هل تضيق اتفاقية تسليم المطلوبين بين “المغرب” و”الأردن” آخر منافذ الإفلات من العدالة؟

العدالة اليوم

العدالة اليوم

 

وقع “المغرب” و”الأردن”، أمس الجمعة، بالرباط. اتفاقية لتسليم المطلوبين للعدالة في كلا البلدين. في خطوة تروم تعزيز التعاون القضائي والعدلي القائم بين القطرين الشقيقين. من خلال توفير إطار قانوني أكثر وضوحا لمعالجة طلبات تسليم الأشخاص المتابعين أو المحكوم عليهم في قضايا جنائية. بما يعزز التنسيق القائم بين السلطات المختصة ويدعم مكافحة الجريمة العابرة للحدود ويرسخ سيادة القانون.

جرت مراسم التوقيع على هاته الاتفاقية، عقب مباحثات جمعت وزير العدل المغربي، “عبد اللطيف وهبي” بنظيره الأردني، “بسام سمير شحادة التلهوني”. تناولت سبل تطوير التعاون القضائي وتبادل الخبرات والتجارب في مختلف المجالات ذات الصلة بمنظومة العدالة. إلى جانب بحث الآليات الكفيلة بالارتقاء بالعلاقات العدلية والمؤسساتية بين “الرباط” و”عمان” إلى اعلى مستوى.

كما تكتسي هاته الاتفاقية أهمية خاصة، بالنظر للتعاون القائم بين الجانبين في مجال تسليم المطلوبين للعدالة. فضلا عن كونها إحدى الأدوات القانونية المعتمدة من قبل الدول لمواجهة القضايا الجنائية التي تتجاوز الحدود الوطنية. من خلال وضع آليات للتعامل مع طلبات التسليم، وفق التشريعات الخاصة والالتزامات القانونية لكل طرف.

وضع قواعد للتعاون في إطار قانوني واضح

لا تعتبر الاتفاقية مجرد إجراء إداري تقني متصل بنقل شخص من بلد إلى آخر. وإنما بآلية قضائية وقانونية تخضع لشروط وإجراءات محددة. إذ أن طلب التسليم يمر عادة عبر قنوات رسمية، ما يستلزم دراسة قانونية للوقائع والأفعال المنسوبة المعني بالعملية.

كما تسمح مثل هاته الاتفاقيات، بتحديد الجهات المختصة، والوثائق المطلوبة، والإجراءات الواجب اتباعها. فضلا عن الشروط التي يمكن على أساسها قبول طلب التسليم أو رفضه. وفقا لما تنص عليه الاتفاقية والقوانين الوطنية لكل دولة.

من الناحية القانونية، يختلف التسليم القضائي عن إجراءات الإبعاد أو الترحيل الإداري. فالأول يرتبط عادة بمتابعة جنائية أو تنفيذ حكم قضائي. فيما يتصل الترحيل أو الإبعاد بوضعية الأجنبي داخل الدولة المضيفة، وفق قواعد قانون الهجرة والإقامة.

يعتبر هذا التمييز مهما لفهم طبيعة الاتفاقية المغربية الأردنية. لأن الأمر يتعلق بتنظيم تعاون بين سلطات الدولتين في المجال الجنائي والقضائي. وبالتالي لا يمكن فهمه على أنه عملية نقل لشخص يوجد في إحدى الدولتين تلقائيا إلى الدولة الأخرى، بمجرد تقديم طلب.

وهبي: الاتفاقية محطة هامة من أجل تعزيز التعاون القضائي

أكد وزير العدل المغربي، “عبد اللطيف وهبي”، أن توقيع هاته الاتفاقية، يمثل محطة هامة في مسار تعزيز التعاون القضائي بين “المغرب” و”الأردن”. مبرزا أنها تعكس الإرادة المشتركة للبلدين في تطوير الأسس القانونية والمؤسساتية المؤطرة للعلاقات العدلية.

وأوضح “وهبي” أن من شأن هاته الاتفاقية، أن تعمل على تعزيز التنسيق بين السلطات المختصة وتيسير التعاون في القضايا التي تتطلب تنسيقا وثيقا. ما يساهم في دعم نجاعة العدالة وتعزيز الثقة المتبادلة بين المؤسسات القضائية في كلا البلدين.

