورسو”. في أعقاب تعذر التوصل داخل مجلس الأمن إلى قرار جديد يمدد مهمتها.

تكتسب هاته الجلسة المرتقبة، أهمية سياسية ومؤسساتية بالنظر إلى توقيتها. إذ تأتي مباشرة بعد التطورات التي شهدها اجتماع مجلس الأمن، المنعقد يوم الجمعة 30 أكتوبر الجاري. الذي لم يفض لتجديد ولاية البعثة الأممية.

تجدر الإشارة، أن “روسيا” كانت قد استخدمت حق النقض ضد مشروع قرار أمريكي كان يقترح تمديد ولاية “المينورسو” لسنة إضافية. فيما لم يتمكن المشروع الروسي البديل من الحصول على الأصوات الكافية لاعتماده.

وكان المشروع الأمريكي يتضمن تجديد ولاية البعثة الأممية، مع إدخال تعديلات على طبيعة مهمتها ومكونها العسكري. فضلا عن إعادة صياغة الإطار الذي تجري ضمنه المفاوضات، بما يجعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسا للمسار السياسي. إلا أن اعتراض “موسكو” حال دون اعتماد المشروع. في حين لم ينجح المقترح الروسي البديل في تأمين الأغلبية المطلوبة داخل المجلس.

في أعقاب هاته التطورات، أصدر الديوان الملكي، بلاغا اعتبر فيه أن عدم تمديد مهمة “المينورسو” يشكل “تطورا هاما” و”خطوة ذات دلالة كبرى” في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة.

كما أكد البلاغ، أن هذا المستجد يقتضي إنهاء وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، خلال الأيام المقبلة. مع التشديد على استمرار المملكة في التمسك بوقف إطلاق النار واحترام سلامة ووحدة أراضيها وأمنها الوطني.

وربط البلاغ الملكي، هذا التطور بالدينامية الدبلوماسية التي يقودها جلالة الملك “محمد السادس”، حفظه الله. مبرزا أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي، في إطار السيادة المغربية، تحظى بدعم أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة، وفق ما جاء في نص البلاغ.

في المقابل، عكست المواقف الصادرة عن أطراف دولية أخرى، استمرار التباين في شأن مآلات الملف. فقد دافع المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، “فاسيلي نيبينزيا”، عن موقف بلاده الرافض للمشروع الأمريكي. معتبرا أن مجلس الأمن لا ينبغي أن يستبق القضايا المرتبطة بالسيادة. فيما اعتبر السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، “مايكل والتز”، أن الخلافات في شأن تحديد الهيئة الناخبة حالت لعقود دون تنظيم الاستفتاء الذي أُنشئت البعثة الأممية في الأصل للمساعدة في تهيئة ظروفه. بينما انتقد ممثل “جبهة البوليساريو” المشروع الأمريكي، معتبرا إياه “يهدد أسس المسار الأممي”، وفق إفادته.

يعيد هذا التعثر الأممي إلى الواجهة النقاش حول مستقبل “المينورسو”، التي تم إحداثها بموجب “قرار مجلس الأمن رقم 690″، الصادر في 29 أبريل من عام 1991. في إطار خطة التسوية الأممية التي ارتبطت بتنظيم استفتاء لتقرير المصير.

وقد ظلت البعثة، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، حاضرة في المشهد الميداني والسياسي المرتبط بالنزاع. مع تجديد مجلس الأمن ولايتها بصورة دورية، رغم استمرار الخلافات في شأن تنفيذ المسار السياسي ومعايير تحديد الهيئة الناخبة.

وكان مجلس الأمن قد اعتمد، في 31 أكتوبر من عام 2025، “القرار رقم 2797″، الذي مدد ولاية المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2026. داعيا، في الوقت نفسه، لإجراء مفاوضات على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي. مع تأكيده على ضرورة التوصل لحل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف، بما يتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة. مبرزا أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق، مع إبقاء مسألة تقرير المصير ضمن الإطار الأممي المعتمد.

على المستوى الدستوري، تستند آلية انعقاد البرلمان بمجلسيه في جلسة مشتركة، إلى “الفصل 68 من دستور المملكة”، الذي ينص على إمكانية عقد اجتماعات مشتركة للاستماع إلى بيانات تتعلق بقضايا تكتسي طابعا وطنيا هاما، بطلب من رئيس الحكومة إلى رئيسي مجلس النواب ومجلس المستشارين. فيما يحدد ذات الفصل أن هاته الاجتماعات تنعقد برئاسة رئيس مجلس النواب، وفق الكيفيات والضوابط التي ينص عليها النظامان الداخليان للمجلسين.

بعد إخفاق مجلس الأمن البرلمان المغربي يعقد جلسة استثنائية في شأن الصحراء المغربية
البرلمان المغربي

يمنح هذا الإطار الدستوري الجلسة المرتقبة طابعا مؤسساتيا يتجاوز مجرد التداول الحزبي، باعتبارها مناسبة لتجميع مواقف مكونات المؤسسة التشريعية، بمجلسيها، في شأن تطورات ملف يحظى بمكانة مركزية في السياسة الخارجية والوحدة الترابية للمملكة. كما يتيح هذا الشكل من الاجتماعات إبراز التوافقات الوطنية وتوضيح أبعاد الموقف المغربي في ضوء المستجدات الدولية.

مع ذلك، فإن تعذر تمديد ولاية “المينورسو” لا ينبغي الخلط بينه وبين صدور قرار أممي جديد يحسم الوضع النهائي للإقليم أو ينهي، بصورة تلقائية، مسار الأمم المتحدة في شأن النزاع. فعدم اعتماد مشروع قرار بالتجديد لا يساوي اعتماد قرار موضوعي جديد بشأن السيادة أو التسوية. كما أن المواقف الواردة في البلاغ الملكي تعبر عن التقييم والموقف الرسمي للمملكة إزاء هذا التطور. وتظل مآلات الوضع مرتبطة بالتفاعلات الدبلوماسية والقانونية اللاحقة، وبما قد يصدر عن أجهزة الأمم المتحدة والأطراف المعنية.

بين هاته المعطيات، تترقب الأوساط السياسية والدبلوماسية ما ستسفر عنه الجلسة المشتركة من مواقف وتوضيحات بشأن المرحلة المقبلة. سواء على مستوى التحرك الدبلوماسي أو تدبير الانعكاسات الميدانية لتعثر تجديد ولاية البعثة. كما ستكون الأنظار موجهة لطبيعة الرسائل التي ستصدر عن المؤسسة التشريعية، ومدى قدرتها على بلورة خطاب مؤسساتي موحد يواكب التحولات التي يعرفها الملف، في مرحلة تتسم بحساسية سياسية ودبلوماسية واضحة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.