جراح السرد: من صدمة الغيرية إلى تضميد الذاكرة

الدكتور حسن العاصي باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

الدكتور حسن العاصي باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

 

حين نتأمل الكتاب الجديد “للدكتور محمد الداهي” الموسوم بـ “جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة”، الصادر عن المركز الثقافي للكتاب، 2026”. ندرك منذ الصفحات الأولى أننا أمام حلقة جديدة في مشروع نقدي طويل النفس، انخرط فيه المؤلف منذ عقود، وواصل تعميقه وتوسيعه في السنوات الأخيرة.

هذا المشروع لا يقرأ بمعزل عن مؤلفه السابق “السارد وتوأم الروح: من التمثيل إلى الاصطناع”، الذي حاز “جائزة الشيخ زايد العالمية”، في صنف “الفنون والدراسات النقدية” عام 2021. بل يعتبر امتدادا له وتطويرًا لأفقه النظري والتطبيقي.

يظهر هذا المسار أن “محمد الداهي” لا يكتفي بالاشتغال على النصوص الأدبية في حدودها الجمالية. بل يسعى إلى إعادة صياغة مفهوم النقد ذاته، عبر استلهام الأدوات والمفاهيم الحديثة في النقد الغربي. ثم إعادة توطينها في السياق العربي، ليبرهن أن العرب، شأنهم شأن غيرهم من الأمم، قادرون على الإسهام في المسار الكوني للمعرفة الأدبية والفنية. ما يضعه في مصاف النقاد العرب والمغاربة الذين يطمحون إلى تأسيس نقد جديد، يتجاوز التكرار ويواكب التحولات المعرفية الكبرى.

يبدو واضحا أن “الداهي”، في مؤلفاته الأخيرة، يواكب التحول من إبدال “الأدبية” الذي ميز المرحلة البنيوية. حيث كان التركيز منصبا على طبيعة النص الأدبي وسماته الفنية، إلى إبدال “كتابات التدخل” التي أعادت الاعتبار إلى جدوى الأدب في الحياة اليومية.

هذا التحول يفتح النصوص على الذاكرة الجماعية، ويستدعي المحكيات الصغرى، ويعيد كتابة التاريخ من الأسفل. أي من زاوية المهمشين والضحايا والتابعين الذين طالما ظلت أصواتهم خارج السرد الرسمي.

إن كتاب “جراح السرد” يندرج في هذا الأفق، حيث يحفز الضحايا على المكاشفة بسرد محكياتهم الموازية. ما يمنحهم إمكانية تضميد جراحهم الرمزية عبر الكتابة.

بهذا المعنى، يصبح الأدب أداة علاجية، ووسيلة لإعادة بناء الذات والجماعة. ومجالًا لإعادة التفكير في علاقة الفرد بالآخر، وفي صدمة الغيرية التي تعيد تشكيل الهوية وتفتحها على أفق إنساني أوسع.

يأتي كتاب “جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة” للدكتور “محمد الداهي” امتدادا طبيعيا لمسار نقدي طويل، سبق أن دشنه بعمله “صورة الأنا والآخر في السرد”، (2013). وهو الكتاب الذي نفد سريعا بعد صدوره، تاركا أثرا بالغا في الذاكرة النقدية العربية، لما حمله من جرأة في مساءلة علاقة الذات بالآخر وتمثيلها سرديا. غير أن السنوات التي تلت صدور ذلك العمل لم تكن عادية؛ فقد شهد العالم العربي تحولات جيوسياسية عاصفة، واستقواء متزايدا للغرب، وتفككا داخليًا للأمة العربية. فضلًا عن الممارسات الوحشية التي ارتكبتها “إسرائيل” وحلفاؤها في حق الشعب الفلسطيني، والتي شكلت صدمة جماعية وإنسانية عميقة. هذه السياقات التاريخية والسياسية لم تكن مجرد خلفية. بل كانت دافعا مباشرا للكاتب كي يعيد النظر في موضوعه، ويوسع أدواته ومصادره، ويستعين بمقاربات جديدة مثل السيميائيات ودراسات الصدمة (Trauma Studies). ليمنح مشروعه النقدي أفقا أكثر تركيبا وشمولا.