مقاربة تعكس توجها وانتقالا من التعاون القضائي القائم على الاتصالات والإجراءات المتفرقة. إلى تعاون أكثر انتظاما، تحدده قواعد مكتوبة وآليات تنفيذ متفق عليها مسبقا.

التلهوني: ضرورة توطيد التعاون القضائي والعدلي بين “الرباط” و”عمان”

من جانبه، أكد وزير العدل الأردني، “بسام سمير شحادة التلهوني”، أهمية الاتفاقية الموقعة في توطيد التعاون القضائي والعدلي بين المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية. مشيدا، في الوقت نفسه، بمستوى العلاقات الأخوية التي تجمع البلدين والشعبين الشقيقين.

وشدد ” التهلولي” على أهمية مواصلة تطوير آليات التعاون وتبادل الخبرات والتجارب في المجالات ذات الاهتمام المشترك. مبرزا أهمية تعزيز التنسيق القائم بين المؤسسات المعنية بالعدالة، بما يواكب عمق تطور العلاقات الثنائية. ما يفتح المجال أمام تعاون أكثر فاعلية في الملفات القضائية والعدلية.

يأتي توقيع اتفاقية التسليم هاته، في إطار مساعي البلدين لتوسيع تعاونهما القضائي وإقامته على أسس قانونية ومؤسساتية واضحة. ما يتيح معالجة القضايا ذات الصلة بفاعلية أكبر، مع احترام التشريعات الوطنية والالتزامات القانونية لكل بلد.

كما تعكس الخطوة حرص “المغرب” و”الأردن” على الارتقاء بتعاونهما القضائي والعدلي إلى مستويات أكثر فعالية. من خلال تعزيز الأطر القانونية، بما ينسجم مع طبيعة العلاقات الأخوية القائمة. ما يفتح المجال أمام مزيد من التعاون في مختلف المجالات ذات الصلة بمنظومة العدالة.

التسليم من الناحية القانونية

تعد اتفاقيات التسليم من أبرز أدوات التعاون الدولي في مكافحة الجريمة. لأنها تعالج إحدى الإشكالات التي تواجهها السلطات القضائية عندما يغادر شخص مطلوب للعدالة أراضي الدولة التي تحقق معه أو أصدرت حكما في حقه في اتجاه دولة اخرى.

الأمر يصبح أكثر صعوبة في التعاطي مع الملف، في حالة غياب إطار قانوني واضح ينظم العلاقة بين البلدين. في مجالات متصلة بالوثائق المطلوبة، الجهات المخولة بتقديم الطلبات، الآجال القانونية، الشروط القانونية اللازمة وضمانات الشخص المطلوب.

في الجهة المقابلة، تسعى الاتفاقية لتنظيم هاته العملية مسبقا. ما يسمح للسلطات المختصة في كل دولة بفحص الطلب وفق قواعد محددة موضوعة سلفا.

وهنا، لا بد من الوقوف حول المبادئ التي تؤسس هاته العلاقات. والقائمة على “مبدأ التجريم المزدوج”. أي أن الفعل موضوع طلب التسليم يكون مجرما في قانون كل من الدولة الطالبة والدولة المطلوب منها التسليم، وفق الشروط التي تحددها الاتفاقية المعنية.

كما ترتبط عملية التسليم أيضا، بمبدأ “التخصص”. ومفاده أن الشخص الذي يتم تسليمه، لا ينبغي أن تتم محاكمته، في الأصل، في الدولة الطالبة عن أفعال تختلف عن تلك التي شكلت أساس طلب التسليم. إلا في الحدود التي يسمح بها القانون أو الاتفاقية.

في سياق متصل، تبرز أيضا اعتبارات أخرى متعلقة بالحقوق والحريات والضمانات القضائية. بما في ذلك فحص طبيعة التهم والظروف القانونية المحيطة بالطلب، وفق النظام القانوني المعمول به لدى الدولة المطلوب منها التسليم.

