المغرب: حكومة “المنصوري” تنال ثقة مجلس النواب بأغلبية 204 ومعارضة 127
العدالة اليوم
العدالة اليوم
شكل تصويت مجلس النواب المغربي، اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026. على البرنامج الحكومي محطة دستورية حاسمة في مسار تشكيل الحكومة الجديدة. بعدما حظي بموافقة 204 نائبا ونائبة في مقابل معارضة 127، من أصل 331 نائبا شاركوا في عملية التصويت.
بهذا التصديق يكون البرنامج الحكومي لـ”فاطمة الزهراء المنصوري” قد تجاوز عتبة الأغلبية المطلقة المطلوبة دستوريا. فاتحا الطريق أمام الحكومة للانتقال من مرحلة عرض التعهدات إلى مرحلة تنفيذها ومواجهة اختبار النتائج.
تكتسب هاته العملية أهميتها من كونها لا تقتصر على استكمال إجراء مؤسساتي، بل تضع الحكومة أمام مسؤولية سياسية وبرلمانية في شأن أولويات مجموعة من الأولويات. ضمنها القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم والعدالة المجالية. وهي ملفات كانت في صلب النقاش حول البرنامج الحكومي. لتنتقل بالتالي إلى مرحلة اختبار تنزيل تعهداتها الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية على أرض الواقع.
تجدر الإشارة، أن عملية التصويت جاءت في ختام جلسة عمومية تم تخصيصها لجواب رئيسة الحكومة عن مداخلات الفرق والمجموعات النيابية في شأن البرنامج الحكومي. قبل عرضه على التصويت طبقا “للفصل 88 من الدستور” والمقتضيات ذات الصلة من النظام الداخلي لمجلس النواب. ما يمنح هذا التصويت الحكومة الشرعية البرلمانية اللازمة لمباشرة مهامها. لكنه يضعها، في المقابل، أمام مسؤولية الوفاء بالتعهدات التي عرضتها أمام ممثلي الأمة.
تكشف نتيجة الاقتراع عن تأييد البرنامج من طرف أغلبية النواب المشاركين، مقابل كتلة معارضة وازنة صوتت ضده. في مشهد يعكس استمرار التنافس السياسي حول أولويات المرحلة المقبلة. فضلا عن سبل تدبير الملفات الاجتماعية والاقتصادية، ومدى قدرة الحكومة على تحويل أهدافها المعلنة إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.
جدير بالذكر أن هذا المسار يستند إلى مقتضيات “الفصل 88 من دستور المملكة” لعام 2011. الذي ينص على أن رئيس الحكومة يعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، بعد تعيين أعضاء الحكومة. على أن يتضمن الخطوط الرئيسية للعمل الحكومي في مختلف مجالات النشاط الوطني، لا سيما السياسة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية.
كما أن البرنامج يخضع للمناقشة أمام المجلسين، ليعقبه لاحقا التصويت في مجلس النواب. ولا تعتبر الحكومة منصبة إلا بعد حصولها على ثقة المجلس، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح البرنامج الحكومي.
تجدر الإشارة أيضا، أن مجلس النواب المغربي يتكون من 395 عضوا، ما يجعل عتبة الأغلبية المطلقة 198 صوتا.
وبحصولها على 204 أصوات مؤيدة، تجاوزت حكومة “المنصوري” هاته العتبة بستة أصوات. فيما لا تعني نتيجة التصويت أن جميع النواب شاركوا فيه، إذ بلغ عدد المشاركين 331 نائبا، وفق الحصيلة المعلنة.
وهنا لا بد من التوضيح، أن الأثر الدستوري للتصويت لا يقتصر على منح الثقة. بل يشكل بداية مرحلة جديدة تصبح فيها الحكومة مطالبة بتنفيذ برنامجها في إطار المسؤولية السياسية، والخضوع لآليات المراقبة البرلمانية، واحترام القوانين والميزانيات المعتمدة.
“المنصوري”: البرنامج تعاقد سياسي ومؤسساتي
سبق لرئيسة الحكومة أن قدمت البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان في جلسة مشتركة، الاثنين 19 أكتوبر. مؤكدة أنه “تعاقد سياسي ومؤسساتي يستند إلى الثقة الملكية السامية وإلى الإرادة التي عبر عنها المواطنات والمواطنون خلال انتخابات 23 شتنبر 2026”.
