ورزازات: هل يتحول مهرجان “أحواش” من الموسمية إلى مشروع ثقافي مستدام؟
عبد الرزاق بوزمان
عبد الرزاق بوزمان
لم يعد الرهان على “المهرجان الوطني لفنون أحواش” بمدينة “ورزازات” مقتصرا على تنظيم تظاهرة فنية موسمية. بل بات مرتبطا بسؤال أوسع حول قدرة الإقليم على تحويل موروثه الأمازيغي لرافعة للتنمية الثقافية والسياحية. مع ضمان مكانة لائقة للفنانين وحملة الذاكرة الجماعية.
في هذا السياق، اعتبر المنظمون أن هاته النسخة من المهرجان، مرشحة لأن تكون “أجمل نسخة”.
الوقائع الميدانية وما نرقبه من استعدادات، وما يصاحب كواليس المهرجان. تعكس حضورا أقوى لهوية أحواش ولأبناء وبنات “ورزازات”.
في هذا السياق، ربط المنظمون هذا التطلع، بما وصفوه، بالتحول الذي أتاحته الدورة الثالثة عشرة. معتبرين أنها شكلت نقطة انتقال نحو مرحلة جديدة. مؤكدين على على وجوب تجاوز منطق تنظيم الفعاليات في اتجاه نظرة أخرى اشمل ترتكز على بناء مشروع ثقافي متكامل قادر على صون التراث وتطويره وتسويقه دون التفريط في أصالته.
في هذا الصدد، أكدت ذات المصادر، أن بعض المظاهر التي كانت، وفق تعبيرهم. لا تنسجم مع صورة المهرجان وهويته لن تكون حاضرة هاته السنة.
في هذا الشأن، قال أحد المنظمين بالدارجة المغربية: “على الأقل بعدنا علينا واحد صحاب السبرديلات اللي كانو كيطلعو لينا بالسبرديلة والشورط. هذا العام إن شاء الله ما غاديش نشوفوهم”، في انتقاد لما اعتبره مظاهر لا تليق بطبيعة التظاهرة. إلا أن هاته الخطوة تطرح في المقابل ضرورة تحديد معايير المشاركة والتنظيم على نحو واضح. بما يحفظ هوية المهرجان دون الانزلاق لإصدار أحكام تمس الأشخاص أو تختزل الانتماء الثقافي في المظهر واللباس.
وفي معرض حديثه عن الاستعدادات، نوه ذات المتحدث باللقاء الذي عقده عامل إقليم “ورزازات” مع وسائلا لإعلام. معتبرا أن مضامينه حملت إشارات إيجابية في شأن الاهتمام بالموروث المحلي والرغبة في إعطاء المهرجان مسارا أكثر انتظاما من خلال القول: “حطينا ليكم يا أهل ورزازات مهرجان أحواش والتراث فوق السكة الصحيحة، باش ينطلق نحو العالمية، فما علينا إلا الاشتغال”.
تبقى الرسالة الأبرز، التي وردت في حديث أحد منظمي المهرجان، هي دعوته لعدم ربط مستقبل المهرجان بالأشخاص الذين يتولون المسؤولية في مرحلة معينة. مشددا على أن التراث ملك للمجتمع المحلي، وأن استمراره يحتاج لرؤية طويلة الأمد تتجاوز تغير المسؤولين وتبدل الأولويات الإدارية.
في هذا الشأن قال ذات المتحدث: “لا العامل سيبقى، ولا الكاتب العام، ولا الباشا، سيبقى التراث في ورزازات”. مضيفا أن أهل المنطقة هم المعنيون أساسا بصيانة هذا الموروث ونقله إلى الأجيال المقبلة. وبالتالي إيصاله لآفاق أوسع، إذا توفرت الإرادة والعمل والتخطيط.
تكتسب هاته الدعوة أهميتها من كون استدامة المهرجانات الثقافية لا تتحقق بمجرد نجاح دورة أو حضور مسؤولين وازنين. بل تتطلب بناء تصور مؤسساتي واضح، يضمن استمرارية البرمجة، وتوثيق الذاكرة الفنية، وتكوين الأجيال الجديدة، وتحسين ظروف اشتغال الفرق. مع ضرورة إشراك الفاعلين الثقافيين والإعلاميين والاقتصاديين في صياغة المشروع ومتابعة نتائجه.
“ورزازات” ليست بحاجة لتقليد “الصويرة” و”مراكش”
في محور آخر، دعا ذات المتحدث، إلى تجاوز المقارنات التقليدية مع مهرجانات مدن أخرى، وعلى رأسها “الصويرة” و”مراكش”. معتبرا أن “ورزازات” تتوفر على مقومات بشرية وطبيعية وثقافية تسمح لها ببناء نموذج خاص بها، بدل السعي لاستنساخ تجارب تختلف عنها في السياق والموارد والتاريخ.