لقد وسع “الداهي” المتن المدروس ليشمل أربع عشرة رواية وتسع عشرة سيرة ذاتية. موزعة بين خمسة عشر عملًا عربيا وثمانية عشر عملًا غربيا. ما يعكس حرصه على المقارنة بين التجارب السردية في المركز والمحيط، وعلى إبراز كيفية تفاعل الأدب مع الصدمات التاريخية والوجودية عبر ثقافات متعددة. هذا التوسيع لا يقتصر على الكم، بل يفتح المجال أمام مساءلة عميقة للكيفية التي يعاد بها بناء الهوية عبر السرد، وكيف يستخدم الأدب كأداة مقاومة أو تضميد لجراح الذاكرة.

في القسم الأول، تناول كيفية تلقي الإنسان العربي “صدمة الإمبراطورية” وتمثلها فنيا وأدبيا، باعتبارها تجربة وجودية تسعى إلى مقاومة القوى التي تدير وتدبّر آليات التحقير والطمس، وتكريس الدونية والاغتراب الثقافي. هنا درس روايات “سهيل إدريس”، “محمد المعزوز”، “جاسم الرصيف”، إلى جانب السير الذاتية لـ”فدوى طوقان”، “عبد الهادي الشرايبي”، “عبد الله العروي”، “عبد الغني أبو العزم”، ليكشف كيف تحول السرد إلى مساحة مواجهة مع الآخر المستعمِر. وإلى وسيلة لإعادة بناء الذات في مواجهة التبعية.

أما القسم الثاني، فقد خصصه لأعمال أدبية يستخدم أصحابها، سواء من المركز أو من المحيط، لغة الإمبراطورية نفسها. لكن ليس بوصفها أداة هيمنة، بل كوسيلة لإعادة التملك وتوظيفها في خدمة مقاصد الشعوب المستعمَرة سابقًا وتطلعاتها التحررية. بهذا المعنى، يصبح السرد ردا مضادا على المزاعم الكولونيالية التي تتجدد بأشكال مختلفة لتكريس العقود المفروضة على التابعين (العقد السردي، العقد الاجتماعي، العقد العرقي). وقد اعتمد “الداهي” هنا، على متون روائية لـ”جان ماري لوكليزيو”، “موريس لوغلاي”، “عبد الرزاق قرنح”. وعلى متون سير ذاتية لـ”إدوارد سعيد” و”آني إرنو”، ليبرهن أن الأدب قادر على قلب المعادلة، وتحويل لغة السلطة إلى لغة مقاومة.

يستند “الدكتور محمد الداهي” في كتابه “جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة” إلى شبكة واسعة من المرجعيات النظرية والمعرفية التي تتقاطع عند سؤال الجراح والصدمة. سواء من خلال الفعل التكلُمي (Illocutoire) الذي يتيح للذات التعبير عن معاناتها عبر السرد. أو عبر الفعل التَكليمي (Perlocutoire)، الذي يبرز أثر الكلمات في جرح الآخر وإحداث صدمة في وعيه. غير أن “الداهي” يراهن بالأساس على الطرح الثاني، أي على قدرة السرد في أن يكون أداةً للكشف والمكاشفة. وأن يتحول إلى فضاء يتيح للضحايا والمهمشين التعبير عن جراحهم الرمزية ومواجهة آثارها النفسية والاجتماعية.

في هذا السياق، يوظف المؤلف أطاريح عدد من المفكرين والباحثين البارزين مثل “تزفيتان تودوروف”، “بول ريكور”، “باسكال أوري”، “ألكسندر جيفن”، “برونو بتلهايم”، “جوديت باتلر” وغيرهم. ليستفيد من مقارباتهم في تحليل الجراح من زوايا متعددة: فلسفية، سيميائية، أنثروبولوجية ونفسية. هذا التعدد المرجعي لا يهدف فقط إلى إثراء الإطار النظري، بل أيضا إلى إضاءة كيفية تجلي الجراح في المتنين العربي والغربي. ففي المتن العربي يبرز كيف تألم العرب من جراح الهيمنة الغربية، بينما في المتن الغربي يتضح كيف تجرأ كتاب على الرد بالكتابة على ما تحدثه لغة الغرب من جراح في نفوس المهاجرين أو المواطنين الذين يعانون من الهجنة الهوياتية.