وشددت “المنصوري” على أن نجاح الحكومة يرتبط بقدرتها على الإنصات إلى المواطنين، والوضوح في شأن الإمكانات والإكراهات. فضلا عن تحويل التعهدات إلى برامج قابلة للتنفيذ. معتبرة أن مسؤولية الحكومة لا تقاس فقط بما تعلنه من أهداف، بل بالنتائج التي يلمسها المواطن في حياته اليومية.
كما أكدت رئيسة الحكومة أن إنجاح البرنامج يقتضي التعاون مع البرلمان واحترام أدواره التشريعية والرقابية والتقييمية. مع اضطلاع الأغلبية والمعارضة بمسؤولياتهما كل من موقعه.
تصريحات تضع العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في قلب المرحلة المقبلة، باعتبارها إحدى الآليات الأساسية لتتبع مدى الالتزام بالوعود الحكومية.
القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم رهانات الولاية الحكومية
تبرز القدرة الشرائية ضمن أبرز التحديات المطروحة أمام الحكومة الجديدة، في ظل استمرار انشغال الأسر بتكاليف المعيشة وارتفاع أسعار المواد الأساسية والخدمات.
في هذا الشأن، لا بد من التوضيح أن البرنامج الحكومي، وفق ما عرضته رئيسة الحكومة. تضمن إجراءات ترمي لدعم الأسر، وتحسين استهداف المساعدات الاجتماعية، وتعزيز فرص الشغل، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، وتقليص الفوارق المجالية.
على المستوى الاقتصادي، تستهدف الحكومة تحقيق معدل نمو سنوي متوسط يبلغ 5 في المائة خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 2027-2031. مع حصر عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، والتحكم في التضخم عند مستوى يقارب 2 في المائة. إلى جانب خفض المديونية العمومية إلى نحو 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي مع حلول 2031.
أرقام تبقى أهدافا معلنة يتعين تقييمها على ضوء المؤشرات الاقتصادية الفعلية خلال السنوات المقبلة.
أما في مجال التشغيل، فإن الجهاز التنفيذي يواجه تحدي توسيع فرص العمل، لا سيما أمام الشباب. فضلا عن تحسين ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق الشغل، وتشجيع المبادرة المقاولاتية والاستثمار المنتج.
أما في قطاعي الصحة والتعليم، فإن الرهان يبقى معلقا على تحسين جودة الخدمات العمومية، والرفع من مردودية الإنفاق، وتقليص التفاوتات بين المناطق والفئات الاجتماعية.
التزامات تكتسي أهمية خاصة، لأن نجاحها لا يقاس بمجرد الإعلان عن برامج أو تخصيص اعتمادات مالية. بل بمدى انعكاسها على مؤشرات التشغيل والدخل وجودة المدرسة والمستشفى والولوج إلى الخدمات الأساسية.
أغلبية سياسية أمام مسؤولية الإنجاز ومعارضة أمام اختبار الرقابة
تستند الحكومة الجديدة إلى أغلبية ائتلافية تضم أحزاب “الأصالة والمعاصرة”، “الاستقلال”، “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” و”التقدم والاشتراكية”. وهي مكونات أعلنت عن تحالفها بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026.
تحالف يمنح الحكومة قاعدة سياسية لدعم برنامجها داخل مجلس النواب. إلا أنه يضع مكوناته أيضا أمام مسؤولية التنسيق بشأن الأولويات والتدابير التنفيذية. وبالتالي تجاوز أية خلافات قد تظهر عند الانتقال من التوافق على البرنامج إلى تدبير الملفات القطاعية والميزانيات.
في المقابل، تتيح المعارضة البرلمانية آليات دستورية لمراقبة العمل الحكومي، ومساءلة الوزراء، وتقديم مقترحات بديلة، وتقييم السياسات العمومية. حيث ينص “الفصل 100 من الدستور” على تخصيص جلسات للأسئلة البرلمانية وأجوبة الحكومة. كما يتيح “الفصل 101” منه عرض الحصيلة المرحلية للعمل الحكومي ومناقشة السياسات العمومية وتقييمها.
من هنا، فإن التصويت لصالح البرنامج لا يعفي الحكومة من المساءلة، مثلما لا تعني المعارضة رفضا مسبقا لكل إجراء حكومي؛ فالاختبار الحقيقي يظل مرتبطا بمدى قدرة المؤسسات على تحويل التنافس السياسي إلى رقابة فعالة واقتراحات عملية تخدم المصلحة العامة.
الحكومة وامتحان النتائج