هل سقطت فرضية “اليد المغربية”؟: “مارلاسكا” ينفي مسؤولية “الرباط”

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

نفى وزير الداخلية الإسباني، “فرناندو غراندي مارلاسكا”، مسؤولية السلطات المغربية عن التدفق الاستثنائي للمهاجرين غير النظاميين الذي شهدته مدينة “سبتة”، يوم 30 يوليوز 2026. مؤكدا أن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسبانية لم تكن تتوفر، قبل الأزمة. على معلومات دقيقة تسمح بتوقع وصول عشرات الآلاف من الأشخاص دفعة واحدة.

يأتي الإعلان عن هذا الموقف، في وقت لا يزال فيه تدبير أزمة “سبتة”، يثير نقاشا سياسيا وأمنيا واسعا داخل “إسبانيا”. وتحديدا في شأن طبيعة المعلومات، التي كانت السلطات الإسبانية تتوفر عليها قبل 30 يوليوز. فضلا عن مدى قدرة أجهزة الدولة على تقييم المؤشرات المرتبطة بالهجرة غير النظامية.

تجدر الإشارة، أن وزارة الداخلية الإسبانية، كانت قد أعلنت، في وقت سابق. أن عدد الوافدين إلى “سبتة” المحتلة، بلغ حوالي 72 ألف شخص. مفيدة، بأن أكثر من 70 ألفا من هؤلاء غادروا المدينة. فيما لا زالت الإجراءات المسطرية قائمة بالنسبة للباقين. 

مارلاسكا: لا وجود لمعلومات عن السيناريو الذي حصل

خلال مناقشة ملف ما حدث بـ”سبتة”، أمام مجلس النواب الإسباني. شدد “مارلاسكا” على أن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، لم تكن تتوفر على معطيات تشير لاحتمال وقوع عملية دخول جماعي بهذا الحجم.

في هذا السياق، قال “مارلاسكا”: إن السلطات كانت على علم بوجود مخاطر مرتبطة بالهجرة غير النظامية نحو “سبتة”. إلا أن هاته المؤشرات المتوفرة لم تكن مختلفة، من ناحية الجوهر. عن تلك التي رصدتها الأجهزة الأمنية، خلال سنوات سابقة.

وقد رفض الوزير الإسباني اعتبار ما حدث ناتج عن إخفاق استخباراتي. مبرزا أن القول بكون الحكومة كانت تعلم مسبقا بحجم العملية، لا يستند إلى المعطيات التي كانت متاحة حينها. مقارنا بين فصول أزمة يوليوز عام 2026 وأحداث “سبتة” خلال شهر مايو من عام 2021. حيث توفرت حينها، بحسب رواية الحكومة الإسبانية. مؤشرات سمحت برفع مستوى التأهب واتخاذ إجراءات أمنية استثنائية.

المغرب خارج دائرة الاتهام وتحميل المسؤولية

في واحدة من أبرز النقاط السياسية في تصريحات الوزير. رفض “مارلاسكا” تحميل “المغرب” مسؤولية التدفق الجماعي. مشددا على اهمية التعاون القائم بين “الرباط” و”مدريد” في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية.

تجدر الإشارة، أن وزارة الداخلية الإسبانية، كانت قد أشادت رسميا، منذ بداية الأزمة. بما وصفته بـ”التعاون النموذجي” مع “المغرب” في مجال الهجرة. مؤكدة أن السلطات المغربية منعت آلاف محاولات الهجرة، خلال الأيام المتصلة بالأزمة. 

في سياق متصل، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية، أن “مدريد” و”الرباط” اتفقتا على تعزيز تنسيق الجهود المشتركة للتعامل مع مثل هاته التدفقات. ومعالجة وضع الأشخاص الذين دخلوا “سبتة” بشكل غير نظامي. 

هكذا، تسعى الحكومة الإسبانية، عبر خطابها الرسمي. إلى عدم تقديم الأزمة باعتبارها مواجهة بين “مدريد” و”الرباط، بل بكونها أزمة هجرة ذات عوامل متعددة. مع تشديدها على استمرار التعاون الأمني بين البلدين.

“إسبانيا” تستند على معطيات رقمية مغربية

في معرض دفاعه عن مستوى التعاون الأمني مع “المغرب”. استحضر “مارلاسكا” أرقاما قال: إنها تعكس حجم الجهود المغربية في منع الهجرة غير النظامية. مبرزا إحباط السلطات المغربية لأكثر من ألف محاولة دخول سباحة إلى “سبتة”. فضلا عن آلاف عمليات الاعتراض التي تمت قبيل 30 يوليوز 2026.

وشدد الوزير الإسباني، على أن هاته المعطيات، لا تدعم استنتاج توقع عملية بهذا الحجم المسجل في 30 يوليوز. مبرزا أن جزءا كبيرا من الوافدين دخلوا “سبتة” من منطقة الحاجز البحري.

