العدالة اليوم
حسم الرئيس البرازيلي اليساري، “لويس إيناسيو لولا دا سيلفا”، السباق الرئاسي لصالحه. بعد أن تغلب على منافسه اليميني “فلافيو بولسونارو”، نجل الرئيس السابق “جايير بولسونارو”. في انتخابات اتسمت بتقارب النتائج وتصاعد الاستقطاب السياسي، وسط خلافات حول الاقتصاد والأمن والفساد والعلاقات مع “الولايات المتحدة”.
في هذا السياق، حصل “لولا”، البالغ من العمر 80 عاما. على 51.76 في المائة من الأصوات الصحيحة، فيما حصل منافسه “فلافيو بولسونارو” على 48.24 في المائة. وفق النتائج التي أظهرت تقدما حاسما للرئيس المنتهية ولايته، مع اقتراب انتهاء عملية الفرز.
يمثل هذا الفوز عودة سياسية جديدة لـ”داسيلفا”، الذي سبق أن تولى الرئاسة بين عامي 2003 و2010. ثم عاد إلى ذات المنصب في عام 2023، ليضمن بذلك ولاية رابعة غير متتالية، في سابقة في تاريخ الرئاسة البرازيلية.
نتيجة جاءت بعدما كان “فلافيو بولسونارو” قد تصدر الجولة الأولى من الانتخابات، التي جرت في الرابع من أكتوبر الجاري، بحصوله على نحو 47 في المائة من الأصوات. فيما حصل “لولا” حوالي 45 في المائة. إلا أن “داسيلفا” قلب الموازين خلال الجولة الثانية. في ظل تعبئة انتخابية مكثفة وتنافس حاد على أصوات الناخبين المترددين.
بهاته النتيجة تبقى “البرازيل”، التي تعد من أكبر اقتصادات أمريكا اللاتينية. تحت قيادة يسارية رغم المكاسب التي حققها اليمين في الانتخابات التشريعية.
يوم الاقتراع لم يخل من الجدل، بعدما قرر القاضي بالمحكمة العليا البرازيلية “كريستيانو زانين” تمديد التصويت إلى الساعة السابعة مساء حسب التوقيت المحلي، بدلا من الخامسة. استجابة لطلب تقدمت به حملة “لولا” على خلفية تقارير عن اضطرابات في خدمات النقل العام بعدد من المدن.
قرار أثار ارتباكا في شأن كيفية تطبيق التمديد، بعدما أوضحت السلطات الانتخابية أن التصويت الإضافي سيقتصر على مراكز الاقتراع التي لم تكن قد أغلقت أبوابها بعد، بدلا من إعادة فتح المراكز التي انتهت فيها عملية التصويت.
وقائع جاءت ذلك في سياق اتهامات متبادلة بين الحملتين في شأن ظروف وصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع. مع مخاوف من أن تؤثر صعوبات التنقل في المشاركة الانتخابية.
في هذا السياق، قال “داسيلفا”، في تصريحات نقلتها المعطيات الواردة عن حملته: إنه لا ينبغي لأي ناخب أن يتخلى عن حقه في التصويت بسبب ما وصفه بمحاولات عرقلة وصول المواطنين إلى مراكز الاقتراع، موجها انتقادات لمسؤولين محليين وأطراف اتهمها بالتقصير في توفير وسائل النقل. في المقابل، طلب معسكر “فلافيو” تمديد التصويت في بعض الولايات، مستندا إلى ما قال: إنه سوء الأحوال الجوية ومشكلات أثرت في عملية الاقتراع.
تكتسب هاته الواقعة أهمية قانونية وسياسية، لأن تنظيم الانتخابات الرئاسية في “البرازيل” يخضع لقواعد دستورية وتشريعية تتعلق بالمساواة بين الناخبين وضمان حرية التصويت وسلامة العملية الانتخابية.
تجدر الإشارة، أن المادة 77 من الدستور البرازيلي، تنص على انتخاب الرئيس ونائبه بالاقتراع المباشر. مع اللجوء لجولة ثانية إذا لم يحصل أي مرشح على الأغلبية المطلقة للأصوات الصحيحة في الجولة الأولى. كما تضطلع المحكمة الانتخابية العليا، إلى جانب المحاكم الانتخابية المختصة، بمسؤوليات الإشراف على العملية الانتخابية والفصل في المنازعات المرتبطة بها.
