سيدي بوزيد بالجديدة.. حكاية ولي صالح ارتبط اسمه بالعلم والتصوف والبحر

زينب ايت بويغولدن

تحتضن منطقة سيدي بوزيد، الواقعة على الساحل الأطلسي بضواحي مدينة الجديدة، إرثا تاريخيا وروحيا عريقا ارتبط بأحد أبرز أعلام التصوف والعلم في المنطقة، ويتعلق الأمر بالشيخ أبي زيد عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن أبي عبد الخالق بن أبي عبد الله (مولاي عبد الله) أمغار الحسني، الذي ظل اسمه حاضرا في الذاكرة المحلية، كما ارتبط اسمه بالرباط الأمغاري وبالمجال الساحلي الذي يحمل اليوم اسم شاطئ سيدي بوزيد.

وحسب المعطيات التاريخية التي يقدمها المؤرخ الأستاذ أحمد الوارث، فقد وصف أبو زيد عبد الرحمن بأنه كان من أهل العلم والاجتهاد والورع، ومن المتبتلين والمنقطعين لعبادة الله تعالى، معدودا في زمرة أهل الصيام والقيام، زاهدا في الدنيا، شديد الخوف من الله، ومشغولا بالذكر وتلاوة القرآن.

وتشير المصادر التي استند إليها الأستاذ أحمد الوارث إلى أن سيدي بوزيد بلغ مكانة روحية بارزة، حتى نُسبت إليه كرامات عديدة، وقيل إنه كان مجاب الدعوة. كما ارتبط اسمه بحكايات وروايات تناقلها أهل المنطقة حول بركته وأثره في حياة من قصده طلبا للدعاء والعلم.

رباط تيط.. مقصد للعلم والتصوف

ويبرز حضور أبي زيد عبد الرحمن بشكل خاص داخل رباط تيط، الذي كان في عصره من المراكز المقصودة من طرف الراغبين في العلم والتصوف، حيث كان آل أمغار يحظون بمكانة بارزة داخل هذا الرباط.

وقد خلدت بعض الأشعار أسماء شيوخ آل أمغار ومكانتهم، ومن بينهم أبو زيد عبد الرحمن، في أبيات تشيد بالعابدين من هذه الأسرة وبسيرتهم في الخير والعبادة.

وكان الناس، وفق الروايات التي أوردها الأستاذ أحمد الوارث، يقصدون رباط تيط طلبا للعلم والبركة، ومن بين الحكايات المتداولة رواية الفقيه الصالح أبي عبد الله محمد بن صالح، الذي قصد الشيخ أبا زيد وهو لا يزال صغير السن، ملتمسا منه الدعاء بحفظ القرآن الكريم وسعة الرزق.

وتذكر الرواية أن دعاء الشيخ كان له أثر في حياة الفقيه، إذ تمكن من حفظ القرآن في وقت وجيز، كما اتسع رزقه ورزق أهل بيته، وهو ما اعتبره صاحب الرواية من بركات الشيخ أبي زيد.

حضور في الأحداث السياسية

ولم يقتصر حضور سيدي بوزيد على الجانب الديني والروحي، بل امتد، بحسب الروايات التاريخية، إلى المجال السياسي في تلك المرحلة.

ويورد الأستاذ أحمد الوارث أن أبا زيد عبد الرحمن ارتبط اسمه بقضية عزوز بن يبورك، كبير صنهاجة، الذي تمرد على سلطة الخليفة الموحدي المرتضى، قبل أن يلجأ إلى رباط تيط، حيث احتمى بعشيرة آل أمغار وبشيخها أبي زيد.

وتفيد الرواية بأن الشيخ دافع عن عزوز بن يبورك وحماه من تهديد القائد الموحدي محمد بن القاسم الهنائي، الذي بلغ به الأمر، وفق المصدر ذاته، أن خرب جزءا من سور الرباط احتجاجا على موقف شيخ الرباط وحمايته للرجل المطلوب.

ويُستشف من هذه الواقعة، بحسب القراءة التاريخية التي يقدمها الأستاذ أحمد الوارث، أن أبا زيد الأمغاري كان له موقف سياسي مؤثر، وأنه ناصر الحركة المرينية في سياق التحولات السياسية التي عرفها المغرب خلال تلك المرحلة.

ضريح يطل على البحر

ويُرجح أن أبا زيد عبد الرحمن الأمغاري عاش خلال القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي تقريبا، ولا يزال ضريحه قائما في منطقة ساحلية ارتبط اسمها به، على ربوة تحولت مع مرور الزمن إلى مقبرة، بين مدينة الجديدة ورباط تيط.

ومن هذا المكان أخذ شاطئ سيدي بوزيد اسمه، ليصبح اليوم واحدا من أشهر الشواطئ والمصايف بالمنطقة، في مفارقة تجمع بين الذاكرة الروحية والتاريخية للمكان وبين حضوره السياحي المعاصر.

ولم يكن ارتباط السكان بسيدي بوزيد مقتصرا على زوار الضريح، فقد كان للصيادين، بحسب الروايات المحلية، تقدير خاص له، إذ كانوا يستحضرون اسمه ويتبركون به عند توجههم إلى البحر، وهو ما يعكس المكانة التي احتلها الرجل في المخيال الشعبي لسكان المنطقة.

ذاكرة تاريخية ما زالت حاضرة

وهكذا، فإن اسم سيدي بوزيد لا يحيل فقط إلى شاطئ معروف يقصده المصطافون، بل يحمل في طياته ذاكرة تاريخية وروحية تعود إلى قرون خلت، وتختزل جانبا من تاريخ التصوف والعلم والرباطات بالمجال الدكالي.

وبين الضريح والرباط والبحر، يستمر اسم أبي زيد عبد الرحمن الأمغاري حاضرا في جغرافية المكان وذاكرته، شاهدا على مرحلة تاريخية كان فيها للعلماء والمتصوفة وشيوخ الرباطات حضور يتجاوز المجال الديني، ليصل إلى الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.