هنا تكمن إحدى نقاط الجدل الأساسية: فهل كان ارتفاع مؤشرات الهجرة كافيا لتوقع عملية استثنائية، أم أن حجم العملية وطريقة حدوثها تجاوزا ما كان يمكن للأجهزة استنتاجه من المعطيات السابقة؟.

هل نحن أمام فشل استخباراتي أم أمام مفاجأة ميدانية؟

تبقى الإجابة على هذا السؤال، جزءا من النقاش السياسي الحاد الذي يدور في “إسبانيا”. إذ وفيما تقول الحكومة: إن المعلومات المتوفرة لم تتضمن تحذيرا استثنائيا. يرى معارضوها أن حجم التحركات السابقة والإنذارات المرتبطة بالهجرة كان ينبغي أن يدفع السلطات إلى إجراءات احترازية أكبر.

في شأن متصل، طالب نواب يرلمانيون الحكومة بتقديم توضيحات، حول ما كانت تعرفه أجهزة الدولة قبل 30 يوليوز. وما إذا كانت هناك اتصالات أو معلومات متبادلة مع السلطات المغربية. 

ومن المنتظر أن يتواصل هذا النقاش المؤسساتي، مع إعلان مجلس النواب الإسباني، أن رئيس الحكومة، “بيدرو سانشيز” سيمثل أمام الجلسة العامة، يوم 3 شتنبر 2026. بغاية تقديم إفادته في شأن تدبير الحكومة للأحداث التي شهدتها “سبتة” يوم 30 يوليوز والأوضاع التي تلتها. 

حكم قضائي يقلب معادلة الحدود البحرية

لا يمكن فهم الإجراءات التي اتخذتها “إسبانيا” عقب الأزمة، بمعزل عن التطور القضائي الذي سبقها. حيث أصدرت المحكمة العليا الإسبانية، في 8 يوليوز من عام 2026. حكما قضى بتطبيق قواعد الرفض على الحدود في “سبتة” و”مليلية”.

وأفادت وزارة الداخلية، أن القرار أكد عدم قابلية تطبيق الرفض الحدودي بنفس الطريقة على الأشخاص الذين يصلون سباحة. اتصالا بعدم وجود حواجز مادية، تحول دون الوصول إلى التراب الإسباني. 

حكم أرخى بظلاله على الوضع القائم، في مجال تدبير الحدود البحرية في “سبتة”. الأمر الذي دفع وزارة الداخلية لاتخاذ إجراءات مادية جديدة.

من هنا، فقد شرعت الوزارة، ابتداء من شهر غشت الحالي. في تركيب حاجز هوائي وعوامات احتواء في منطقة الحاجز البحري بـ”تراخال”. تنفيذا للحكم القضائي الصادر وتعديلا لآليات التعامل مع محاولات الدخول عن طريق البحر. 

هكذا إذن، لم تعد المسألة مرتبطة فقط بزيادة عدد عناصر الأمن. وإنما أصبحت أيضا مرتبطة بكيفية التوفيق بين حماية الحدود وتنفيذ الأحكام القضائية. فضلا عن ضمان الحقوق القانونية للأشخاص الذين يصلون إلى الأراضي الإسبانية.

تعزيز الإجراءات الأمنية بعد الأزمة

عقب التدفق الجماعي، عززت السلطات الإسبانية وجودها الأمني في كل من “سبتة” و”مليلية” المحتلتين. مع تعزيز الموارد البشرية المخصصة لمراقبة الحدود والتعامل مع ملفات الهجرة والأجانب.

كل ذلك، يأتي ضمن سياسة تهدف لإعادة تقييم لقدرات المراقبة والاستجابة بشكل شامل. 

جدير بالذكر، أن “مارلاسكا”، كان قد انتقل، عقب الأزمة، لمدينة “سبتة” المحتلة. حيث عقد اجتماعات مع المسؤولين المحليين وقيادات قوات الأمن والدولة. وفق ما أوردته وزارة الداخلية الإسبانية، حينها. 

اعتراف بإمكانية وقوع أخطاء

رغم دفاع “مارلاسكا” عن أداء الأجهزة الأمنية، إلا أنه لم يستبعد احتمال وقوع أخطاء في تدبير الأزمة. مؤكدا استعداده لتحمل المسؤولية عن أي أخطاء يمكن إثباتها داخل وزارته. رافضا بشدة الربط بين احتمال وجود أخطاء إدارية أو عملياتية وبين اتهام المغرب أو أجهزة الاستخبارات الإسبانية بعدم القيام بمهامها.

موقف يعكس محاولة من الحكومة الإسبانية، الفصل بين مستويين مختلفين من المسؤولية. بين المسؤولية السياسية عن إدارة الأزمة، من جهة. ومسؤولية الأجهزة الاستخباراتية عن عدم توقع حجمها، من جهة ثانية.

