قال وسيط المملكة المغربية، “حسن طارق”: إن العلاقة بين الوساطة والإنصاف تشكل مدخلا علميا وأكاديميا لفهم تطور الحكامة الإدارية بـ”المغرب”. مؤكدا على أن هذا المفهوم يتجاوز الطابع البروتوكولي للقاءات المؤسساتية.
في هذا السياق، أكد وسيط المملكة، أن العلاقة القائمة بين الوساطة والإنصاف تمثل المدخل الأكاديمي الجوهري لفهم تحولات الحكامة الإدارية بالمغرب. مشددا على أن هذا المفهوم يتجاوز الطقوس البروتوكولية ليكون أداة إصلاح بنيوية.
جاء هذا التصريح، خلال خلال لقاء أكاديمي علمي تم تنظيمه ببهو “كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية” بمدينة “الجديدة”. والذي يندرج ضمن قافلة جامعية نظمتها “مؤسسة الوسيط”، تحت شعار “جسور للحكمة وترسيخ ثقافة الإنصاف”. والتي شملت عدة كليات ضمنها “المحمدية”.
وتهدف هاته القافلة إلى تعزيز انفتاح “المؤسسة” على الجامعة، وإشاعة نقاش عمومي في موضوع الحكامة.
وأوضح “وسيط المملكة”، خلال ذات اللقاء، أن عمل المؤسسة يقوم على انتداب دستوري مزدوج، يتوزع بين حماية المرتفق من التظلمات الإدارية والتجاوزات القانونية المسجلة وفي نفس الوقت المساهمة في إرساء الحكامة من خلال الترافع المؤسساتي وتقديم التقارير والمقترحات.
وشدد على أن “المؤسسة” تستمد شرعيتها من انتداب دستوري مزدوج يوازن بين وظيفتين أساسيتين، تتوزع بين الحماية الجبائية والقانونية وحماية المرتفق من الشطط. والترافع المؤسساتي من خلال رصد الاختلالات الهيكلية للإدارة والتصدي لها.
وربط “حسن طارق” نجاح هذين الهدفين بنشر ثقافة الوساطة وترسيخ قيم الإنصاف داخل المجتمع. مبرزا أن غياب هاته الثقافة يحد من فعالية آليات الوساطة.
واستعرض ذات المصدر الامتداد الفلسفي لمفهوم الإنصاف. بدءا من “أرسطو”، الذي اعتبره تصحيحا للقانون عندما تعجز القاعدة العامة عن استيعاب الحالات الخاصة. مرورا بـ”بن رشد” الذي يرى أن “المنصف أفضل من العادل” لقدرته على تدارك نقائص التطبيق الحرفي للقانون. وصولا لـ”نظرية جون راولز”، الذي ربط بين العدالةوالإنصاف، معتبرا إيها إنصافا. لكونها تربط بين الحرية والمساواة عبر تكافؤ الفرص والسياسات الإيجابية.
وأوضح “وسيط المملكة” أن هذا التراكم الفلسفي مهد الطريق نحو تحول الإنصاف لمفهوم قانوني، خاصة في القانون الإداري. باعتباره أداة لمعالجة محدودية القواعد القانونية العامة التي قد تؤدي إلى نتائج غير عادلة عند تطبيقها بشكل صارم.
وحدد “طارق” ثلاث آليات لتفعيل الإنصاف في الوساطة، مقترحا تعديل القواعد القانونية عندما يؤدي تطبيقها المتكرر إلى نتائج غير عادلة. فضلا عن ملئ ثغرات النصوص القانونية الإدارية الصارمة، من خلال ملاءمة تطبيقها مع الحالات الاستثنائية. إضافة لتأويل القواعد الغامضة بالعودة إلى مقاصدها بدل الاقتصار على شكلانيتها. مقترحا مراجعة النصوص القانونية ومعالجة النتائج غير العادلة المتكررة. وملئ الثغرات القانونية واستيعاب الحالات الخاصة والفريدة. وتجاوز الشكلانية القانونية والعودة لروح النص وغايات المشرع.
وأبرز “طارق” أن مفهوم الإنصاف تعزز عبر عدة محطات أساسية. أهمها إحداث “ديوان المظالم” الذي ربط منذ البداية بين الوساطة الإدارية وفكرة الإنصاف وتجربة العدالة الانتقالية. وذلك من خلال “هيئة الإنصاف والمصالحة”، التي اعتمدت الإنصاف مدخلا لتحقيق المصالحة. إضافة لـ”دستور 2011” الذي كرس الإنصاف في عدة مجالات. ضمنها الإنصاف المجالي وتكافؤ الفرص والحكامة الاقتصادية.
واعتبر “حسن طارق” أن الإنصاف يعد جوهر الوساطة المرفقية، سواء كغاية أو كمنهجية في تدبير التظلمات. مؤكدا على ضرورة تسهيل الولوج إلى خدمات “الوسيط “دون تعقيدات أو تكاليف، بما يعكس التطبيق العملي لهذا المبدأ.
وشدد “طارق”، على أن تطوير الإدارة المغربية يمر عبر تبني فلسفة جديدة، تقوم على التوازن بين سيادة القانون وتحقيق العدالة الإنسانية. معتبرا أن الوساطة والإنصاف يعكسان تحولا عميقا في علاقة الإدارة بالمواطن نحو مزيد من الشفافية والنجاعة والإنصاف.
وأكد “الوسيط” على أن تطوير الإدارة المغربية يمر حتما عبر تبني “فلسفة إنسانية” توازن بين سيادة القانون والعدالة الاجتماعية. معتبرا أن تسهيل الولوج الرقمي لخدمات المؤسسة دون تعقيدات هو التطبيق العملي لمبدأ الإنصاف المرفقي في العصر الحديث. مبرزا أن الإنصاف هو روح القانون؛ وأن تدخل “الوسيط” لا يشكل بديلا عن المشرع، بل هو صمام أمان لضمان عدم تحول القاعدة القانونية العامة إلى أداة للظلم في الحالات الخاصة.