عادت صادرات الطماطم المغربية إلى الأسواق الأوروبية لتثير جدلا جديدا داخل الأوساط الفلاحية الإسبانية. حيث عبر ممثلو القطاع عن قلقهم من تنامي المنافسة المغربية. معتبرين الأمر يشكل ضغطا على أسعار الإنتاج المحلي، في وقت تواجه فيه الضيعات الإسبانية ارتفاعا في تكاليف الطاقة والتعبئة والتغليف. إلى جانب تحديات المناخ والآفات الزراعية ونقص اليد العاملة.
مخاوف تم نقلها، خلال اجتماع لجنة خبراء الطماطم التابعة للمفوضية الأوروبية في “بروكسل”، التي عرفت مشاركة مسؤولين أوروبيين وممثلين عن القطاع الزراعي في الدول الأعضاء، وفق ما أورده “الاتحاد الإسباني لجمعيات منتجي ومصدري الفواكه والخضر”.
خلال الاجتماع ركز الجانب الإسباني، وفق ذات المصدر، على تراجع المساحات المزروعة بالطماطم الكرزية. فضلا عن المنافسة التي تمثلها الواردات المغربية بالنسبة للمنتجين المحليين.
تكتسي هاته الاعتراضات أهميتها اتصالا بحجم المبادلات التجارية بين “المغرب” و”الاتحاد الأوروبي”.
في هذا السياق، أفاد البيان بأن واردات الاتحاد من الطماطم الطازجة القادمة من خارج حدوده بلغت 773 ألف طن، منها 527 ألف طن من “المغرب”.
تعكس هاته الأرقام المكانة البارزة التي يحتلها المنتج المغربي في السوق الأوروبية. إلا أنها لا تثبت بمفردها أن الصادرات المغربية هي السبب المباشر في انخفاض أسعار الطماطم الإسبانية، إذ يتطلب ذلك مقارنة تطور الإنتاج المحلي والطلب وتكاليف التسويق وحجم الواردات، خلال ذات الفترة.
وقد برر المنتجون الإسبان مواقفهم، بما وصفوه، بتفاقم أعباء الإنتاج. مبرزين أن ارتفاع تكاليف الطاقة بنسبة 16 في المائة، والبلاستيك ومواد التعبئة والتغليف بنسبة 18 في المائة. فضلا عن صعوبات أخرى، ضمنها التغيرات المناخية، وانتشار الآفات الزراعية، والتحديات المرتبطة بتأمين اليد العاملة. وهي عوامل تزيد من الضغط على هوامش الربح وتؤثر في قدرة المنتجين على المنافسة.
في الجانب المغربي، رفض مهنيو القطاع، هاته الاتهامات المتصلة بـ”المنافسة غير العادلة”، مؤكدين، في تصريح نقلته وسائل إعلام مغربية، أن صادرات الخضر والفواكه المغربية إلى الأسواق الأوروبية تخضع لمقتضيات الاتفاق الفلاحي الذي يربط المملكة بالاتحاد الأوروبي. بما في ذلك اتفاق تبادل الرسائل المعدل لهذا الإطار التجاري. مبرزين أن عمليات التصدير تتم وفق الشروط والكميات المنظمة للمبادلات بين الفاعلين المعنيين.
وشدد المهنيون المغاربة على أن جزءا مهما من الطماطم المغربية الموجهة إلى أوروبا يتكون من الطماطم الكرزية. إلى جانب أصناف متوسطة الحجم. فيما يتم توجيه الطماطم المستديرة الكبيرة للسوق الداخلية المغربية. معتبرين أن هذا التمييز ضروري لفهم طبيعة المنافسة بين المنتجات، بالنظر لاختلاف الأصناف والأحجام والأسواق المستهدفة.
واعتبر ذات المصدر، أن احتجاجات بعض التنظيمات الإسبانية تتكرر قبيل الاجتماعات الأوروبية المخصصة للقطاع. مبرزين أنها تستهدف التأثير في القرار الأوروبي في شأن المنافسة والدعم.
لا يقتصر النقاش الدائر على الأسعار وحدها، بل يمتد لإثارة سؤال أوسع متعلق بشروط المنافسة داخل السوق الأوروبية. فضلا عن مدى قدرة المنتجين على مواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة والنقل والتعبئة. إضافة لأثر التغير المناخي والأمراض النباتية في مردودية المحاصيل. وهي عوامل تؤثر في الفلاحين على جانبي المتوسط، وإن اختلفت تكاليف الإنتاج وشروط الدعم بين “المغرب” والدول الأعضاء في “الاتحاد الأوروبي”.