أهمية التسليم في مكافحة الجريمة العابرة للحدود

تأخد هاته الآلية أهميتها، مع تطور الجريمة العابرة للحدود، التي لم تعد مرتبطة بحدود إقليم دولة واحدة. لأن شبكات الجريمة المنظمة والجرائم المالية والاحتيال والاتجار غير المشروع وغيرها من الأفعال، يمكن أن تمتد آثارها إلى أكثر من دولة. وهو ما يجعل التعاون بين السلطات القضائية والأمنية ضروريا في مجال تبادل المعلومات وتنفيذ الطلبات القضائية.

في هذا السياق، لا تعمل اتفاقية التسليم بمعزل عن باقي أدوات التعاون القضائي. مثل الإنابات القضائية، تبادل المعلومات، المساعدة القانونية المتبادلة في المواد الجنائية وتنفيذ بعض الأحكام والقرارات، وفق القواعد القانونية المعمول بها.

السيادة الوطنية والتعاون القضائي

تطرح اتفاقيات التسليم كذلك معادلة دقيقة بين “سيادة الدولة” وضرورة التعاون في مكافحة الجريمة. حيث أن الدولة التي تتلقى طلب التسليم، لا تتخلى عن اختصاصاتها القضائية. بل تقوم سلطاتها المختصة بدراسة الطلب والتأكد من استيفائه الشروط القانونية، قبيل اتخاذ القرار.

من ثم، فإن توقيع الاتفاقية لا يعني وجود آلية تلقائية للتسليم. وإنما الأمر يتعلق بوضع إطار قانوني يسمح للسلطات القضائية في كلا البلدين للتعامل مع الطلبات، وفق قواعد أكثر وضوحا وانتظاما.

جانب يكتسي أهمية خاصة، في مجال حماية الحقوق الأساسية للأشخاص المطلوب تسليمهم. إذ تظل الضمانات القانونية والقضائية جزءا أساسيا من أي تعاون دولي في المجال الجنائي.

تعاون يتجاوز المجال القضائي

تأتي هاته الاتفاقية الموقعة، في سياق ما تعرفه العلاقات الثنائية القائمة بين المملكة المغربية والمملكة الأردنية الهاشمية. التي تتخذ أبعادا سياسية واقتصادية ومؤسساتية متعددة. كما أن التعاون القضائية بين الجانبين سيمكن من تعزيز الثقة القائمة بين المؤسسات. خصوصا عندما يتعلق الأمر بملفات ذات طبيعة عابرة للحدود.

كما يمكن لتبادل الخبرات بين الجانبين، أن يفتح المجال أمام تطوير التعاون في مجالات أخرى. من بينها الرقمنة القضائية، تحديث الإدارة القضائية، التكوين وتبادل التجارب في مجال التشريع والعدالة.

نحو عدالة أكثر تنسيقا

يحمل توقيع اتفاقية التسليم رسالة تتجاوز الجانب الإجرائي. لأنها تعكس رغبة كل من “الرباط” و”عمان” في جعل التعاون القضائي أكثر تنظيما وفعالية. اتصالا بالتحولات التي تعرفها الجريمة العابرة للحدود.

بالنسبة إلى “المغرب”، فإن توسيع شبكة التعاون القضائي الدولي، يندرج ضمن الحاجة إلى تسهيل متابعة الملفات الجنائية التي تمتد آثارها خارج التراب الوطني. فيما تمثل بالنسبة إلى “الأردن” إطارا إضافيا لتعزيز التنسيق المؤسساتي بين البلدين في القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وهنا لا بد من الإشارة، أن أهمية توقيع هاته الاتفاقية لا تكمن في تسليم مطلوبين للعدالة فقط. بل تتعداه لإرساء قواعد قانونية للتعاون بين سلطات البلدين. بما يوازن بين متطلبات مكافحة الجريمة واحترام السيادة الوطنية والضمانات القضائية والحقوق الأساسية. فاتحة صفحة جديدة في ميدان التعاون العدلي بين “الرباط” و”عمان”. من خلال وضعها لبنة اساسية تمكن من جعل التنسيق بين البلدين أكثر سرعة ووضوحا وفعالية في مواجهة الجرائم التي تتجاوز الحدود الوطنية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.