إلى جانب ذلك، يواصل “الداهي”، على غرار مؤلفاته السابقة، الانفتاح على مرجعيات نقدية حديثة صدرت منذ مطلع الألفية الجديدة، باللغات الأصلية وفي مظانها الغربية. دون أن يغفل المصادر الكلاسيكية التي تساعد على تحديد طبيعة النص الأدبي وأدبيته وفنيته. كما يوازن بين هذه المرجعيات الغربية، وبين مصادر عربية أصيلة، مثل أعمال “عبد الله العروي”، “عبد الكريم الخطيبي”، “جورج طرابيشي”. إضافة إلى ترجمات عربية لأعمال مفكرين عالميين مثل “إدوارد سعيد”، “بيل أشكروفت”، “غاريت غريفيث”، “هيلين تيفن” وغيرهم.

هذا المزج بين المرجعيات المحلية والعالمية يعكس حرصه على بناء خطاب نقدي مركب، قادر على استيعاب التحولات المعرفية الكبرى، وفي الوقت نفسه متجذر في السياق الثقافي العربي.

يظهر مشروع “الدكتور محمد الداهي” النقدي حرصا منهجيا على المزاوجة بين البعدين الأفقي والعمودي في مقاربته للسرديات. بما يمنح المعرفة النقدية حلة متسقة ومنسجمة، ويجعلها قادرة على استيعاب تعقيدات النصوص والظواهر الثقافية في آن واحد. فهو يتبنى ما يسميه بـالمقاربة العرضانية الممتدة (Transversal approach)، التي تستلهم أدواتها من حقول معرفية متعددة، مثل الأدب وعلم الاجتماع وعلم النفس. وتستند إلى مناهج متشابكة كالسيميائيات، دراسات الصدمة، الدراسات الثقافية والسرديات الذاتية. هذه المقاربة لا تكتفي بالتحليل النصي، بل تنفتح على البنى الاجتماعية والسياسية والأنثروبولوجية التي تنتج النصوص وتؤطرها.

أفقياً، يوسع “الداهي” مجال النظر ليشمل الجراح التي تعاني منها السرديات العربية نتيجة التركة الاستعمارية. حيث درس نماذج من الروايات والسير الذاتية العربية التي تكشف عن أثر الاستعمار في تكريس التبعية والهيمنة. كما في روايات “موريس لوغلاي” التي تعيد إنتاج خطاب التفريق بين المغاربة وتثبيت دونيتهم. في المقابل، يتوقف عند تجارب كتاب غربيين مثل “آني إرنو” و”جان ماري لوكليزيو”. أو كتاب منفيين مثل “إدوارد سعيد” و”عبد الرزاق قرنح”، الذين واجهوا بدورهم جراح الاستعمار والاغتراب. فاختاروا تملك لغة الإمبراطورية نفسها، لغة الخصم والحكم، والرد بها على مزاعم الاستعمار الجديد ومعايير المؤسسة الأدبية المهيمنة. بهذا المعنى، يصبح السرد فضاءً للتفاوض مع السلطة، وأداةً لإعادة تعريف الذات في مواجهة الآخر.

عموديا، يعتمد “الداهي” على تفكيك ثلاثة عقود مركزية فرضها الاستعمار على الشعوب المستعمَرة: العقد السردي، العقد الاجتماعي، العقد العرقي. هذه العقود لم تكن مجرد اتفاقيات سياسية أو اقتصادية، بل آليات لإدامة الهيمنة عبر القوة والرصاص أولًا، ثم عبر الطباشير والسبورة لاحقًا، أي عبر التعليم واللغة والمؤسسات الثقافية. فقد راهنت القوى الاستعمارية، منذ مؤتمر برلين عام 1885، على وضع مبادئ عامة لتوزيع المستعمرات وتبادل المصالح. لكنها في العمق كانت تؤسس لـ “العقد الاستعماري” الذي يشرعن الاستحواذ على الثروات واستعباد السكان تحت ذريعة التمدين والتحديث.