تأكيد على استمرار التعاون بين “مدريد” و”الرباط”

على الرغم من الجدل السياسي القائم. إلا أن الحكومة الإسبانية لا تزال تعتبر التعاون مع “المغرب” أحد العناصر الأساسية في سياستها لمواجهة الهجرة غير النظامية.

في هذا السياق، شدد “مارلاسكا” على أن التعاون مع “المغرب” يقوم على “الثقة”. في الوقت نفسه، أشادت وزارة الداخلية الإسبانية بشكل علني بجهود السلطات المغربية في منع محاولات العبور. 

تجدر الإشارة أيضا، أن وزير الداخلية الإسباني، سبق له أن أشاد، خلال اجتماع استثنائي لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي. بالتعاون مع دول المنشأ والعبور، ضمنها “المغرب” في مجال محاربة الهجرة غير النظامية. معتبرا ان هذا التعاون كان أساسيا في تمكين السلطات من إعادة الغالبية الساحقة من الأشخاص الذين دخلوا “سبتة” خلال الأزمة. 

هكذا، ووفق التصريحات المعلنة، يبدو أن هات الازمة وعلى الرغم من حدتها، لم تؤثر على قنوات التنسيق بين “الرباط” و”مدريد”. بل عززت التنسيق بين الطرفين في مجال محاربة الهجرة غير النظامية.

من المسؤول عن الموجهة التي حصلت؟

في ظل تأكيد السلطات الإسبانية عدم توقع موجة التدفق التي حصلت. ونفي السلطات المغربية بدورها توقع حجم الموجة. يبقى السؤال السياسي الأكبر معلقا ومفاده: كيف تمكن عشرات الآلاف من الأشخاص من التحرك نحو “سبتة” والوصول إليها خلال فترة قصيرة؟.

ففي الوقت الذي تؤكد الحكومة الإسبانية بأن الأزمة نتجت عن عدة عوامل. مبرزة أن حجم العملية تجاوز المعطيات المتاحة مسبقا. فيما طالبت المعارضة الحكومة بتقديم تفسيرات أكثر تفصيلا لمسار المعلومات، وطريقة تقييمها، والاتصالات التي جرت مع المغرب قبل الأزمة. تبقى جلسة رئيس الحكومة، “بيدرو سانشيز”، التي سيعقدها أمام مجلس النواب، في 3 شتنبر القادم. محطة سياسية هامة للكشف عن مزيد من المعطيات حول ما سبق الأزمة وكيفية تدبيرها. 

“سبتة” تفجر معادلة أمنية وقانونية جديدة

أعادت الأزمة الناجمة عن تدفقات “سبتة” غير المسبوقة، رسم النقاش حول الحدود والهجرة في هذا الثغر المحتل. طارحة ثلاثة مستويات متداخلة. الاول أمني، متصل بقدرة الأجهزة الأمنية على رصد التحركات الاستثنائية والاستجابة لها. والثاني قانوني، مرتبط بحدود تطبيق إجراءات الرفض على الحدود. خاصة في حالات الوصول عن طريق البحر. أما الثالث فهو دبلوماسي، متصل بمستقبل التعاون المغربي الإسباني في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية.

ضمن هاته الأوضاع والأسئلة الملتهبة، التي فجرتها “سبتة” المحتلة، مع تدفق المهاجرين غير النظاميين إليها بشكل غير مسبوق. تحاول “مدريد” تحقيق معادلة دقيقة. تقوم على حماية حدودها، تنفيذ الأحكام القضائية ومعالجة أوضاع الوافدين على المدينة، وفق القانون. وفي الوقت نفسه، الحفاظ على تعاونها مع “المغرب” باعتباره شريكا أساسيا في تدبير الهجرة في غرب المتوسط.

هل انتهت الأزمة سياسيا؟

يبدو أن أزمة “سبتة” لم تعد مجرد حادثة هجرة جماعية، انتهت بخروج غالبية الوافدين من المدينة. بل تحولت لملف سياسي وأمني وقانوني ساخن ومفتوح.

ففي الوقت التي تنفي الحكومة الإسبانية مسؤولية “المغرب” عن الاحداث وتدافع عن أداء أجهزتها. تستعد المعارضة لمواصلة ضغطها على الحكومة، لمعرفة ما إذا كانت هناك مؤشرات سابقة لم تقرأ بالشكل الصحيح.

ميدانيا، تواصل “مدريد” و”الرباط” تعاونهما في مجال محاربة الهجرة غير النظامية. فيما تنكب “إسبانيا” على تعديل إجراءاتها الحدودية، اتصالا بصدور الحكم القضائي. فضلا عن تعزيز قدراتها الأمنية. لتبقى “سبتة” ووقائع 30 يوليوز، حاضرة بقوة في النقاش السياسي الإسباني، خلال الأسابيع المقبلة. مع اقتراب مثول رئيس الحكومة أمام البرلمان، لتقديم رواية حكومته الكاملة حول واحدة من أكبر أزمات الهجرة التي عرفتها المدينة المحتلة، خلال السنوات الأخيرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.