العاملون بقطاع الإعلام بـ”المغرب” بين سلطة مقاومة قتل الحقوق وواقع التشتت النقابي المساهم

محمد مشاوري

محمد مشاوري

 

يمر قطاع الصحافة والإعلام بـ”المغرب” بمنعطف تاريخي حاسم. في ظل تحولات تكنولوجية متسارعة وإكراهات سوسيو-مهنية معقدة، تضع الهيئات النقابية الممثلة للقطاع أمام سؤال وجودي مقلق. هل تنجح هاته الإطارات في رص صفوف “الجسد الصحفي” وإنقاذه من شبح التشتت والهشاشة. أم أن الانقسامات البنيوية ستعجل بفقدان “السلطة الرابعة” لهيبتها وتأثيرها في المجتمع؟. وما هو الدور المفترض للنقابات المهنية من أجل إعادة ترتيب البيت الداخلي للقطاع، وإنقاذ ما تبقى من هيبة “السلطة الرابعة” لتبقى كما كانت صوتا للمجتمع وهمومه؟.

الواقع الإعلامي، اليوم، أصبح يعيش على وقع الانقسام والتشتت، وسط تعدد الهيئات النقابية واختلاف الرؤى والمواقف. في وقت يحتاج فيه الجسم الصحفي إلى وحدة الصف أكثر من أي وقت مضى.

واقع يتسم باتساع الهوة بين المصور ، المراسل الميداني، المعتمد والتقني والصحافي المهني. بسبب غياب مشروع مهني موحد قادر على احتضان جميع مكونات القطاع والدفاع عن حقوقهم.

في هذا السياق، يجمع فاعلون في الحقل الإعلامي على أن تشخيص الوضع الراهن للمشهد الصحفي الوطني يكشف عن مواطن خلل بنيوية تتطلب معالجة مستعجلة.

تتجلى أبرز ملامح هاته الأزمة في تشتت الهياكل النقابية، مع تسجيل تعدد الإطارات وتمترسها خلف قناعات متباينة. الأمر الذي يضعف القوة التفاوضية للجسم الصحفي أمام الشركاء المؤسساتيين والمقاولات الإعلامية. فضلا عن تسجيل أزمة الاعتراف المتبادل، مع اتساع الهوة بين المكونات الميدانية. وسط مطالب بإنهاء مقاربات الإقصاء وإقرار تكامل ينصف جميع الشركاء في صناعة المادة الخبرية. إضافة لتنامي الهشاشة الاجتماعية، مع تسجيل معوقات مادية وصعوبات معيشية تواجه شريحة واسعة من الإعلاميين، خاصة في الأقاليم والمناطق النائية. ما يفرض الخروج من التجاذبات نحو جيل جديد من الاتفاقيات الاجتماعية الحمائية. إلى جانب ترصد اختراق الدخلاء واهتزاز الثقة، حيث يتم تسجيل تسلل ممارسات مسيئة للقطاع ومواقع عشوائية تستغل الصفة الإعلامية لأغراض غير مهنية. ما يسهم في تراجع منسوب ثقة المواطنين في الإعلام المحلي والوطني.

في هذا الشأن، يرى عدد من مهنيين القطاع أن إصلاح المشهد الإعلامي المغربي لا يمكن أن يتحقق دون مصالحة حقيقية داخل البيت الصحفي.

مصالحة تنطلق من الاعتراف بدور كل مكونات المنظومة الإعلامية، بعيدا عن الإقصاء أو الحسابات الضيقة. فالمصور المعتمد الذي ينقل الصورة من قلب الحدث. والمراسل المعتمد الذي يجوب الميدان. والتقني الذي يسهر على جودة المادة الإعلامية. كلهم يشكلون جزءا أساسيا من هذه الرسالة النبيلة.

كما أن النقابات أصبحت مطالبة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بالخروج من دائرة الصراعات والتجاذبات. والاتجاه نحو العمل على تأطير العاملين بالقطاع، والدفاع عن كرامتهم وحقوقهم الاجتماعية والمهنية، في ظل ما يعيشه عدد من الإعلاميين من هشاشة وصعوبات مادية ومهنية.

في المقابل، تظل محاربة بعض الشوائب التي تسللت إلى المجال الإعلامي من أبرز الأولويات، بعدما أصبحت بعض الممارسات المسيئة للمهنة تؤثر بشكل مباشر على صورة الصحافة وثقة المواطن في الإعلام. وهو ما يفرض تفعيل أخلاقيات المهنة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتصدي لكل من يستغل الصفة الإعلامية لأغراض بعيدة عن الرسالة الحقيقية للصحافة.

إن استرجاع هيبة قطاع الصحافة والإعلام في “المغرب” رهين بتوفر إرادة جماعية صادقة، تضع مصلحة الوطن والمهنة فوق كل اعتبار. وتؤمن بالتالي بأن الإعلام ليس مجرد مهنة عابرة، بل رسالة ومسؤولية وأمانة اتجاه المجتمع.

فهل تنجح النقابات الإعلامية في توحيد الصفوف وتصحيح المسار، أم أن واقع التشتت سيستمر في إضعاف واحد من أكثر القطاعات تأثيرا في المجتمع؟. سؤال يبقى مفتوحا على جميع الاحتمالات، في انتظار ميلاد رؤية جديدة تعيد للصحافة المغربية بريقها ومكانتها داخل الوطن.

جدير بالذكر، أن “الفصل 28 من الدستور” يكفل حرية الصحافة ويمنع فرض أي رقابة قبيلة. وفي الآن ذاته، يوجب على السلطات العمومية تشجيع تنظيم قطاع الصحافة بكيفية مستقلة وعلى أسس ديمقراطية. مع احترام القواعد الأخلاقية والقانونية. كما أن “القانون رقم 90.13″، المحدث “للمجلس الوطني للصحافة والنشر” يعتبر الإطار القانوني المرجعي المنظيم للولوج للمهنة، وضبط بطاقة الصحافة. فضلا عن تفعيل “ميثاق أخلاقيات المهنة” كآلية مركزية للتحكيم وربط المسؤولية بالمحاسبة. فيما ترسم “المدونة رقم 88.13″، المتعلقة بالصحافة والنشر الحدود الفاصلة بين الممارسة المهنية المهيكلة والخروج عن الضوابط القانونية.

الأكيد، أن النقابة القوية هي التي تستوعب أن جودة المادة الإعلامية تبدأ من ضمان كرامة صانعها؛ لتبقى الوحدة النقابية اليوم مطلبا أساسيا وطوق النجاة الوحيد لحماية نبل الرسالة الصحفية وضمان حقوق وكرامة الصحافيين.

هكذا، تظل الإجابة عن سؤال “إنقاذ الجسد الصحفي” رهينة بمدى توفر إرادة جماعية حقيقية لدى النقابات الإعلامية الكبرى للتسامي فوق الحسابات الضيقة، ووضع المصلحة العليا للوطن وللمهنة فوق كل اعتبار. فصياغة مشروع مهني مندمج وموحد يستوعب تضحيات المراسل والمصور والتقني إلى جانب الصحفي، ويحارب بصرامة الدخلاء، هو المدخل الأساسي لاسترجاع هيبة “صاحبة الجلالة” وصيانة بريقها كمحرك للتنمية ومرآة عاكسة لتطلعات المجتمع، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك “محمد السادس”، نصره الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.