يقترن هذا العقد الاستعماري بـ”العقد الاجتماعي” الذي صوِر وكأنه يعكس الذهنية الغربية وحدها، بينما تركت الشعوب المستعمَرة في “الحالة الطبيعية”، وكأنها خارج التاريخ. هذا التصور رسخ في المخيال الغربي أن الديمقراطية والتمدن حكران على الغرب، بينما تعتبر في المجتمعات الأخرى مجرد ألفاظ طائشة تحتاج إلى قرون لتترسخ. وهنا يبرز ما يسميه “الداهي” بـ”المفارقة الزمنية” (Anachronism)، أي وضع المجتمعات المستعمَرة في موقع متأخر زمنيا، وكأنها تسير دوما خلف الغرب. هذه المفارقة تستدعي اليوم زحزحة المركزية الغربية، وتبني نماذج بديلة للتنمية والنهضة، والإيمان بدور المثقف التنويري في تسريع الزمن التاريخي وتحقيق الطفرات، كما أشار “عبد الله العروي” في كتابه “العرب والفكر التاريخي”.

أما العقد العرقي، فقد كرس دوام الهيمنة البيضاء والتفوق الأوروبي على أساس العرق والبشرة. بينما عمل العقد السردي على تثبيت سرديات الإمبراطورية وصناعة الشرق وأسطرته، بما يجعل الأدب نفسه أداة لإعادة إنتاج الهيمنة. هذه العقود الثلاثة تتداخل لتشكل شبكة معقدة من السيطرة، وهو ما يسعى “الداهي” إلى تفكيكه عبر قراءة معمقة للنصوص التي واجهت هذه العقود أو أعادت إنتاجها. ليكشف كيف يمكن للسرد أن يكون في الوقت نفسه أداة للهيمنة وأداة للمقاومة.

إن الحديث عن تضميد الجراح الرمزية لا يقتصر على معالجة آثار الماضي، بل يتطلب إعادة النظر في بنية النظام العالمي الجديد برمته، بما يضمن إقامة ما يمكن تسميته بـ”النسيان المؤسسي” و”السلم المستدام”. فالمصالحة الحقيقية لا تتحقق إلا بإنصاف الشعوب التي عانت من الاستعمار أو ما تزال ترزح تحت أشكاله الجديدة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني الذي يتعرض يوميا لأبشع صور الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. إن تضميد الجراح هنا، يعني إعادة الاعتبار للضحايا، وتفكيك آليات العنف الرمزي والمادي التي كرست التبعية والهيمنة.

يتطلب هذا المسار أيضًا تنقية اللغة من الألفاظ الجارحة التي تعيد إنتاج صور التحقير، والحد من توظيف الذاكرة بشكل أيديولوجي انتقائي يركز على أحداث بعينها ويطمس أخرى. بما يحولها إلى أداة للهيمنة بدل أن تكون وسيلة للتعلم والعبرة. فالتضميد لا يتحقق إلا عبر إصدار العفو عن معتقلي الرأي، وإنصاف المظلومين الذين زج بهم في السجون دون محاكمة عادلة، ومنحهم الحق في الدفاع عن أنفسهم. كما يقتضي تجاوز كل ما يعيد إحياء المآسي ويثير الخصومات بين البشر، لصالح بناء ذاكرة مشتركة تقوم على الاعتراف المتبادل لا على التناحر.

ليست الغاية من استحضار الجراح إذن مجرد إطراء الذات أو تقريع الآخر، بل استلهام الدروس التي تساعد على إدامة السلم والمحبة والتفاهم بين الناس، وتحفيزهم على نبذ العنف والكراهية. فالأدب والنقد، في هذا السياق، يتحولان إلى أدوات تربوية وإنسانية، تسعى إلى إعادة بناء العلاقات بين الأفراد والجماعات على أسس جديدة من الاحترام والاعتراف.

في السياق نفسه، يصبح من الضروري ترسيخ المصالحة التاريخية بين مختلف الأجناس والثقافات، بما يعزز القيم النبيلة التي تؤسس للوئام الإنساني. هذه المصالحة لا تقوم على الانتماءات العرقية أو الدينية أو الجغرافية، بل على مردود المواطن وفاعليته في مجتمعه. وعلى مؤهلاته وقدراته التي ينبغي أن تكون معيارًا وحيدًا للتقدير. بهذا المعنى، يتحول تضميد الجراح الرمزية إلى مشروع حضاري شامل، يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الذات والآخر، وبين الذاكرة والتاريخ، وبين الماضي والمستقبل، في أفق إنساني يتجاوز الحدود الضيقة نحو بناء عالم أكثر عدلًا وتوازنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.