تجدر الإشارة، أن اتفاق الشراكة بين “المغرب” و”الاتحاد الأوروبي”، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2000. ينظم العلاقات التجارية بين الطرفين. فيما وسع الاتفاق المتعلق بتحرير المبادلات في المنتجات الزراعية والمنتجات الزراعية المصنعة ومنتجات الصيد البحري، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2012. نطاق الامتيازات التجارية وفق شروط وبروتوكولات محددة.
هنا، يجب التنبيه أن هذا الإطار لا يعني أن الصادرات المغربية معفاة من جميع القيود أو الشروط. إذ تخضع المنتجات المعنية للمقتضيات الجمركية والتجارية والصحية ذات الصلة. كما يمكن أن ترتبط بعض المنتجات الزراعية بترتيبات خاصة بالحصص أو الأسعار أو شروط الولوج إلى السوق. لذلك، فإن تحديد مدى احترام القواعد يستلزم الرجوع إلى النصوص المطبقة والبيانات الخاصة بكل منتج وفترة تجارية.
كما أن وصف الواردات بأنها “منافسة غير عادلة” لا يشكل، في حد ذاته، إثباتا قانونيا لوقوع مخالفة. فإقرار أي تدبير تجاري تقييدي يتطلب الاستناد إلى أساس قانوني وإجراءات مؤسساتية ومعطيات قابلة للتحقق. لا الاكتفاء باعتراض صادر عن تنظيم مهني أو مناقشة داخل اجتماع للخبراء.
في سياق متصل، أوضح مهنيون مغاربة ما يواجهونه من صعوبات متزايدة. متصلة بارتفاع تكاليف الإنتاج والأضرار الناجمة عن الفيروسات والأمراض النباتية، التي قد تضطر بعض المنتجين لإعادة الغرس أكثر من مرة على نفقتهم الخاصة. فضلا عن تراجع الدعم الحكومي مقارنة بسنوات سابقة. وهي القضايا التي ستتم مناقشتها مع وزير الفلاحة في الحكومة الجديدة، خلال اجتماع سيجمع الجانبين لاحقا.
تكشف هاته المواقف عن مفارقة أساسية في القطاع. فبينما يطالب منتجون إسبان بحماية قدرتهم التنافسية في مواجهة الواردات، يطالب مهنيون مغاربة بدورهم بإجراءات تعزز صمود الضيعات الوطنية وتخفف أعباء الإنتاج وتحمي المحاصيل من المخاطر الصحية والمناخية. وفي الحالتين، تظل القدرة على المنافسة مرتبطة بعوامل تتجاوز بلد المنشأ، لتشمل الإنتاجية وكلفة المدخلات والتكنولوجيا واللوجستيك وجودة المنتوج.
تبرز الأرقام الواردة في البيان الإسباني أهمية “المغرب” كمورد للطماطم الطازجة إلى “الاتحاد الأوروبي”. لكن قراءة هاته الأرقام تقتضي التمييز بين الواردات القادمة من خارج الاتحاد والإنتاج الأوروبي والتبادل التجاري بين الدول الأعضاء. كما أن نسبة الواردات المغربية من إجمالي الواردات الخارجية لا تعني أنها تمثل النسبة نفسها من استهلاك الطماطم داخل أوروبا. لكون السوق الأوروبية تعتمد أيضا على الإنتاج المحلي ومصادر توريد أخرى.
هكذا فبين اعتراضات المنتجين الإسبان وتمسك المهنيين المغاربة بشرعية صادراتهم. يتجه النقاش نحو اختبار قدرة الاتفاقيات التجارية على تنظيم المنافسة بصورة متوازنة، مع ضمان احترام المعايير المتفق عليها. ويظل الرهان بالنسبة إلى “المغرب” هو الحفاظ على موقعه داخل السوق الأوروبية عبر الالتزام بالقواعد التجارية والصحية. فضلا عن رفع تنافسية الإنتاج الوطني، وتوفير دعم فعلي للفلاحين في مواجهة ارتفاع التكاليف والأمراض النباتية.
في المحصلة، فإن حسم الجدل لن يكون بالاتهامات المتبادلة، بل بالاحتكام إلى البيانات الدقيقة بشأن الأسعار والكميات وتكاليف الإنتاج، وإلى المقتضيات القانونية المنظمة للمبادلات بين الجانبين. فالمنافسة داخل السوق الأوروبية لا تعني تلقائيا وقوع مخالفة، كما أن احترام الاتفاقيات لا يلغي الحاجة إلى مراقبة تطبيقها وتقييم آثارها الاقتصادية على المنتجين في “المغرب” و”إسبانيا” على حد سواء.