لا يعني قرار تمديد التصويت، في حد ذاته، ثبوت وقوع خرق انتخابي أو تلاعب بالنتائج، كما أن أي طعن محتمل يحتاج إلى أدلة وإجراءات قانونية محددة.
الفساد وتكاليف المعيشة في قلب المواجهة
على امتداد الحملة، تنافس المرشحان على استقطاب الناخبين من خلال خطابين متباينين بشأن الاقتصاد والأمن والعدالة الاجتماعية. حيث ركز “داسيلفا” على حماية الفئات الهشة، ومواصلة السياسات الاجتماعية، والدفاع عن استقلال القرار البرازيلي في العلاقات الدولية. فيما سعى “فلافيو بولسونارو” إلى استثمار المخاوف بشأن غلاء المعيشة والفساد والجريمة المنظمة. متعهدا بتشديد السياسة الأمنية وإنشاء سجون عالية الحراسة، إلى جانب طرح عقوبات أكثر تشددا في الجرائم الجنسية الخطيرة.
لكن التحديات الاقتصادية لم تغب عن حسابات الناخبين. فعلى الرغم من تحسن بعض مؤشرات التشغيل وتراجع مستويات عدم المساواة مقارنة بفترات سابقة، ظلت تكاليف المعيشة وديون الأسر والقدرة على تغطية النفقات اليومية عوامل مؤثرة في المزاج الانتخابي. الأمر الذي وضع الولاية المقبلة أمام اختبار تحقيق التوازن بين استمرار الإنفاق الاجتماعي والحفاظ على استقرار المالية العامة وجاذبية الاستثمار.
كما ظلت قضايا الفساد حاضرة بقوة في الخطاب السياسي، في ظل إرث الانقسامات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية. فضلا عن الجدل الذي رافق محاكمة الرئيس السابق “جايير بولسونارو” وإدانته عام 2025 في قضية تتعلق بالتخطيط لانقلاب عقب انتخابات 2022، بحسب التقارير المنشورة بشأن القضية. وقد تعهد “فلافيو”، خلال حملته، بالعمل على إطلاق سراح والده إذا فاز بالرئاسة، ما جعل الملف القضائي أحد محاور المواجهة بين المعسكرين.
مع ذلك، فإن النتائج الانتخابية لا تمنح أي طرف تفويضا بتجاوز استقلال القضاء أو تعطيل الأحكام الصادرة وفق القانون. إذ تظل المسائل المرتبطة بالإدانة والعقوبة وطرق الطعن خاضعة للمؤسسات القضائية المختصة.
ترامب والرسوم الجمركية اختبار للعلاقات مع واشنطن
على الصعيد الخارجي، شكلت العلاقة مع إدارة الرئيس الأمريكي، “دونالد ترامب”، أحد الملفات الساخنة في السباق الانتخابي، في ظل التوتر الذي أثارته الرسوم الجمركية الأمريكية على المنتجات البرازيلية، التي بلغت 50 في المائة في عام 2025 قبل تخفيف بعض الإجراءات لاحقا.
في هذا الشأن، فقد ربطت إدارة “ترامب” جزءا من موقفها التجاري بالخلاف السياسي والقضائي حول “جايير بولسونارو”. فيما اعتبر “لولا” أن هاته الإجراءات تمثل ضغطا على السيادة البرازيلية ومحاولة للتأثير في الشؤون الداخلية للبلاد. في المقابل، دافعت واشنطن عن إجراءاتها التجارية بالاستناد إلى اعتراضات تتعلق بالممارسات التجارية والعلاقات الثنائية.
يمنح فوز “لولا” إشارة قوية لاستمرار النهج الذي يدعو لاستقلال القرار البرازيلي وتوسيع العلاقات مع شركاء دوليين متعددين، دون الانحياز الكامل إلى أجندة “واشنطن”. غير أن هذا التوجه سيواجه اختبارا عمليا، بالنظر لأهمية السوق الأمريكية بالنسبة للصادرات البرازيلية، وحاجة الاقتصاد إلى الحفاظ على تدفقات الاستثمار والتجارة في بيئة دولية تتسم بتصاعد النزاعات التجارية.
كما يضع الفوز الرئيس أمام ضرورة إدارة علاقة متوازنة مع “الولايات المتحدة”، مع الدفاع عن المصالح التجارية البرازيلية وتجنب انزلاق الخلاف السياسي إلى مواجهة اقتصادية أوسع قد تنعكس على الشركات والمستهلكين وفرص العمل.
فوز رئاسي لا ينهي معركة المؤسسات