وفق تقرير جديد صادر عن “المندوبية السامية للتخطيط”، فإن المغرب يعيش على وقع صورة مزدوجة لمسار التنمية. مع تسجيل استمرار اتساع الهوة الاجتماعية.
التقرير الذي قارب الفترة الممتدة ما بين عامي 2000 و2023. سجل أن المغرب شهد تقدما في المؤشرات العامة للتنمية البشرية. في مقابل تسجيل تفاقم مقلق للفوارق الاجتماعية والمجالية. مع تزايد مظاهر الهشاشة في الوسط الحضري.
وهكذا فقد تم تسجيل ارتفاع في مؤشر التنمية البشرية بنسبة 0,710 عام 2023. مع زيادة في متوسط العمر بأكثر من عشر سنوات منذ عام 1990. فيما تضاعف الدخل الفردي. مع تسجيل تراجع في نسب الفقر المدقع إلى أقل من 0,3 % عام 2022.
إلا أن هاته الدينامية الإيجابية المسجلة قابلها تباطؤ هيكلي في نمو القدرة الشرائية. حيث انخفض معدل تطورها من 2,8 % خلال العقد الأول من الألفية. إلى 1,1 % فقط بين 2010 و2023. وهو ما جعل مسلسل الصدمات التي عاشها المغرب، بدءا من جائحة كورونا إلى موجات التضخم والجفاف. أكثر وطأة على الأسر المغربية.
وأكد التقرير أن الفوارق الاجتماعية والمجالية لا تزال قائمة. مسجلا تفاقمها في بعض المجالات. حيث عاد “مؤشر جيني لقياس التفاوتات” إلى مستواه المسجل عام 2001، أي 40,5 %. بينما تضاعفت نسبة الفقر بين 2019 و2022 لتصل إلى 3,9 % من مجموع السكان، أي ما يعادل 1,42 مليون شخص.
وأوضح التقرير أن المدن أصبحت ساحة جديدة للهشاشة الاجتماعية. حيث ارتفعت نسبة الأشخاص المهددين بالفقر من 7,3 % إلى 12,9 %، خلال ذات الفترة.
وأوضحت المعطيات المقدمة أن خريطة الفقر في المغرب بصدد التحول. حيث لم يعد يقتصر على الوسط القروي بل يمتد تدريجيا ليطال الوسط الحضري. وذلك تحت تأثير ضعف الحماية الاجتماعية وسوق العمل المحدود الإدماج.
وعلى الرغم من تراجع الفقر متعدد الأبعاد إلى 6,8 % عام 2024. فإنه يظل متمركزا في الوسط القروي بنسبة 72 %، مع بروز الحرمان من التعليم والصحة كأكبر مظاهره.
وسجل التقرير استمرار الفجوة بين الجنسين. إذ وعلى الرغم من تحسن نسب تمدرس الفتيات وتفوقهن أحيانا على الفتيان في مرحلة التعليم الإعدادي. إلا أن مشاركتهن في النشاط الاقتصادي لا تتجاوز 19 % في مقابل حوالي 70 % لدى الرجال. وهو ما يعكس تأخرا هيكليا في مجال تحقيق العدالة بين الجنسين. إذ ظل مؤشر التنمية المرتبط بالنوع عند حدود 0,859.
وارتباطا بهاته المعطيات، أوصت “المندوبية السامية للتخطيط” بضرورة إعادة صياغة السياسات العمومية على أسس أكثر شمولية وترابية. قائمة على المشاركة المجتمعية والمعطيات الدقيقة. مع إعطاء الأولوية للفئات الهشة والجهات الأقل استفادة من ثمار التنمية. وهي معطيات تنسجم مع الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه جلالته بمناسبة عيد العرش، خلال شهر يوليوز 2025. حيث أكد جلالته، حفظه الله. أن المغرب لا يمكن أن يسير بسرعتين مختلفتين. داعيا لتحقيق عدالة اجتماعية ومجالية أوسع وأكثر نجاعة.
وخلص التقرير إلى أن المغرب، رغم التقدم المحقق في المؤشرات الكلية للتنمية. لا يزال يواجه تحديا حقيقيا ذا صلة بضمان توزيع عادل لثمار هذا النمو. حيث خسر مؤشر التنمية البشرية المعدل وفق اللامساواة 27 % من الأداء العام، مسجلا مستوى 0,517 فقط. وهو ما يعكس بوضوح أن معركة الإدماج والإنصاف لا تزال قائمة وتشكل أولوية ملحة يجب التصدي لها.