هجرة المغاربة لممارسة العمل الفلاحي بـ”فرنسا” بين أنياب الاتجار بالبشر و”العمل الأسود”

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

لم تكن فصول المحاكمة المثيرة التي شهدتها المحكمة الابتدائية بمدينة “مونتوبان” الفرنسية مجرد قضية عابرة تندرج ضمن قضايا النصب والاحتيال التقليدية. بل جاءت لتفجر فضيحة حقوقية وإنسانية من العيار الثقيل. حيث كشفت الوجه البشع لشبكات دولية منظمة تتاجر بـ”وهم” الاستقرار، لتستنزف سواعد العمال الموسميين المغاربة في قطاع الفلاحة بمقاطعة “تارن وغارون/Tarn-et-Garonne” الفرنسية. في ممارسات أشبه بعبودية عصرية مقنعة في القرن الحادي والعشرين.

وهكذا، فقد فجرت فصول محاكمة مجموعة تستغل المهاجرين المغاربة من خلال عقود عمل مزورة بالديار الفرنسية. تبيع “وهم” السعادة الفرنسي، في مقابل عيش موسوم بالمعاناة والاستغلال والاستعباد. فصول دراما بشرية أبطالها تجار بشر وضحاياها عمال مهاجرون في بلد موسوم بفضاء “الحرية والأخوة والحقوق”.

هاته النازلة، التي حظيت بمتابعة إعلامية وقضائية واسعة، تفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حارقة تتعلق بملف العمالة الأجنبية بالمهجر. وذلك في ظل تنامي نفوذ مافيات الاتجار بالبشر التي لم تعد تكتفي بالاغتناء السريع على حساب بؤس المستضعفين. بل باتت تشكل تهديدا أمنيا عابرا للحدود عبر قدرتها على اختراق قنوات الهجرة. وبل والأخطر تجنيد الفئات الشابة للعمل في شبكات الجريمة المنظمة أو تجارة السلاح والإرهاب.

وقائع تفتح سؤال العمالة الأجنبية بالمهجر وحضور شبكات الاتجار في البشر، والسيطرة على فضاء الهجرة السرية. وتحويلها من وسيلة للاغتناء إلى شبكات لجنيد فئات عمرية شابة للعمل ضمن شبكات إرهابية أو حتى الاتجار في السلاح والممنوعات.

فما تفجر بـ” محكمة مونتوبان” الابتدائية، لم تقتصر فصوله على كشف لبس وساطة فلاحية واسعة النطاق، شملت عمالا موسميين مغاربة في مقاطعة “تارن وغارون” (Tarn-et-Garonne). بل فجرت قضة أعمق تأخد بعدين.

البعد الأول: الاستعباد وقتل “الحلم الفرنسي”

يتجلى العمق المأساوي لهذه القضية في شقها الإنساني. حيث سقط مئات الشباب والمزارعين المغاربة ضحايا لشبكة “مغربية-فرنسية” متمرسة. باعتهم تأشيرات وعقود عمل فلاحية وهمية مقابل مبالغ فلكية وصلت لحوالي 10 آلاف يورو/100 ألف درهم مغربي للفرد الواحد. ليستفيق هؤلاء الضحايا على حقيقة تبخر أحلامهم. علما أن الكثير من هؤلاء اضطروا لبيع ممتلكاتهم أو الاقتراض لتأمين هذا المبلغ طمعا في تحقيق انفراجة مادية وعيش كريم بالديار الأوروبية.

كما أن هاته الواقعة نقلت بجلاء واقع معاناة مريرة يعيشها هؤلاء الضحايا وسط بساتين معزولة. إذ وبمجرد أن وطأت أقدام هؤلاء التراب الفرنسي، اصطدموا بحقيقة قاسية، حيث جرى حشرهم في بساتين وحقول مقاطعة “تارن وغارون”. وبالتالي تشغيلهم في ظروف لا إنسانية تفتقر لأدنى شروط السلامة والصحة المهنية. تحت طائلة التهديد بالطرد والترحيل مستغلين وضعيتهم القانونية الهشة.

البعد الثاني: “العمل الأسود” والقرصنة الاجتماعية للاقتصاد الفرنسي

كشف هاته الواقعة عن تغلغل ممارسات “العمل الأسود/Travail dissimulé”. والتهرب الضريبي على نطاق واسع. ما شكل ضربة قوية للنظام الاجتماعي والاقتصادي الفرنسي. 

في هذا السياق، فقد تم تسجيل ممارسات ذات صلة بـ”الاحتيال الاجتماعي/Fraude sociale”. إذ تعمدت تلك الشبكة، بتواطؤ مع بعض أرباب العمل. تشغيل هؤلاء العمال الوافدين بشكل غير نظامي ودون إعداد التصاريح القانونية الإلزامية لدى الصناديق الاجتماعية المختصة.

واقع نتج عنه حصول نزيف مالي في خزينة “مؤسسة الضمان الاجتماعي الفلاحي/MSA” بفرنسا، لتبرز بالتالي كطرف متضرر رئيسي. بعد الكشف عن تهرب هؤلاء من أداء الاشتراكات الاجتماعية والمساهمات القانونية لهاته المؤسسة. ما كبد خزينتها خسائر مالية جسيمة وصلت لقرابة 800 ألف يورو.

فصول عرت حقيقة تحويل مسارات الهجرة من الدائرية القانونية المفترضة، إلى تجارة سرية مربحة للوسطاء، في اتجار صريح بالبشر. ما يفرض تنسيقا مغربيا فرنسيا في مواجهة مخاطر هاته الشبكات. مع إعادة النظر في آليات المراقبة الرقمية والميدانية. إذ لم يعد مقبولا ترك فضاءات التواصل الاجتماعي مرتعا للإعلانات المموهة التي تصطاد البسطاء. فضلا عن تنزيل مضمون “القانون الجنائي المغربي رقم 27.14″، المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر. إضافة لفتح قنوات تنسيق فعلية مع “الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات/ANAPEC”، بغاية تبسيط وتأمين قنوات الهجرة المهنية المشروعة والمجانية. صونا لكرامة المواطن المغربي وقطعا للطريق على مافيات العبودية الحديثة التي تقتات من دماء وسواعد الطبقة العاملة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.