في هذا الصدد قال: “لا يجب أن نقارن أنفسنا بالصويرة ولا بمراكش”. مضيفا أن الإقليم يضم كفاءات وطاقات بشرية، إلى جانب الجبال والشمس والمجالات الطبيعية والرصيد الثقافي. معتبرا ان هاته العناصر يمكن أن تشكل أساسا لمشروع ثقافي وتنموي متفرد.
وشدد نفس المتحدث على أن المطلوب هو تحويل هاته المؤهلات إلى قيمة مضافة، من خلال تطوير جودة التنظيم والتواصل والتوثيق. مبرزا أن هاته الخطوات سستفتح آفاقا جديدة أمام الفرق والفنانين. داعيا لربط التظاهرة بالمسارات السياحية والمنتوجات المحلية والحفاظ على خصوصية “أحواش” باعتباره تعبيرا فنيا واجتماعيا متجذرا في الثقافة الأمازيغية.
من هنا، ووفق هذا المنظور، فالأمر لا يتعلق بمنافسة عددية مع مهرجانات أخرى. بقدر ما يتعلق ببناء هوية واضحة للمهرجان، تحدد جمهوره ورسائله الثقافية وأثره الاقتصادي والاجتماعي. بما يجعله قادرا على تقديم تجربة أصيلة استنادا لتاريخ المنطقة وذاكرتها الجماعية.
“أحواش” صورة أقوى من إيقاع ولباس
من أبرز النقاط التي توقف عندها نفس المتحدث نجد دعوته لقراءة “أحواش” معرفيا واجتماعيا وتاريخيا. بدل التعامل معه باعتباره مجرد عرض فني قائم على الإيقاع والرقص واللباس التقليدي.
في هذا الشأن قال: إن “فرقة واحدة من فرق أحواش تجد فيها تاريخا كبيرا”. داعيا للبحث في دلالات الزي الأمازيغي، وأصول الإيقاعات، وأدوار الحركات الجماعية، والرموز التي تحملها عناصر الأداء. معتبرا إياها مكونات تختزن جوانب من تاريخ المجتمع المحلي ونمط عيشه وتعبيراته الفنية.
تنسجم هاته الدعوة مع المقاربة التي تعتمدها “منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، اليونسكو”، القائمة على صون التراث الثقافي غير المادي. أي أنها لا تحصر التراث في العروض والمظاهر المادية، بل تشمل أيضا المعارف والممارسات والتعبيرات التي تنقلها الجماعات من جيل لآخر، وتعيد بالتالي إنتاجها بما يتلاءم مع محيطها وتحولاته.
في هذا السياق، يكتسب التوثيق العلمي لفنون “أحواش” أهمية خاصة، سواء من خلال جمع الروايات الشفوية، أو تسجيل الإيقاعات والأنماط التعبيرية، أو دراسة الأزياء والأدوات المستعملة، أو حفظ أسماء الفرق والرواد ومساراتهم الفنية. كما يتيح هذا العمل تطوير مواد تعليمية وثقافية يمكن أن تستفيد منها المدارس والجامعات ومؤسسات البحث، بما يحول المهرجان من موعد للاحتفال إلى فضاء للمعرفة ونقل الخبرة.
كرامة الفنان شرط لاستدامة التراث
لم يغفل المتحدث عينه التركيز على الجانب الاجتماعي. معتبرا أن الاحتفاء بـ”أحواش” لا يكتمل ما لم ينعكس على أوضاع ممارسيه. لا سيما الفنانين منهم الذين يحملون هذا الموروث ويواصلون أداءه في ظروف قد لا تتناسب دائما مع قيمته الثقافية.
في هذا الشأن قال: “نتمنى إن شاء الله في السنوات المقبلة أن يتم الاشتغال على فرق أحواش”. معبرا عن أمله في أن تحظى الفرق بمكانة فنية واجتماعية أفضل، وأن يصبح “الرايس ديالنا عنده فيلا”، في إشارة رمزية لضرورة تمكين الفنان من شروط العيش الكريم، وعدم التعامل معه باعتباره مجرد عنصر ترفيهي في المناسبات.
تفتح هاته الدعوة النقاش حول سبل تحسين أوضاع الفنانين التقليديين، عبر عقود واضحة للمشاركة. مع ضمان مستحقاتهم، وتوفير شروط العمل اللائق، وتوسيع فرص التكوين والترويج. فضلا عن تشجيع نقل المهارات إلى الأجيال الصاعدة.
خطوات تبقى لازمة، لأن حماية التراث لا يمكن بالمطلق فصله عن حماية حامليه. كما لا يمكن ضمان استمراره إذا ظلت الفرق تعاني الهشاشة أو غابت عنها فرص الاستفادة من القيمة الاقتصادية والثقافية التي تنتجها.
من الاحتفال الموسمي إلى مشروع ثقافي مستدام